مقال: السعيُ المشكور بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: السعيُ المشكور


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.

تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.

وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]


• خالِف نفسك واحذر الشيطان!

ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.

والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]


• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا

وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.

ولقد جاء في التفسير ذكر الشرط الثاني الذي يعد شرطا ملازما للإخلاص لأن من ضل عن هدى النبي صلى الله عليه وسلم لن تقبل أعماله، ومن أحب الله تعالى وأراد رضوانه، وخاف عقابه لا بد له من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، قال ابن جريج: "كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربّنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علمًا لحبه". [تفسير الطبري]، فبالإخلاص والمتابعة يصحح المرء توجيه عمله فيكون كل ما يعمله صوابا مشكورا مقبولا.


• اجتهادٌ بعد صحة العمل

وبعد أن يحقق العبد هذين الشرطين، يبدأ بالتشمير عن ساعد الجد الذي سيوصله لجنات النعيم المقيم وجنات الفردوس وجنة المأوى ويستظل تحت شجرة طوبى ويلبس الحلل من السندس والإستبرق، وينزع من صدره كل ما يعكر صفو قلبه مِن غل وغيره، قال ربنا جل في علاه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]

عن السدي قال: "إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نَضْرة النعيم"، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوا بعدها أبدًا". [تفسير الطبري]

فيا من تريد ما عند الله تعالى، عُد إليه وأطعْ أمره وتمسك بالأعمال الصالحة وخاصة في مواسم الطاعة فإن العمل فيها عظيم، وما تُحصّله فيها من خير فإنه يعود إليك، فاعمل وتذكّر هذا النداء: {إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَّشْكُورًا} [الإنسان: 22]

ولا شك أن الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال وسبيله أقصر السبل إلى الجنة، فبابه أعلى أبواب الجنة وقد بشّر الله أهله بالرحمة والرضوان والنعيم، قال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21 - 22]، ويكفي مِن ذلك أن الشهداء فرحون وهم عند ربهم يرزقون أحياء غير أموات قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 -171]

اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، واجعل سعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: السعيُ المشكور بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: السعيُ المشكور


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

تَنْعَم أذُنُ المؤمن بلذة كلما سَمِعت بالجنة ونعيمها، فتتأثر جميع الأعضاء خاشعة مطمئنة مشتاقة لتلك الجنة العالية وما فيها من الحور والحبور والأنهار والقصور، وتتوق نفس المؤمن للشهادة في سبيل الله تعالى لما فيها من الكرامة التي تجعل صاحبها يسأل ربه أن يعود إلى الدنيا فيقتل عشر مرات في سبيل الله.

تلك الجنة أيها الأحباب، إن اشتقنا إليها؛ فإن لها سبيلا في الدنيا لا بدّ مِن سلوكه، ومَن سلكه وسار وصبر عليه وصل إن شاء الله.

وقد ساق الله عباده بالترهيب تارة وبالترغيب تارة، بما عنده من فضل يُغدقه عليهم في الدنيا والآخرة، وإن عاجل بشرى المؤمن في الدنيا أن يَرِد بساتين الذكر والأعمال الصالحات، فيذوق على إثرها حلاوة الإيمان، وتطيب نفسه ويعيش جنة الدنيا قبل أن يرزق جنة الآخرة، قال ابن تيمية رحمه الله: "إن في الدنيا جنةً، من لم يَدخلها، لن يدخل جنة الآخرة" [مدارج السالكين]، وهدى الله تعالى عباده لكل ما يصلح لهم أمور دينهم ودنياهم، فتفرّق الناس بين مستكثر طائع له سبحانه، وآخرون تركوا سبيل الهدى وطال بهم الأمل، فسلكوا سبيل الغي والخسران، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3]، وقوله: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} أي: بيناه له ووضحناه وبصرناهم به، كقوله: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ} [فصلت: 17]، وكقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. [تفسير الطبري]


• خالِف نفسك واحذر الشيطان!

ومن أراد سبيل الجنة فعليه الحذر من أن يغويه الشيطان ويغريه، فإن الشيطان قد أخرج آدم وحواء من الجنة ويريد أن يُضل بَنِيهِما، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27]، وقال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 39 - 40]، فكان الإخلاص سببا للوقاية من الشيطان، فلا بد أن يأخذ به كل من أراد الآخرة وسعى لها سعيها ليكون سعيه مشكورا، فإن الشيطان بعِيدٌ من أهل الإخلاص.

والجنة إنما تُنال بالاجتهاد والتعب، ولا تُحصّل الجنة بكسل الكُسالى ولا بالتعلق بالدنيا والانشغال بها دون بذل وطاعة وحَمْل الجوارح على ما يحبه الله سبحانه، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 16 - 19] ولا تُنال أيضا بالعلو والتكبّر في الدنيا والفساد فيها قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]


• لا يُقبل العمل إلا إذا كان خالصًا صوابًا

وأما الأعمال التي تُدخل صاحبها الجنة ويقبلها الله تعالى فهي الأعمال التي استوفت شرطين اثنين هما: الإخلاص لله تعالى، ومتابعة النبي أي موافقة هديه، لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، وقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ...} [آل عمران: 20]، وقال أبو العالية والربيع: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يقول: من أخلص لله. وقال سعيد بن جبير: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ} أخلص، {وَجْهَهُ} قال: دينه، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي: متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فإن للعمل المتقبل شرطين، أحدهما: أن يكون خالصا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابا موافقا للشريعة، فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يُتقبل، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) [رواه مسلم]… وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يُخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]" انتهى كلامه.

ولقد جاء في التفسير ذكر الشرط الثاني الذي يعد شرطا ملازما للإخلاص لأن من ضل عن هدى النبي صلى الله عليه وسلم لن تقبل أعماله، ومن أحب الله تعالى وأراد رضوانه، وخاف عقابه لا بد له من متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، لقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران: 31]، قال ابن جريج: "كان قوم يزعمون أنهم يحبون الله، يقولون: إنا نحب ربّنا! فأمرهم الله أن يتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وجعل اتباع محمد علمًا لحبه". [تفسير الطبري]، فبالإخلاص والمتابعة يصحح المرء توجيه عمله فيكون كل ما يعمله صوابا مشكورا مقبولا.


• اجتهادٌ بعد صحة العمل

وبعد أن يحقق العبد هذين الشرطين، يبدأ بالتشمير عن ساعد الجد الذي سيوصله لجنات النعيم المقيم وجنات الفردوس وجنة المأوى ويستظل تحت شجرة طوبى ويلبس الحلل من السندس والإستبرق، وينزع من صدره كل ما يعكر صفو قلبه مِن غل وغيره، قال ربنا جل في علاه: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]

عن السدي قال: "إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غِلّ، فهو "الشراب الطهور"، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم "نَضْرة النعيم"، فلم يشعَثُوا ولم يتَّسخوا بعدها أبدًا". [تفسير الطبري]

فيا من تريد ما عند الله تعالى، عُد إليه وأطعْ أمره وتمسك بالأعمال الصالحة وخاصة في مواسم الطاعة فإن العمل فيها عظيم، وما تُحصّله فيها من خير فإنه يعود إليك، فاعمل وتذكّر هذا النداء: {إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَّشْكُورًا} [الإنسان: 22]

ولا شك أن الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال وسبيله أقصر السبل إلى الجنة، فبابه أعلى أبواب الجنة وقد بشّر الله أهله بالرحمة والرضوان والنعيم، قال تعالى: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 21 - 22]، ويكفي مِن ذلك أن الشهداء فرحون وهم عند ربهم يرزقون أحياء غير أموات قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 -171]

اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء، واجعل سعينا مشكورا وذنبنا مغفورا، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

السكينةُ في الجهاد لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، ...

السكينةُ في الجهاد


لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، وكذلك لن تكون له في الآخرة إلا بذلك، والمسلم يقضي كل حياته سعيًا في الظفر برحمة الله تعالى فهي منْيته وأقصى رجاه وأعلى مبتغاه، ومعلوم أن الهجرة والجهاد بعد صحة التوحيد مِن أوسع أبواب الرحمة بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، قال المفسّرون: "هذه الأعمال الثلاثة -الإيمان والهجرة والجهاد-؛ هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية... فمن قام بها على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشدّ قياما بها وتكميلا، فحقيقٌ بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله".

وقد حفّ الله تعالى المجاهدين والمهاجرين -في سبيله- برحمته وغشيهم بسَكينته وخصّهم بها بين كثير مِن عباده، فالمجاهد مِن أول خطوة يخطوها مِن عتبة بابه قاصدا أرض الجهاد، والرحمات تحفّه والسكينة تغشاه حتى في أحلك الظروف.

فبرغم كل المخاطر والصعوبات والمحن والابتلاءات التي يتعرض لها المجاهد في رحلته الشاقة، إلا أنه يشعر بسكينة وطمأنينة عجيبة لا تكاد تفارقه في سائر مراحل جهاده، يعرفها كل مَن ذاقها، تصاحبه حتى ينتهي به المطاف إلى السعادة والراحة الأبدية في جنات النعيم -بإذن الله تعالى-.

وقد ذكر القرآن الكريم بعضا مِن محالّ السكينة ومواطنها التي تصاحب المجاهد في طريقه، لتكون المعالم واضحة لكل سائر في هذا الطريق، ومِن ذلك حين تصدُق القلوب مع ربها وتُخرِج كلَّ ما فيها من شوائب فتصفو حتى لا يبقى فيها إلا البذل والتضحية لدين الله تعالى، ويستقر الصدق في سويداء القلوب وأعماقها، فيرى الله ذلك في قلوب عباده فينزل السكينة عليهم، كما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية حين أتاهم خبر مكذوب عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الموت، فشهد الله تعالى على صدقهم واستعدادهم للقتال حتى الموت؛ فرضي عنهم، وقال فيهم: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، وأنزلها مرة أخرى عند إبرام الصلح، ليتم مراده سبحانه ويقضي أمرا كان مفعولا، فقال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}، وكان من أسباب نزول السكينة عليهم كما بيّنه المفسرون: "أنهم صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين".

ومِن مواطن نزول السكينة، حينما تنقطع السبل بالعبد ويحيط الكرب به مِن كل جانب، فلا يكون له ملجأ مِن الله إلا إليه عندها تَحِل السكينة عليه؛ ليعلم عبد الله أن إلهه حيٌ قريبٌ على كل شيء شهيد، وقد وقع ذلك ليلة الغار لنبينا صلى الله عليه وسلم، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]، فنالت أبو بكر سكينةٌ أسكنت كلّ روعٍ في قلبه حتى يوم الردة لمّا ثبت شامخا صلبا، فقيل له: "لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام".

ومن مواطن السكينة أيضا، احتدام القتال وشدة الطعان بعد أن تضيق الأرض بالمؤمنين، فتأتي السكينة لتكشف الغمة، كيوم حنين، قال الله جل وعلا فيه: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 - 26]

وربما تنزل السكينة معها النعاس رحمةً مِن الرحمن لأوليائه؛ ليزول قلقهم وتهدأ نفوسهم ويشتد تركيزهم في ذلك الموطن، وهذا كثيرا ما يحدث مع المجاهدين فينامون في أشدّ ساعات القصف أمنةً ورحمةً من الله لهم، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154]

وهذه كلها دلائل وبراهين على أنّ الله تعالى لن يضيع عباده المؤمنين، فلو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله لعباده فرجا ومخرجا.

ومن عجيب نزول السكينة على المؤمنين في أيامنا، ما يقع حينما يتسابق المجاهدون إلى الموت فتراهم يقترعون لركوب العربات المفخخة، وتراهم يلحّون على الله تعالى بالدعاء أن يرزقهم عملية استشهادية في صفوف العدو، ومِن ذلك أيضا ما يُرى عليه الاستشهاديون والانغماسيون مِن الفرح والاستبشار قبيل تنفيذ عملياتهم وركوبهم مطايا الموت!، وهو الأمر الذي لم يكن تستوعبه عقول الجمادييّن طلاب الدنيا وعبيدها، فكانوا يصفون طلاب الشهادة بكل أوصاف الجنون والاستهزاء... ولا عجب! فالفرق بين الفريقين كبير! واقرأوا إنْ شئتم قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

هذه السكينة هي التي جعلت عمير بن الحمام -رضي الله عنه- يرى الدنيا طويلة طويلة إن بقي فيها ليأكل بضع تمرات في يديه لا يستغرق أكلها دُقيْقات! وهي السكينة التي تجعل أحفاد عمير اليوم يتقدمون لا يُحجمون والموت يطلبهم في كل واد، وكيف يُحجمون أو يتأخرون وجنةُ الخلد تهيأت وتزينت لطلابها؟!، هناك حيث المستقر لا ضيق ولا كدر، لا تعب ولا نصب! فبها يتواعدون ويتواصون ولها يُعدّون ويعملون.

إن السكينة التي يجدها المجاهد في طريقه تهوّن عليه كل صعب وتيسّر عليه كل عسير، فتُحيل الصحاري المقفرة في عين يقينه مرابع خضراء! وتملأ عليه المغارات الموحشة أُنْسا لا يجده سكان القصور!

إن الوحشة والقسوة والكدر والقلق والضيق والهمّ وكثير من أدواء العصر التي يعاني منها أكثر المسلمين المتخلّفين اليوم عن الجهاد، طبُّها ودواؤها في ساحات الجهاد، فهلموا أيها المسلمون إلى نجاتكم وسعادتكم في الدارين، والتحقوا بميادين الجهاد -على منهاج النبوة-، فإن رحمة الله ظلال للمجاهدين وسكينته رياح تسوقهم وترتحل معهم أينما رحلوا، وتحِلّ معهم حيث حلّوا، والله ولي المتقين، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

السكينةُ في الجهاد لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، ...

السكينةُ في الجهاد


لن ينال المسلمُ السعادة في الدنيا إلا بالدخول في كنف الله تعالى ورحمته، وكذلك لن تكون له في الآخرة إلا بذلك، والمسلم يقضي كل حياته سعيًا في الظفر برحمة الله تعالى فهي منْيته وأقصى رجاه وأعلى مبتغاه، ومعلوم أن الهجرة والجهاد بعد صحة التوحيد مِن أوسع أبواب الرحمة بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 218]، قال المفسّرون: "هذه الأعمال الثلاثة -الإيمان والهجرة والجهاد-؛ هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية... فمن قام بها على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشدّ قياما بها وتكميلا، فحقيقٌ بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله".

وقد حفّ الله تعالى المجاهدين والمهاجرين -في سبيله- برحمته وغشيهم بسَكينته وخصّهم بها بين كثير مِن عباده، فالمجاهد مِن أول خطوة يخطوها مِن عتبة بابه قاصدا أرض الجهاد، والرحمات تحفّه والسكينة تغشاه حتى في أحلك الظروف.

فبرغم كل المخاطر والصعوبات والمحن والابتلاءات التي يتعرض لها المجاهد في رحلته الشاقة، إلا أنه يشعر بسكينة وطمأنينة عجيبة لا تكاد تفارقه في سائر مراحل جهاده، يعرفها كل مَن ذاقها، تصاحبه حتى ينتهي به المطاف إلى السعادة والراحة الأبدية في جنات النعيم -بإذن الله تعالى-.

وقد ذكر القرآن الكريم بعضا مِن محالّ السكينة ومواطنها التي تصاحب المجاهد في طريقه، لتكون المعالم واضحة لكل سائر في هذا الطريق، ومِن ذلك حين تصدُق القلوب مع ربها وتُخرِج كلَّ ما فيها من شوائب فتصفو حتى لا يبقى فيها إلا البذل والتضحية لدين الله تعالى، ويستقر الصدق في سويداء القلوب وأعماقها، فيرى الله ذلك في قلوب عباده فينزل السكينة عليهم، كما جرى لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية حين أتاهم خبر مكذوب عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على الموت، فشهد الله تعالى على صدقهم واستعدادهم للقتال حتى الموت؛ فرضي عنهم، وقال فيهم: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18]، وأنزلها مرة أخرى عند إبرام الصلح، ليتم مراده سبحانه ويقضي أمرا كان مفعولا، فقال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}، وكان من أسباب نزول السكينة عليهم كما بيّنه المفسرون: "أنهم صبروا لحكم الله، والتزموا الشروط التي فيها تعظيم حرمات الله ولو كانت ما كانت، ولم يبالوا بقول القائلين، ولا لوم اللائمين".

ومِن مواطن نزول السكينة، حينما تنقطع السبل بالعبد ويحيط الكرب به مِن كل جانب، فلا يكون له ملجأ مِن الله إلا إليه عندها تَحِل السكينة عليه؛ ليعلم عبد الله أن إلهه حيٌ قريبٌ على كل شيء شهيد، وقد وقع ذلك ليلة الغار لنبينا صلى الله عليه وسلم، حين قال لأبي بكر رضي الله عنه: (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، قال تعالى: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]، فنالت أبو بكر سكينةٌ أسكنت كلّ روعٍ في قلبه حتى يوم الردة لمّا ثبت شامخا صلبا، فقيل له: "لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاضها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام".

ومن مواطن السكينة أيضا، احتدام القتال وشدة الطعان بعد أن تضيق الأرض بالمؤمنين، فتأتي السكينة لتكشف الغمة، كيوم حنين، قال الله جل وعلا فيه: {وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُّدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25 - 26]

وربما تنزل السكينة معها النعاس رحمةً مِن الرحمن لأوليائه؛ ليزول قلقهم وتهدأ نفوسهم ويشتد تركيزهم في ذلك الموطن، وهذا كثيرا ما يحدث مع المجاهدين فينامون في أشدّ ساعات القصف أمنةً ورحمةً من الله لهم، قال تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154]

وهذه كلها دلائل وبراهين على أنّ الله تعالى لن يضيع عباده المؤمنين، فلو انطبقت السماء على الأرض لجعل الله لعباده فرجا ومخرجا.

ومن عجيب نزول السكينة على المؤمنين في أيامنا، ما يقع حينما يتسابق المجاهدون إلى الموت فتراهم يقترعون لركوب العربات المفخخة، وتراهم يلحّون على الله تعالى بالدعاء أن يرزقهم عملية استشهادية في صفوف العدو، ومِن ذلك أيضا ما يُرى عليه الاستشهاديون والانغماسيون مِن الفرح والاستبشار قبيل تنفيذ عملياتهم وركوبهم مطايا الموت!، وهو الأمر الذي لم يكن تستوعبه عقول الجمادييّن طلاب الدنيا وعبيدها، فكانوا يصفون طلاب الشهادة بكل أوصاف الجنون والاستهزاء... ولا عجب! فالفرق بين الفريقين كبير! واقرأوا إنْ شئتم قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

هذه السكينة هي التي جعلت عمير بن الحمام -رضي الله عنه- يرى الدنيا طويلة طويلة إن بقي فيها ليأكل بضع تمرات في يديه لا يستغرق أكلها دُقيْقات! وهي السكينة التي تجعل أحفاد عمير اليوم يتقدمون لا يُحجمون والموت يطلبهم في كل واد، وكيف يُحجمون أو يتأخرون وجنةُ الخلد تهيأت وتزينت لطلابها؟!، هناك حيث المستقر لا ضيق ولا كدر، لا تعب ولا نصب! فبها يتواعدون ويتواصون ولها يُعدّون ويعملون.

إن السكينة التي يجدها المجاهد في طريقه تهوّن عليه كل صعب وتيسّر عليه كل عسير، فتُحيل الصحاري المقفرة في عين يقينه مرابع خضراء! وتملأ عليه المغارات الموحشة أُنْسا لا يجده سكان القصور!

إن الوحشة والقسوة والكدر والقلق والضيق والهمّ وكثير من أدواء العصر التي يعاني منها أكثر المسلمين المتخلّفين اليوم عن الجهاد، طبُّها ودواؤها في ساحات الجهاد، فهلموا أيها المسلمون إلى نجاتكم وسعادتكم في الدارين، والتحقوا بميادين الجهاد -على منهاج النبوة-، فإن رحمة الله ظلال للمجاهدين وسكينته رياح تسوقهم وترتحل معهم أينما رحلوا، وتحِلّ معهم حيث حلّوا، والله ولي المتقين، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 331
الخميس 21 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر ...

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل


في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإلى عصر أبي بكر وأبي إبراهيم -رحمهم الله-، نسلٌ كريمٌ على نهج الراشدين الأُوَل مضوا وأمضوا وعودهم وأوفوا ببيعتهم فقاتلوا حتى قُتلوا، ولم يُسْلِموا الراية لعدوِّهم، بل سلّموها لمن يأخذها بحقّها بإذن الله تعالى.

قصةٌ تتكرر في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، خليفةٌ يعقبه خليفة، وإمامٌ يسلِّم الراية إلى آخر، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق دامت خلافته عامين فقط حتى توفي بمرض قيل: إنه بالسُّم وقيل غير ذلك، فخلَفه الفاروقُ عمر الذي توسّعت الفتوحات في عهده وبلغت قوة الدولة الإسلامية ما بلغت، ثم قُتل وهو يؤمّ الناس بصلاة الفجر في مسجده وبين أصحابه بطعنات غرٍّ مجوسي قتلَ معه سبعة من الصحابة في نفس الواقعة!، ليخلفه ذو النورين عثمان فتموج فتنٌ في أواخر عهده ويُحاصر ويُقتل في منزله وبين أصحابه!، ثم خلَفه عليٌّ بن أبي طالب ودامت خلافته خمس سنوات حتى قتله الشقيُّ الخارجي ابن ملجم وهو في صلاة الفجر أيضًا وبين أصحابه.

هكذا قُتل الخلفاء الراشدون المهديون وما يزال قادة الخلافة المعاصرة يُقتلون على نفس نهج الراشدين الأول، فعلامَ يُلامون؟ علامَ يلمزهم الشانئون؟ علامَ ينكر هؤلاء علينا شرفا لم يبلغوه؟ ومجدا لم يدركوه؟ أيعيِّرونا بالثبات أم بالقتل ثابتين؟! علامَ ينتقدون موت الخليفةِ أبي إبراهيم في ملحمة بطولية بات الناس ليلتهم وكلٌّ يدَّعي وصلاً بها! كلٌّ يقول: هذا أميرنا وهذا قائدنا! حتى إذا ما انفلق الإصباح عن جثة الشيخ المسجّى بدّلوا كلامهم وقالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا! وتنقّصوه!! في نفاقٍ بلغ الآفاق! ولو كان هذا المشهد المهيب في عصر الراشدين الأوَل لقالوا فيه: "يا أرشد الله من غاز وقد رشدا".

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، ثم كرر ذلك مجددا في آل عمران فقال جلّ شأنه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. قال المفسّرون في تفسيرها: أي "لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواتها مَن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته". وتأمل قوله تعالى: {عند ربهم} وما يقتضيه ذلك من علو المكانة والقرب من المولى سبحانه.

ولقد أغرق البعض في التحليلات والتكهنات حول أسباب تأخّر الإعلان عن مقتل الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- وتنصيب الخليفة أبي الحسن -حفظه الله-، وما علموا أنَّ التنصيب والبيعة لم تتأخر، والذي أُرجئ هو فقط إعلان ذلك في الإعلام لأسباب تخصّ الميدان، فالميدان هو الذي يحكم الإعلامَ ويوجّهه وليس العكس، بل لم ينقضِ يوم الجمعة التالي للملحمة، حتى أدركنا البيعة للشيخ أبي الحسن الهاشمي -بفضل الله تعالى-، وعلى إثرها بايعت دواوين الجند والإعلام والمفارز في سائر الولايات.

ولقد وثّقت المكاتب الإعلامية على مدار أسبوع متواصل عشرات البيعات من جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية في بقاع الأرض، في مشهد أغاظ الصليبيين والمرتدين وهم يرون كلَّ محاولاتهم لوقف عجلة الجهاد والقضاء على دولة الخلافة تذهب أدراج الرياح.

ولقد استغرب الصديق والعدو مِن إعلان الدولة الإسلامية مقتل الشيخ أبي حمزة القرشي -تقبله الله- وهو ما لم تعلم به أمريكا الصليبية ولا كلّ مخابرات العالم، ولا وسائل الإعلام ولا محلليها ومخرِّصيها على كثرتهم وكثرة كذبهم، وفي ذلك رسالة إلى من يظنون أنّ المخابرات العالمية تتحكم في الكرة الأرضية! وأنه لا يخفى عليها شيء في الأرض!، فلقد خفي عنها مقتل الشيخ المتحدث الرسمي أبي حمزة القرشي -تقبله الله تعالى-، والذي وصفه خلَفه الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله- بقوله: "الشيخ الخفي التقي" ولا نزيد.

وننتهز الفرصة لنخاطب إخواننا المناصرين فنقول: إنَّ عليهم أنْ لا ينشغلوا بالرد على مَن طمس الله بصيرته فلم يتوقف إلى اليوم عن بثّ الأراجيف والشبهات حول هوية الخليفة ومَن يكون، فلقد خاضوا كثيرا مِن قبل في الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله- حتى خرج إليهم جهارًا نهارًا في خطبة الجمعة على الملأ! فقالوا كيف يخرج وأين طائرات الصليبيين عنه؟ فلما قُتل قالوا أين جثته؟! وهكذا لن يتوقف هؤلاء المنافقون عن الخوض في ذلك؟ فذلك دأبهم وتلك شنشنتهم.

فإياكم أن تنشغلوا بهم أو يشغلوكم، بل ترفّعوا عنهم فقد قيل: إن الصقور تُحلّق عاليًا كي لا تشتبك مع الغرانيق! فترفّعوا -رفع الله قدركم- عن هؤلاء، وفي المقابل اخفضوا جناح الذل والرحمة للمسلمين الباحثين عن الحق ولينوا لهم وترفّقوا بهم، وعِظوهم وادعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والفرق بين الباحث عن الحق والمرجف المنافق لا يخفى.

كما كان واضحا نقمة الناس وحنقهم على بيادق المخابرات التركية والدولية في (إدلب)، وكيف عكفت الحواضن على انتقادهم ووصفهم بالغدر والخيانة حتى اضطر هؤلاء إلى إصدار بيانات خانعة على استحياء تدين قتل الأطفال وتخنس عن قتل الأبطال في صورة تغني عن كثير مقال لأولي الألباب والنهى.

وليتأمل العاقل كيف تُساق الحجج على هؤلاء مِن حيث لا يدرون! وكيف يُحسن الله تعالى خاتمة أوليائه ويكشفها للعباد ليعتبروا ويتدبروا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما أمريكا العجوز التي حاول أخرقُها البائس أن يُسابق الزمن لتسجيل نصر موهوم يُغطّي بغربال على فرحة المسلمين بملحمة غويران التي كانت مِن "آخر البطولات وأشرف الإنجازات" في عهد الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- "في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها".

لقد بحثت أمريكا العجوز مجددا بين أكوام الركام في (أطمة) عن النصر الذي زعمته من قبل في (باريشا)! وهو نفس النصر الذي بحثت عنه بين جثث الأطهار البررة في الباغوز والموصل، وهو نفس النصر الذي ادَّعته كثيرا من قبل؛ يوم قتلت أبا مصعب وأبا عمر وأبا حمزة وأبا محمد وأبا بكر وأبا الحسن وغيرهم -تقبلهم الله جميعا-، فأين نصركِ أمريكا؟! وأيّ نصر هذا الذي تزعمينه منذ نحو عقدين من الزمان وتبحثين عنه بين الركام، فلا تجدين غير الحطام؟!

بل نقول وبالله التوفيق: إن دولة الخلافة اليوم تقاتل المشركين في صف واحد عربا وعجما يأتمرون بأمر إمام واحد من الشام إلى الهند ومن العراق إلى موزمبيق، في الوقت الذي انقسمت فيه صفوف الصليبيين انقسامًا لن يلتئم بل سيتصاعد بإذن الله.

فهذه صفوفكِ أمريكا وصفوف حلفائكِ مبعثرة منقسمة، وصفوفنا على منهاج النبوة مجتمعة وبحبل الله تعالى مستمسكة، وسيواصل جنود الخلافة طريقهم على هذا النهج المبارك نهج الراشدين المهديين حتى يسلِّموا الراية إلى عيسى عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 330
الخميس 14 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر ...

مقال: على نهج الراشدين الأُوَل


في مشهدٍ مشرِّفٍ يتكرر منذ عصر الخلافة الراشدة، عصر أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-، وإلى عصر أبي بكر وأبي إبراهيم -رحمهم الله-، نسلٌ كريمٌ على نهج الراشدين الأُوَل مضوا وأمضوا وعودهم وأوفوا ببيعتهم فقاتلوا حتى قُتلوا، ولم يُسْلِموا الراية لعدوِّهم، بل سلّموها لمن يأخذها بحقّها بإذن الله تعالى.

قصةٌ تتكرر في تاريخ الإسلام القديم والمعاصر، خليفةٌ يعقبه خليفة، وإمامٌ يسلِّم الراية إلى آخر، فهذا الخليفة أبو بكر الصديق دامت خلافته عامين فقط حتى توفي بمرض قيل: إنه بالسُّم وقيل غير ذلك، فخلَفه الفاروقُ عمر الذي توسّعت الفتوحات في عهده وبلغت قوة الدولة الإسلامية ما بلغت، ثم قُتل وهو يؤمّ الناس بصلاة الفجر في مسجده وبين أصحابه بطعنات غرٍّ مجوسي قتلَ معه سبعة من الصحابة في نفس الواقعة!، ليخلفه ذو النورين عثمان فتموج فتنٌ في أواخر عهده ويُحاصر ويُقتل في منزله وبين أصحابه!، ثم خلَفه عليٌّ بن أبي طالب ودامت خلافته خمس سنوات حتى قتله الشقيُّ الخارجي ابن ملجم وهو في صلاة الفجر أيضًا وبين أصحابه.

هكذا قُتل الخلفاء الراشدون المهديون وما يزال قادة الخلافة المعاصرة يُقتلون على نفس نهج الراشدين الأول، فعلامَ يُلامون؟ علامَ يلمزهم الشانئون؟ علامَ ينكر هؤلاء علينا شرفا لم يبلغوه؟ ومجدا لم يدركوه؟ أيعيِّرونا بالثبات أم بالقتل ثابتين؟! علامَ ينتقدون موت الخليفةِ أبي إبراهيم في ملحمة بطولية بات الناس ليلتهم وكلٌّ يدَّعي وصلاً بها! كلٌّ يقول: هذا أميرنا وهذا قائدنا! حتى إذا ما انفلق الإصباح عن جثة الشيخ المسجّى بدّلوا كلامهم وقالوا: هذا شرُّنا وابن شرِّنا! وتنقّصوه!! في نفاقٍ بلغ الآفاق! ولو كان هذا المشهد المهيب في عصر الراشدين الأوَل لقالوا فيه: "يا أرشد الله من غاز وقد رشدا".

قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ}، ثم كرر ذلك مجددا في آل عمران فقال جلّ شأنه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}. قال المفسّرون في تفسيرها: أي "لا يخطر ببالك وحسبانك أنهم ماتوا وفقدوا، وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا والتمتع بزهرتها، الذي يحذر من فواتها مَن جبن عن القتال، وزهد في الشهادة {بل} قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون، فهم {أحياء عند ربهم} في دار كرامته". وتأمل قوله تعالى: {عند ربهم} وما يقتضيه ذلك من علو المكانة والقرب من المولى سبحانه.

ولقد أغرق البعض في التحليلات والتكهنات حول أسباب تأخّر الإعلان عن مقتل الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- وتنصيب الخليفة أبي الحسن -حفظه الله-، وما علموا أنَّ التنصيب والبيعة لم تتأخر، والذي أُرجئ هو فقط إعلان ذلك في الإعلام لأسباب تخصّ الميدان، فالميدان هو الذي يحكم الإعلامَ ويوجّهه وليس العكس، بل لم ينقضِ يوم الجمعة التالي للملحمة، حتى أدركنا البيعة للشيخ أبي الحسن الهاشمي -بفضل الله تعالى-، وعلى إثرها بايعت دواوين الجند والإعلام والمفارز في سائر الولايات.

ولقد وثّقت المكاتب الإعلامية على مدار أسبوع متواصل عشرات البيعات من جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية في بقاع الأرض، في مشهد أغاظ الصليبيين والمرتدين وهم يرون كلَّ محاولاتهم لوقف عجلة الجهاد والقضاء على دولة الخلافة تذهب أدراج الرياح.

ولقد استغرب الصديق والعدو مِن إعلان الدولة الإسلامية مقتل الشيخ أبي حمزة القرشي -تقبله الله- وهو ما لم تعلم به أمريكا الصليبية ولا كلّ مخابرات العالم، ولا وسائل الإعلام ولا محلليها ومخرِّصيها على كثرتهم وكثرة كذبهم، وفي ذلك رسالة إلى من يظنون أنّ المخابرات العالمية تتحكم في الكرة الأرضية! وأنه لا يخفى عليها شيء في الأرض!، فلقد خفي عنها مقتل الشيخ المتحدث الرسمي أبي حمزة القرشي -تقبله الله تعالى-، والذي وصفه خلَفه الشيخ أبو عمر المهاجر -حفظه الله- بقوله: "الشيخ الخفي التقي" ولا نزيد.

وننتهز الفرصة لنخاطب إخواننا المناصرين فنقول: إنَّ عليهم أنْ لا ينشغلوا بالرد على مَن طمس الله بصيرته فلم يتوقف إلى اليوم عن بثّ الأراجيف والشبهات حول هوية الخليفة ومَن يكون، فلقد خاضوا كثيرا مِن قبل في الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله- حتى خرج إليهم جهارًا نهارًا في خطبة الجمعة على الملأ! فقالوا كيف يخرج وأين طائرات الصليبيين عنه؟ فلما قُتل قالوا أين جثته؟! وهكذا لن يتوقف هؤلاء المنافقون عن الخوض في ذلك؟ فذلك دأبهم وتلك شنشنتهم.

فإياكم أن تنشغلوا بهم أو يشغلوكم، بل ترفّعوا عنهم فقد قيل: إن الصقور تُحلّق عاليًا كي لا تشتبك مع الغرانيق! فترفّعوا -رفع الله قدركم- عن هؤلاء، وفي المقابل اخفضوا جناح الذل والرحمة للمسلمين الباحثين عن الحق ولينوا لهم وترفّقوا بهم، وعِظوهم وادعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والفرق بين الباحث عن الحق والمرجف المنافق لا يخفى.

كما كان واضحا نقمة الناس وحنقهم على بيادق المخابرات التركية والدولية في (إدلب)، وكيف عكفت الحواضن على انتقادهم ووصفهم بالغدر والخيانة حتى اضطر هؤلاء إلى إصدار بيانات خانعة على استحياء تدين قتل الأطفال وتخنس عن قتل الأبطال في صورة تغني عن كثير مقال لأولي الألباب والنهى.

وليتأمل العاقل كيف تُساق الحجج على هؤلاء مِن حيث لا يدرون! وكيف يُحسن الله تعالى خاتمة أوليائه ويكشفها للعباد ليعتبروا ويتدبروا ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

أما أمريكا العجوز التي حاول أخرقُها البائس أن يُسابق الزمن لتسجيل نصر موهوم يُغطّي بغربال على فرحة المسلمين بملحمة غويران التي كانت مِن "آخر البطولات وأشرف الإنجازات" في عهد الخليفة أبي إبراهيم -تقبله الله- "في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها".

لقد بحثت أمريكا العجوز مجددا بين أكوام الركام في (أطمة) عن النصر الذي زعمته من قبل في (باريشا)! وهو نفس النصر الذي بحثت عنه بين جثث الأطهار البررة في الباغوز والموصل، وهو نفس النصر الذي ادَّعته كثيرا من قبل؛ يوم قتلت أبا مصعب وأبا عمر وأبا حمزة وأبا محمد وأبا بكر وأبا الحسن وغيرهم -تقبلهم الله جميعا-، فأين نصركِ أمريكا؟! وأيّ نصر هذا الذي تزعمينه منذ نحو عقدين من الزمان وتبحثين عنه بين الركام، فلا تجدين غير الحطام؟!

بل نقول وبالله التوفيق: إن دولة الخلافة اليوم تقاتل المشركين في صف واحد عربا وعجما يأتمرون بأمر إمام واحد من الشام إلى الهند ومن العراق إلى موزمبيق، في الوقت الذي انقسمت فيه صفوف الصليبيين انقسامًا لن يلتئم بل سيتصاعد بإذن الله.

فهذه صفوفكِ أمريكا وصفوف حلفائكِ مبعثرة منقسمة، وصفوفنا على منهاج النبوة مجتمعة وبحبل الله تعالى مستمسكة، وسيواصل جنود الخلافة طريقهم على هذا النهج المبارك نهج الراشدين المهديين حتى يسلِّموا الراية إلى عيسى عليه السلام، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 330
الخميس 14 شعبان 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]

• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]

• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.

ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

jpg صورة مملكة مملوءة بالفايري يامر ملائكة بالارواح من عنده الا من يشاء

jpg صورة مملكة مملوءة بالفايري

يامر ملائكة بالارواح من عنده الا من يشاء

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.

ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
23 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً