حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوَكيلُ • معناها: (حسبنا الله): أي: أنّ الله هو الذي يكفينا كلَّ ما ...

حسْبُنا اللهُ ونعمَ الوَكيلُ



• معناها:

(حسبنا الله): أي: أنّ الله هو الذي يكفينا كلَّ ما يُصيبنا، (ونِعْم الوكيل): الوكيل هو (الكفيل) و(الكافي) و(الحافظ) و(الحفيظ)، أي: هو سبحانه نِعم الكفيل المتكفل بنا، الذي نفوّض إليه جميع أمورنا، ونتوكل عليه وحده، فيتولانا برحمته، ويكفينا بقدرته، ويحفظنا بقوته، فهي تدور حول الاعتصام بالله، والالتجاء إليه، والتوكل عليه وحده.


• فضلها:

دفع السوء، والأمن عند الخوف، العاقبة الحسنة، الرضا بأقدار الله ونيل مرضاته، قال القرطبي معلقًا على الآية: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ… فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْل}: "لَمَّا فَوَّضُوا أمُورهم إليه واعْتَمَدُوا بِقُلُوبِهم عليه، أعطاهم مِن الجزاء أربعة مَعَانٍ: النعمة، والفضل، وصرف السوء، واتِّباع الرضا، فَرَضَّاهم عنه ورَضِي عنهم".


• مناسبتها:

يُشرع هذا الدعاء عند كل ما يصيب المسلم من هم أو ضيق أو كرب أو شدة أو ظلم أو خوف عدو ونحوه، ولذا أورد النسائي في سننه حديث ابن عباس السابق تحت باب: (مَا يَقُول إذا خَافَ قوما)، فليجعل المجاهد له من هذا الدعاء أوفر الحظ والنصيب.


• دليلها:

عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}". [البخاري]


❖ تنبيهات:

من الأخطاء الشائعة قولهم: "حسبي الله على فلان أو عليك"، فالدعاء بهذه الصيغة لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن صحابته الكرام، إذْ المعنى بهذه الصيغة لا يستقيم، فمواضع استخدامه لدى الأنبياء والصحابة كان بمعنى الالتجاء إلى الله وطلب الكفاية منه، سواء كان هناك عدوٌ أو ظالمٌ معيّن أم لا.
...المزيد

الاسْتِخارة • تعريفها: هي طلب تيسير الخير من الله سبحانه عندما يهُم المرء بأمر مباح أو ...

الاسْتِخارة


• تعريفها:

هي طلب تيسير الخير من الله سبحانه عندما يهُم المرء بأمر مباح أو مستحب كالزواج أو السفر أو شراء بيت أو مركب أو غيره.


• كيفيتها ومتى تستحب:

عن جابر رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: في عاجل أمري وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به، ويسمي حاجته) [صحيح البخاري].


• نتيجتها:

ييسر الله لعبده ما اختاره له، فيصرف عنه السوء وييسر له الخير وإن كان كارها له فقد يكون تيسير الله للأمر بانشراح الصدر له انشراحا ظاهرا وقد يكون صرفه بانقباض الصدر عنه، ويكون بغير ذلك.


❖ تنبيهات:

- لا استخارة فيما أوجبه الله ولا في ما حرمه.

- دعاء الاستخارة توقيفي فلا يجزئ غيره.

- لا يلزم انشراح الصدر أو رؤيا في المنام بل يكفي أن يُيسِّر الله له الأمر أو يصرفه عنه.
...المزيد

من أقوال علماء الملة قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ...

من أقوال علماء الملة

قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلا يجده في نفسه، فإذا عفا أعزه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا)، فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلا، والعفو ذل في الباطن، وهو يورث العز باطنا وظاهرا" [قاعدة في الصبر]



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 360
السنة الرابعة عشرة - الخميس 17 ربيع الأول 1444 هـ
تجميع إنفوغرافيك العدد
...المزيد

حديث نبوي عن صهيب الرومي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عجبا ...

حديث نبوي


عن صهيب الرومي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:


(عجبا لأمْر المؤمن، إن أمرَه كلَّه خير، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سراءُ شكر، فكان خيرا له، وإن أصابتْه ضراء صبر، فكان خيرا له). [رواه مسلم] ...المزيد

موعظة وذكرى للمجاهدين بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما ...

موعظة وذكرى للمجاهدين



بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فإلى ليوث الشرى وأسود الميادين، وسادة الأمة ورجال البطولات، أهل القِراع وحملة السلاح في زمن التراجع والانبطاح، من ترتعد فرائص الكفر من فِعالهم وتُنكّس رايات العِدا من ضِرابهم، هم قوة الدين المتين وحُماة العرض وتاج المسلمين، لكم يا مهجة الفؤاد موعظة وذكرى بعظيم طريقكم الذي سرتم عليه وفارقتم الناس ومِلتم إلى الملة الحنيفية عنهم؛ لتبقى معالمها، وتُعاد رسومها بدمائكم وأشلائكم.

أيها المجاهدون.. إنكم ما سلكتم هذا الطريق طريق التوحيد والجهاد، طريق الجنة الشاق، إلا لأنه فرض على العباد، فأعرض أكثر الناس عنه حبا للدنيا وكراهية للموت، وأما أنتم فقد وفقكم الله فأقبلتم عليه رغبة عن الدنيا، وطمعا في الآخرة وهي خير وأبقى.

فامضوا على دربكم يكتب الله آثاركم وتبقَ أجوركم، ولا تتكلّفوا حصول النتائج، فلستم بها مأمورين، فإن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة وليس معه أحد، وما ذاك بسبب تقصير منهم -حاشاهم-، بل قاموا بأمر الله حق قيام إلا أن الهداية من عند الله وحده.


- لا يبطل الجهاد بسبب النتائج

والجهاد لا يُبطَلُ لمظنّة عدم ظهور النتائج، بل إن هذا عين الجهل بشريعة الله إذ الجهاد شأنه مختلف جدا، والنتائج فيه متحققة إما في الدنيا عاجلة وإما في الآخرة آجلة.

وتأمل معي قول الله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}، إذن فالمجاهد نتيجة عمله حسنة دائما، فهي إما لحوقٌ بمواكب النور، وإما نصرٌ وعزٌ على الأعداء، وإن قدّر الله له الأسر فلا تسل عن عظيم ما أعد الله له من الأجر، إن احتسب وصبر.

وأعظم ما في هذا الطريق أن تعلم أن القتل فيه هو الفوز العظيم قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}.

وتلك أمنية نبيكم محمد -صلى الله عليه وسلم- فعن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول إذا ذكر أصحاب أحد: (أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحص الجبل، يعني سفح الجبل) [رواه أحمد]

فتأمل حين يتمنى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قد قُتل في أحد ولقي الله شهيدا، مع أن واقعة أحد كانت قبل صعود الإسلام والفتح الأكبر وتحقيق النتائج الكبرى لدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك فقد تمنى القتل في سبيل الله منذ ذلك اليوم.

إذن، فإن كانت النتيجة قِتلة في سبيل الله فأنعم بها من نتيجة، وأكرم بها من ثمرة، وأما الكافرون والمرتدون الذين تقاتلهم فالله متكفل بهلاكهم وسوء عاقبتهم، ولذا قال الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ}.


- لا تلتفتوا للمبطلين والمخذلين

فلا تلتفتوا إلى قول المبطلين والمخذلين الذين هم إلى النفاق أقرب منهم للإيمان، ويا عجباً لمن يدعو لترك الجهاد ودفع المعتدين بذريعة اختلال موازين القوى!، وأنه بذلك لن يكون لجهادنا نتيجة ولا ثمرة، وأن المرحلة مرحلة صبر على الأذى أو بالأحرى "استسلام للعدو!"

وما علم هؤلاء الانهزاميون أن قولهم هذا مردودٌ عليهم من وجهين:

الأول: أن القيام بالجهاد في حالة وجوبه وتعيّنه، هو قيام بفرضٍ من فرائض الدين ليس للعقل أثر في إبطاله أو تركه والنكوص عنه. والثاني: أن الخيارات الأخرى المطروحة غير الجهاد، هي في حقيقتها ليست سوى صورة من صور الخنوع والاستسلام للعدو والركون إلى الدنيا.

وما هذا -والله- شأن أهل العزّةِ والغيرة، فضلاً عن أن يكون شأن المؤمنين بقول الله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

فحذار.. حذار من تلبيس إبليس، بأنه لا فائدة من جهادِ فئة قليلة أمام دول عظمى، وأنه استنزاف لمقدرات الأمة ورجالها في غير ما فائدة، فهذا لعمري قريب من قول المنافقين عن شهداء أحد: {الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْـمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}.

وإنْ كانت النتائج المادية شرطا في الجهاد، فما هي نتيجة أصحاب الأخدود؟! إنهم أُحرِقوا، ولكنهم فازوا فقال الله عنهم: {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج]واسمع أخي المجاهد حقيقة الأمر، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، فالعقد تم والمؤمنون باعوا أنفسهم رخيصة في سبيل الله تعالى، والله سبحانه اشترى، فيا حسرة القاعدين.


- كرامات تنتظر الشهيد

وتنتظر الشهيد الذي يُقتل في سبيل الله تعالى، كرامات عِدة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويكسى حلة من الإيمان، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويوقى فتنة القبر، ويؤمن من الفزع الأكبر) [رواه أهل السنن]، فطوبى لمن كُتب اسمه مع الشهداء.

أيها المجاهدون.. لا يتسرب إلى قلوبكم الشك بأن الله سبحانه وتعالى ناصر عباده المؤمنين على الكافرين ولو بعد حين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين، وقال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}


وهنا حقيقتان لا بد من العلم بهما:

الأولى: أنّ الكفار يألمون كما نألم، ويجدون من الشدة والخوف والنقص في المال والنفس مثل ما نجده بل يزيد، وذلك كله في سبيل الدنيا والشيطان وخدمة كفرهم وديمقراطيتهم، فهم يذوقون ما نذوق وزيادة، لكن شتان شتان بين العاقبة.

الثانية: أننا نرجوا من الله ما لا يرجون، والنقص في الأموال والأولاد والأذى في سبيل الله؛ جزاؤه عند الله كبير ودرجات عُلى من الجنّة، والجرح في سبيل الله وسام فخر في يوم الحشر الأكبر؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك، والخذلان والمخالفة من القريب والبعيد؛ سمة الطائفة المنصورة، ولذلك صدّر الله تعالى الآية بقوله: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ}، نعم، لا تهنوا ولا تكسلوا ولا تلينوا ما دام ما تلاقونه من أذى هو في موازين الحسنات عند الله.

وتسابقوا في الجهاد فإنه درجات بعضه فوق بعض، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن في الجنة مائة درجة ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض أعدها الله للمجاهدين في سبيله) [متفق عليه]، فصبرًا وتصابرًا على مرارة الطريق، وشدة البلاء.. فأنتم لها إن شاء الله وإنَّ مع العسر يسرًا، وإن مع الشدّة الفرج، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فسيروا على بركة الله، مستعينين بالله، واعلموا أنّ النّصر صبر ساعة، و{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.

أيها المجاهدون.. ما انتصر المسلمون يوما بعدة ولا عدد، فلا تعتمدوا إلا على العزيز الوهاب، وأخلصوا نياتكم لله سبحانه وتعالى، فقد ذكرت بعض كتب السير أن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنهما- ومن معه من الأجناد: "أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال؛ فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله".


- أجيدوا سلاح الدعاء

وختامًا، نذكركم أيها المجاهدون بضرورة الإكثار من الدعاء فإنه سلاح المؤمن، وهو للمجاهد أشد من المدافع، فأجيدوا وأحسنوا استخدامه، قال الله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) [متفق عليه]، فارفعوا إليه أكفّ الضراعة واستغيثوا بربكم يستجب لكم، عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقول: "جدّوا في الدعاء فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له" [ابن أبي شيبة]، واجتهدوا بتحري الأوقات الفاضلة والأحوال الصالحة، دعاء وثناء وتمجيدا لله بعد البراءة من حولكم وقوتكم، فلا تفارقوا هذا السلاح ما حييتم، وسلوا الله الثبات والموافاة على الإيمان، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 360
السنة الرابعة عشرة - الخميس 17 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

صلاح الآباء وأثره في الأبناء للآباء في أبنائهم تأثير كبير وعظيم، وكثيرا ما يكون صلاح الأب ...

صلاح الآباء وأثره في الأبناء



للآباء في أبنائهم تأثير كبير وعظيم، وكثيرا ما يكون صلاح الأب سببًا لصلاح أولاده، وفساده سببًا لفسادهم، لما في الولد من تعلّق بأبيه، وسيرٍ على ما يعوّده عليه، ولا يقتصر هذا على الأب في حياته، بل قد يتعداه حتى بعد رحيله عن الدنيا، وإقباله على ما قدّم، وتركه لولدِه مِن بعده، لهم من صلاحه أو فساده نصيب، يراه أمامه في ميزان حسناته أو سيئاته، ونستعرض في هذا المقال بعضًا من هذا التأثير الخطير، الذي يجب على المسلم أن يحسب له حسابه.


- تأثير الآباء في الأبناء

لطبيعة العلاقة بين الأب وابنه، تجعله مؤثرا عليه في سلوكيات كثيرة، فيرى الولد أباه قدوة له في حياته، ومرجع هذا هو تعظيم الولد لوالده، ولهذا التأثير الوجداني الكبير، كثيرا ما خاطب الله تعالى في كتابه بني إسرائيل باسم أبيهم: إسرائيل، وهو يعقوب -عليه السلام-؛ لعلهم يتذكرون صلاحه والهدى الذي كان عليه؛ فيرجعوا عن غيّهم ويمتثلوا أمر خالقهم كما امتثل أبوهم -عليه السلام- من قبل، ومن ذلك أيضا: قول الله تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا..} قال ابن كثير: "أي: يا سلالة مَن نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبّهوا بأبيكم (إنه كان عبدا شكورا)" [التفسير].

بل من طبيعة الناس أنهم يستنكرون فعل الولد المعاصي إن كان أبوه صالحا، فقد أنكر الناس على مريم الصدّيقة -عليها السلام- أن يبدر منها ما ينافي الصلاح فقالوا: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا}[مريم]، كل هذا يؤكد هذا التأثير المباشر من الوالد على ولده، ومن ذلك أيضا: ما ذكره الله تعالى في سورة الكهف عن حفظ الكنز الذي كان تحت الجدار للغلامين بسبب صلاح أبيهما، قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ..}[الكهف]، قال الطبري: "قال ابن عباس، في قوله (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) قال: حُفِظا بصلاح أبيهما، وما ذُكر منهما صلاح" [التفسير]، وقال ابن كثير: "فيه دليل على أن الرجل الصالح يُحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم" [التفسير].

فتأمل كيف أن الله تعالى سخّر لهذين الغلامين عبدا من عباده؛ ليحفظ لهما الكنز حتى يكبرا ببركة عبادة أبيهما وصلاحه، وقد ذكر بعض السلف هذا المعنى، كما جاء عن محمد ابن المنكدر -رحمه الله- أنه قال: "إن الله ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، والدويرات التي حوله فما يزالون في حفظ من الله وستر" [جامع العلوم والحكم]، وقال وهب بن مُنَبِّه -رحمه الله-: "إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس" [إتحاف المهرة].


- فائدة

لكنّ انتفاع الأبناء بصلاح آبائهم ليست أصلا، بل من الأنبياء من كان ولدُه كافرا أوعاصيا، فابن آدم -عليه السلام- قتل أخاه، وابن نوح -عليه السلام- كان مع القوم الكافرين، وذكر الله تعالى أن الخضر -عليه السلام- قتل غلاما كان أبواه مؤمنَيْن فلم يُرِد الله تعالى أن يرهقهما طغيانا وكفرا عندما يكبر، ونجد عكس ذلك أيضا، فيُخرج الله تعالى من صلب الأب الكافر من يوحّد الله وينصر دينه، وهذا كثير حتى في الأنبياء -عليهم السلام-، فعلى الوالد أن يستقيم على صراط الله المستقيم ما استطاع، ويكون قدوة عملية لولده، مع القيام بحقهم من تعليم وغيره، فلا يكفي -لصلاح ولده- أن يكون صالحا في نفسه مع ترك القيام بحق التربية لأبنائه، بل لابد من تعليمهم وبذل الأسباب في ذلك، لعله يخرج من صلبه من يعبد الله تعالى حق عبادته، فيكون له أجر عمله ويدعو له بعد موته، حين ينقطع عمله عن الدنيا.


- لا تكنْ حجة في ضلالِ ولدِك!

وفي المقابل، فإن ضلال الآباء قد يكون حجة للأبناء للاستمرار في ضلالهم وغيّهم! فقد كانت الأقوام تحتجّ على رُسلهم بأنهم رأوا آباءهم على الكفر، وهم على إثرهم سائرون، وقد ذكر الله تعالى في كتابه نماذج عديدة من هؤلاء، فقد قال قوم نوح -عليه السلام-: {..وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} [المؤمنون]، وقال تعالى عن إبراهيم -عليه السلام- وقومه: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} [الأنبياء]،وقال سبحانه عن قوم موسى وهارون -عليهما السلام-: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس]، وقال -عز وجل- عن قوم صالح -عليه السلام-: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا..} [هود]، وقال عن قوم شعيب -عليه السلام-: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا..}، وهكذا هم أهل الضلال، يحتجون بالسير على طريق آبائهم الضالين، تأثّرًا بهم، وسيرًا على خطاهم، حتى جاء محمد -صلى الله عليه وسلم-، فأعاد له قومه ما قال أسلافهم من الكفار، قال تعالى عنهم: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف]، وقد حفظت لنا السنة مشهدًا يصوّر هذه الحقيقة، مشهدَ أبي طالب وهو على فراش الموت، وعنده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحثه على نطق الشهادة والنجاة من النار، وحوله كفار قريش يدعونه إلى السير على خطى الآباء والأجداد، ففي الصحيحين عن المسيب بن حزن -رضي الله عنه- قال: "لمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد عنده أبا جهل وعبدَ الله بنَ أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أيْ عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله) فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه، ويُعيدانِه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله"، فتأمل تأثير دين الآباء على الأبناء، وتفكّر فيه جيدا، ثم اعمل على أن تكون بصلاحك قدوة حسنة لولدك من بعدك، ولا تكن حجة لهم على الضلال أو قائدا لهم إلى الهلاك، عافانا الله وإياكم.


- الدعاء بصلاح الولد دأب الصالحين

وفي هذا الزمان الذي كثُرت فيه الشهوات والشبهات، على المرء أن يُكثر من دعاء ربه ويلحّ عليه بأن يصلح حاله وحال ذريته، ويحفظهم في دينهم ودنياهم، فذلك هدي أنبياء الله ورسله -عليهم صلوات الله أجمعين-، ودأب أهل التقى والصلاح، فقد كان خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- يسأل الله تعالى لنفسه وبنيه أن يجنّبهم عبادة الأصنام كما في قوله تعالى عنه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}، كما كان يدعو لذريته بالدعوات الصالحات: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}، وقوله: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ}، ومثله دعاء زكريا -عليه السلام-: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}.

وذكر سبحانه ابتهال عباده إليه بتوفيق أزواجهم وذرياتهم لعمل الطاعات؛ لتقرّ بها أعين آبائهم في الدنيا والآخرة: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}، كما ذكر تعالى سؤالَ العبد الصالح ربَّه قبول أعماله الصالحة وإصلاح ذرِّيّته: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، والحاصل فإن صلاح الوالد مع دعائه لولده هو المطلوب شرعا، مع ما ذكرنا من واجب التربية والتعليم على منهاج النبوّة لا على المناهج الفاسدة التي عمّ بلاؤها في أراضي المسلمين والله المستعان.

وبعد، فقد تبين لك أيها المسلم عظيم تأثير الوالد في ولده، فأصلِح نفسك وكن أسوة حسنة لولدك، ولا تكن حجة لهم على الفساد والضلال، ثم ابذل في تربيتهم الأسباب، فإنك راع ومسؤول عن رعيتك، وتأمل قول ابن القيم -رحمه الله-: "أكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء!، وإهمالهم لهم!، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسهم ولم ينفعوهم كباراً"[تحفة المودود]، نسأل الله أن يعيننا على أن نقيَ أنفسنا وأبناءنا وذريّاتنا نار جهنم، إنه سميع مجيب.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 360
السنة الرابعة عشرة - الخميس 17 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

أمُّ الفرائض لا شكّ أنّ فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى في زماننا، هي أمُّ الفرائض التي ...

أمُّ الفرائض



لا شكّ أنّ فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى في زماننا، هي أمُّ الفرائض التي تزداد حاجة المسلمين إليها يومًا بعد يوم، بصفتها الوسيلة الشرعية الوحيدة للدفاع عن بيضة الإسلام والذود عن حياض المسلمين وحرماتهم، وكلّ النصوص الشرعية بل والوقائع تُدلل على ذلك وتؤكّده، فتعطيل الجهاد جرَّ على الأمة من الذل والهوان والانحراف والتشتت ما لا تتسع الصحف لسرده! والله المستعان.

في المقابل، لا شك أنّ الحلَّ للخروج من هذه الحالة المزرية، حالة الذل المسلّط على رقاب المسلمين اليوم هو بعودتهم إلى دينهم الحقّ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى، اتباعًا للعلاج النبوي الناجع الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته قبل قرون في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا تبايعتُم بالعينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ وترَكتمُ الجِهادَ؛ سلَّطَ اللَّهُ عليْكم ذلاًّ لاَ ينزعُهُ حتَّى ترجعوا إلى دينِكُم) [أبو داود]، فالحديث نصٌّ في أنّ ترك الجهاد والانشغال عنه بالدنيا، سبب لهذا الذل الذي لن يُنزع عن الأمة إلا بعودتها إلى ميادين الجهاد.

إذن، فالحل باختصار أن يُحيي المسلمون هذه الفريضة التي اجتهد المرتدون والمنافقون في إماتتها وتعطيلها وتنفير الناس عنها بكل السبل والوسائل الخبيثة التي يُمدهم بها شياطين الإنس والجن، فصار المسلم المجاهد مُفسدًا! والمنافق المفسد مُصلحا! ولا عجب فهذا مِن أخص خصائص هذه السنوات الخداعات التي (يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ) [ابن ماجة]

ولقد جرّبت الأمة كل سبيل! وسلكت كل واد! فما برأت مِن أمراضها، وما شفيت من أسقامها، وما وصلت إلى مرادها، ولن تصل! وكيف تصل وقد ضلّت سبيل النجاة؟! وبدل أن تستجيب لما يُحييها ويُعزّها، استجابت لما يُميتها ويُذلها! أورد الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، أي: "للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم" [جامع البيان]

لقد أتمَّ الله تعالى دينه، وهذا من تمام عدله ورحمته سبحانه وتعالى، وما قبض نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- حتى ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرا إلا دل أمّته عليه، ولا شرًا إلا حذّرها منه، وبيّن الله تعالى في كتابه والنبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين في نصوص كثيرة كما في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}، قال الطبري في تفسيره: "كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل -من سائر أهل الملل غيرهم- فنبيّنها لك، حتى تبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه".

ونحن نؤمن ونشهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بيّن الفرق بين الحق والباطل، والضلالة والهدى، وجلّى الفرق بين الإسلام والكفر، والشرك والتوحيد، ودلّ الأمة على سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، وحذّرها سبل الشيطان والخسران في الدنيا والآخرة، ومع ذلك ضلّ كثير من الناس اليوم، ﻷنهم لم يقتضوا الصراط المستقيم، ولم يسيروا على منهاج النبوة القويم، فلم يتبعوا سبيل المؤمنين بل اتبعوا السبل الأخرى، والله تعالى قد أمرهم أمرًا واضحًا صريحًا ووصّاهم بذلك، وبيّن عقاب مخالفة هذا الأمر، فقال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، قال أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصّاكم به ربكم أيها الناس.. وأمركم بالوفاء به هو (صراطه) يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده، (مستقيمًا) يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق، (فاتبعوه): فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، (ولا تتبعوا السبل): ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه.. (فتفرق بكم عن سبيله): فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل.."[جامع البيان]

والمتأمل في أحوال أكثر الناس اليوم، يجدهم يشكون من حالة الضعف والتشرذم، ويكتوون بنارها ويئنّون تحت وطأتها، فإذا ما دلّهم أتباع الأنبياء على الحلّ والدواء من كتاب ربهم وسنة نبيهم؛ اثّاقلوا إلى الأرض وأخلدوا إلى الدنيا! وكأنهم يريدون نصرًا بغير بذلٍ ولا تضحية، ويريدون عزا بغير جهاد! يريدون أن يتغيّر حالهم وهم على حالهم مخالفين بذلك سنن الله في خلقه، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.إنّ سنن الله لم تحابِ أحدًا من خلقه، بل ولا حتى أنبياءه ورسله، ومنهم الرسول المصطفى الذي جاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، أصابه الأذى في سبيل هذه الدعوة وتعرّض لخذلان القريب والبعيد، ورمته الدنيا عن قوس واحدة، وأخرجه قومه وحاربوه وطاردوه وفعلوا بأصحابه الأفاعيل حتى غارت سياط الجلادين في ظهورهم! فلما جاء الأمر الإلهي بالجهاد؛ جاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه فأعزّ الله بذلك المسلمين وسادت شريعتهم وبلغت دعوتهم الآفاق، وهابهم العرب والعجم، بقوة الجهاد بعد قوة الإيمان.

فهذا هو سبيل النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ارتضاه له ربُّ العزة مِن فوق سبع سماوات، فكيف يريد الناس نجاة بغيره؟! وهو سبحانه القائل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، قال الطبري: "لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا -صلى الله عليه وسلم-، {وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه". [جامع البيان] فهل بعد هذا البيان بيان؟

إنّ كلّ النصوص الشرعية السابقة وتفاسيرها المأثورة، تؤكد على أنّ الجهاد هو سبيل النجاة الأوحد للمسلمين، وطريقه هو طريق نبيّهم محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يسلك طريقًا غيره ولو وجد طريقًا غيره لدلّنا عليه، ففريضة الجهاد هي أمُّ الفرائض التي ستعيد للمسلمين أمجاد الماضي، وتقودهم إلى العز والنجاء في الدارين بإذن الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يعقلون.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 360
السنة الرابعة عشرة - الخميس 17 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

قصة شهيد: أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى) صدّق العلم بالعمل إن الدعوة إلى الله ...

قصة شهيد:
أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى)
صدّق العلم بالعمل



إن الدعوة إلى الله تعالى هدي الأنبياء، وسبيل الصالحين الأتقياء، قال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ} [النحل]، وللدعوة طريقان، طريق السنان وطريق اللسان، وأكمل أسلوب للدعوة هو الجمع بين الطريقين، وقد تجسَّد ذلك كله في أخلاق النبي العدنان -صلى الله عليه وسلم- وسار على هديه الصحابة والتابعون الكرام، فقد كانوا دعاة إلى الله بأفعالهم قبل أقوالهم.

وممن نحسبه كذلك -والله حسيبه-، الأخ المجاهد عبد الرحمن الخراساني (أبو إبراهيم) رحمه الله، ولد في غرب خراسان، في بيت أدب وخلق وحشمة، ونشأ في ظله نشأة حسنة صالحة، حيث تعلم العلم الشرعي على يد أبيه وإخوانه، وكانت عنده رغبة شديدة في الدعوة إلى الله، حتى صار إمامًا وخطيبًا، وداعيًا شفوقًا على قومه، وكان جلّ دعوته آنذاك في الترغيب في الجنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، والترهيب من النار والمعاصي وسوء الخلق.

وكان محبوبا عند الخاصة والعامة والقريب والغريب، حسَن الخلق، رقيق القلب، سليم الصدر، صاحب حياء وأدب، محبا لإخوانه، مشفقا على الفقير والمسكين والضعيف، معينا لأقاربه وأصحابه على نوائب الدهر، وقد ذاع صيته بين الناس على ذلك.

فقد كان -رحمه الله- مثالا في الدعوة إلى الله بفعله وقوله، وقد طلب العلم الشرعي منذ بداية شبابه، فكان حافظا لكتاب الله، وكثيرا من الأحاديث النبوية الصحيحة، بالإضافة لباعه في علوم أخرى.

ولم يكن -رحمه الله- ممن حفظ المتون والكتب وتجاهل العمل بها، بل كان علمه قائدا له في جميع شؤون حياته، فكان قواما بالليل صواما بالنهار، حتى إنه في أيامه الأخيرة تواصل مع أحد إخوانه فسأله: هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال له: إنا لله وإنا إليه راجعون أحسن الله عزاءكم!


- الطريق لساحات الجهاد

لقد سلك أبو إبراهيم هذا الطريق نصرة للدين وذبّا عن حرمات المسلمين، فذات يوم جاء عنده رجل أوتي من زخرف الدنيا ومتاعها يبتغي صده عن النفير في سبيل الله، فقال له: أعطي لك كل شيء تريده من متاع الدنيا وزينتها وأُزوِجك ابنتي على أن تترك الالتحاق في صفوف المجاهدين في الدولة الإسلامية، فقال متبسماً: "لا والله لن أترك هذا الأمر ولا أريد الدنيا وأهلها" فلم يرض لنفسه بالقعود ودماءُ المسلمين تسيل، وأعراضهم تنتهك، فشمَّر عن ساعد الجد، وتسلَّح بالإيمان وتوكل على الله، وأدرك يقينا حقيقة الضر والنفع التي لخَّصها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- بقوله لابن عباس -رضي الله عنهما- عندما كان يافعا: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) [الترمذي].

ولما منَّ الله على عباده المجاهدين بإعلان الخلافة، سارع بإعلان بيعته لخليفة المسلمين وحثَّ إخوانه على اللحاق بركب الخلافة، خاصة وأنه وجد في إعلانها في ذلك الوقت فرصة ذهبية لجمع شتات الأمة بعد تبعثرها وتفرقها، ففرح أشد الفرح بذلك الإعلان الميمون، وبدأ ينشط نشاطا كبيرا لإقناع وتحريض إخوانه على اللحاق بركبها.


- أسر ثم نفير لساحات الجهاد

ثم وفّق الله الأخ أبا إبراهيم، وصاحب دربه وأخاه في الله للتجهيز للهجرة في سبيله إلى دار الإسلام في ولاية خراسان، ولكن قدّر الله أن يقعا في الأسر في طريق نفيرهما، وحين دخل السجن اجتمع مع إخوانه من مهاجرين وأنصار، وبادر إلى خدمتهم لعدة شهور في سجن (ننجرهار)، ولمّا هاجم جنود الخلافة سجن (ننجرهار) وهدموا أسواره خرج من السجن، ولكن قدر الله له أن يقع في الأسر مرة أخرى، فنقلوه إلى سجن (بلجرخي)، وكعادته اشتغل أبو إبراهيم هناك بتدريس إخوانه العقيدة والتفسير والحديث، وأسّس مع إخوانه في السجن مدرسة باسم (يوسف الصديق)، وكان -رحمه الله- يوصي إخوانه في السجن بالصبر والثبات ويقول لهم: "صبرٌ قليل، فإما دار الإسلام وإما جنة عرضها السموات والأرض".

وفي السجن كان أبو إبراهيم طيب العشرة مع إخوانه المهاجرين، يجالسهم ويتودّد لهم ويساعدهم ما استطاع، بل ويؤثرهم على نفسه، ومما يروي إخوانه عنه: أن أحد إخوانه في الله اشترى له ثوبا ليلبسه في العيد، ولمّا زاره أخوه في السجن لم يشاهده يلبس الثوب الذي أهداه له، فقال له: لمَ لا أراك ترتدي الثوب الذي أرسلته لك؟!، فقال له -تقبله الله-: "لا تحزن أخي -تقبل الله منك- فقد أعطيته لأحد إخواني المهاجرين الإيغور" وأثنى على أخيه المهاجر وذكّره بفضلهم وحقهم.وفي قصة لطيفة أخرى تتجسد فيها معاني الإيثار في وسط محنة الأسر، أن أخاً من (كابل) كان عنده فاكهة، وكان يستطيبها، إلا أنه آثر على نفسه أحد إخوانه من (بدخشان)، وهذا الأخ حينما رأى الفاكهة أعجبته، لكنه دفعها لأخ له من (فارياب)، وهكذا حتى وصلت للأخ أبي إبراهيم الخراساني -تقبله الله- فآثر على نفسه ودفعها لصاحبها الأول من (كابل)!

وقد مكث في السجن سنتين حتى فرج الله عنه، وبمجرد خروجه من السجن التحق بإخوانه في ساحات الجهاد، ولهمّته العالية عمل أبو إبراهيم في أكثر من مفصل في ولايته، فمِن التدريس في الدورات الشرعية إلى ديوان الإعلام، ومن هندسة العبوات والتعامل مع المتفجرات إلى ديوان الدعوة والمساجد، فقد كان من السبّاقين في كل خير لا يملّ.


- مقتله ووصيته

بعد رحلة الأسر والدعوة والجهاد كان أبو إبراهيم -رحمه الله- في موعد مع القتل في سبيل الله، والذود عن حرمات المسلمين، حيث داهمت ميليشيا طالبان المرتدة بيت أحد المسلمين، وكان فيه فارسنا مع بعض إخوانه، حيث اشتبك مع الميليشيا واستطاع مع إخوانه أن يؤمنوا انسحاب الأطفال والنساء مع بعض الإخوة من البيت، واستمر أبو إبراهيم بالاشتباك مع المرتدين، حتى أحكمت الميليشيا حصار البيت بعد أن استدعت تعزيزات إضافية، واستمر الاشتباك معهم لمدة ساعتين، استبسل فيها أبو إبراهيم وإخوانه أيّما استبسال، وقد أوصى قبل مقتله بلحظات قليلة بأنه كان يريد تبيان نواقض طالبان فأوصى إخوانه بتبيان نواقضهم والثبات ضدهم، وأوصى بتصفية علماء السوء ودعاة الباطل، وقال: "هم أساس كل باطل؛ فلا ترحموهم ولا تتركوهم يسيرون في البلاد آمنين"، وكان هذا آخر ما أوصى به قبل أن يُقتل مقبلا غير مدبر، وقد آثر القتل في سبيل الله على الرضوخ والاستسلام، وصدّق العلم بالعمل وخضّب نحره بالدماء في الوقت الذي يستطيب فيه كثير من طلبة العلم القاعدين استخلافهم مع الولدان والنساء، فرحمك الله يا أبا إبراهيم رحمة واسعة، وأسكنك في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

خوف العاجل وتناسي الآجل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام ...

خوف العاجل وتناسي الآجل



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

لقد طغى على أهل هذا الزمان خوفهم من البشر أكثر من خوفهم من الله تعالى، وإيمانهم بالمحسوس المشاهد أكثر من إيمانهم بالغيب! وذلك لضعف إيمانهم وانعدام يقينهم وإسرافهم على أنفسهم، فصار الواحد منهم يخاف من وعيد السلطان أكثر من خوفه من وعيد القرآن، كما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "إنَّ اللهَ يزَعُ بالسلطانِ ما لا يزَعُ بالقرآنِ"، وذلك أنّ عذاب القرآن آجل لا يردع ضعيف الإيمان، أما عذاب السلطان فهو عاجل متحقق في الحال.

والإنسان يخاف من نوائب الدهر وحوادث الأيام، ويخاف على نفسه من الحيوانات المفترسة والهوام، ويخاف لقاء العدو في أرض المعركة، إلى غير ذلك مما يخافه البشر في العادة، فهذه طبيعة النفس البشرية. وكل ذلك لأنه محسوس مشاهد في واقعهم وحياتهم، فإنك إذا هددت شخصًا وقلت له سأعاقبك بعد شهر؛ تراخى في خوفه منك وربما لم يأبه بك ولا بتهديدك، لكن إن كان كلامك عن العقاب سيقع عاجلا وفي الحال، فإنه سيخاف منك ويرتدع، ولذا فأغلب الناس اليوم إن لم تخاطبهم من موقع القوة فلن يستمعوا إليك ولن يأبهوا بك إلا ما رحم ربك، وهو ما حدث مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كانت العرب تحترمه قبل الإسلام وتدعوه بالصادق الأمين كما روي في السير، ومع ذلك لما دعاهم إلى الإيمان وترك الشرك وخوَّفهم بالله تعالى وعذابه الآجل، لم يخافوا ولم يستجيبوا له ولم يستمعوا إليه، بل أعرضوا عنه وكذبوه واتهموه وحاربوا دعوته، لكن لما سلَّ عليهم سيوف الجهاد وفتح بلادهم، أذعنوا له ودخلوا في دين الله أفواجًا وقصة فتح مكة لا تخفى.

وفي ذلك قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:

دعا المصطفى دهْرا بمكةَ لم يُجَبْ
وقد لان مِنه جانبٌ وخِطَابُ

فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفِّه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا

فأكثر الناس اليوم يخشون من العذاب الدنيوي الذي يقع عليهم، لكن يتساهلون ويتمادون ويتجاهلون وعيد الله تعالى للمقصرين منهم بالعذاب الأخروي يوم القيامة، ولهذا كان عيش المنافقين تحت ظل دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- خوفًا من بطشه، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا كفرهم، وما ذلك إلا خوفًا من العذاب الحسي الذي سيقع عليهم، في حين أنهم لم يكونوا يخافون العذاب الذي توعدهم الله به في يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء].


- خوف السلف من الآجل

أما عباد الله المؤمنون المتقون، فقد اجتهدوا في تحقيق الخشية من الله تعالى، حتى جعلوا خوفهم من العذاب الغيبي الآجل، أشد من خوفهم من العذاب الحسي العاجل، وهنا يظهر لك الفرق بين زماننا هذا وزمان الصحابة -رضي الله عنهم- وكذا زمان السلف رحمهم الله تعالى، فأنت تتعجب عندما تسمع أنّ بعض السلف كان يُغمى عليهم مِن سماع آيات العذاب أو عند تذكّر الموت! لكنك لا تتعجب البتة عندما تسمع أن رجلا أغمي عليه خوفًا من هجوم أسد مفترس، أو خوفًا من بطش حاكم ظالم، أو غير ذلك من ضروب الخوف الحسي.

فالسلف رضوان الله عليهم، اجتهدوا في تزكية أنفسهم وتحقيق التقوى والخشية من الله حتى وصلوا مرحلة من الإيمان صار فيها خوفهم من الله تعالى يفوق هذا الخوف الحسي المشاهد، ولهذا تسمع قصص ثباتهم أمام السلاطين وصدعهم بالحق في وجه الحكام المتجبرين، وتسمع قصص ثباتهم واستبسالهم في المعارك ضد الكافرين.


- نماذج من خوف السابقين واللاحقين

ومن نماذج قصص السابقين في تقديم خوفهم من الآجل على العاجل، ثبات سحرة فرعون بعد الإيمان فلم يعودوا يخافون من عذاب فرعون العاجل المتحقق، بعد أن امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى، وهؤلاء أصحاب الأخدود يُلقَونَ في حفر النيران ثابتين دون أن ينكصوا أو يبدلوا دينهم أو يرضخوا لعذاب الطاغوت المتحقق في الحال.

وهذا يجعلك تستوعب قصص "قتيل القرآن" كيف كان أحدهم يسمع قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيخر صريعا ميتا لا حراك فيه، [التوابين لابن قدامة]، وكذا قصة من كان يبول دمًا خوفًا من عذاب النار والآخرة، كما روي عن سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وغيرهم رحمهم الله، فهؤلاء جميعا امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى وعذابه الآجل.وهذا هو الذي يوضح لك كيف ثبت المجاهدون وذراريهم تحت قصف القاصفات ورجم الراجمات بأم القنابل وأطنان الصواريخ في الباغوز والموصل وغيرها، وهذا يبين لك كيف ثبتت ثلة قليلة من المجاهدين أمام أعتى حملة صليبية عرفها التاريخ، وما ذلك إلا لأنهم أيقنوا بوعد الله تعالى وخافوا عذابه بعد أن آمنوا به إيمانا جازما حتى كأنهم صاروا يرونه رأي العين، وهذا من معاني الإحسان كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله جبريل -عليه السلام- عن الإحسان فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [مسلم]

فهذه القصص تحفز المجاهد على أن يرفع من إيمانه ويزيد في طاعته وتقواه حتى يحقق الخشية التي تصل به إلى هذه المرحلة الإيمانية.


- الاستشهاديون وعين اليقين

ولعل من أقرب الناس في عصرنا إلى هذه المرحلة الإيمانية اليقينيّة، هم الاستشهاديون الذين آثروا الباقية على الفانية، وتركوا الدنيا وما فيها طلبا لما عند الله، فترى أحدهم مقدمًا على الموت راكبًا مركبه، عاقرًا جواده، مبتسمًا غير خائف من نيران العدو التي تنهمر عليه كالمطر لحظة وثبته نحو هدفه، ولا من النار التي تذيب جسده لحظة التفجير، مصداقا لقوله تعالى: {فَيُقتَلَونَ وَيَقتُلونَ} في قراءة الكسائي وحمزة، فما هذا إلا لما علمه وتيقن به عند الله من جنة ونعيم ونار وجحيم، فخوف النار شغله عن خوف نار المتفجرات التي تصلاه عند التنفيذ، ورجاء ما عند الله من نعيم مقيم شغله عن نعيم الدنيا الفانية فهجرها وأقبل نحو الموت مقداما فرحا بموعود الله الذي كأنه يراه رأي العين، بعد أن أيقن أن أقصر الطرق إلى مرضاة الله تعالى هي إزهاق النفس في سبيله سبحانه، بعد أن قرأ سيرة البراء وحديقة الموت، وتمعن في طلب خالد للشهادة، فعاش حياته باحثا عن الموت في سبيل الله تعالى، طالبا للفوز الكبير، فما الدنيا في عينيه إلا جناح بعوضة بل أقل.

فهذا نموذج حيٌّ أمامك تراه وتسمع به ممن آثروا الآجل على العاجل، وخافوا الغيب قبل المحسوس، فلك ولنا فيهم قدوة وهم -والله- أسوة حسنة لكل متأس مقتد، فاسلك طريقهم وتابع مسيرهم وأخلص نيتك لله، وسله سبحانه أن يثبتك على هذا الطريق ويملأ قلبك بالخشية منه واليقين بوعده، فتلك جنة الدنيا التي توصلك إلى جنة الآخرة. والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

الحرية في زمن العبودية كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها ...

الحرية في زمن العبودية



كان من نتائج ترك المسلمين للجهاد؛ غزو الكافرين لبلادهم وسيطرتهم عليها إما مباشرة أو عبر الوكلاء، وقد صاحب هذا الغزو الميداني؛ غزو عقائدي خطير، سعوا من خلاله إلى تبديل وتغيير عقيدة المسلمين إلى أي شيء آخر غير دين الإسلام، حتى انجرف كثير من بني جلدتنا في سيل هذه الفتن ممن اتبعوا أهواءهم، فصارت قلوبهم لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أشْرِبت من أهوائها، وأضحوا جاهزين ليكونوا معاول هدم لدين الإسلام، فتمّ على إثر ذلك تصديرهم في الواقع والمواقع والشاشات؛ لينفثوا سمومهم، ويدعوا لباطلهم، ويشككوا المسلمين بدينهم، رافعين شعارات ولافتات كثيرة، من أخطرها: "الحرية الشخصية"!

وباسم هذه "الحرية" المزعومة تجرأ الكفرة الفجرة على الطعن في ذات الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولم يُبقوا أصلا من أصول الدين ولا فرعا من فروعه إلا طالته شبههم العابثةُ بعقيدة المسلمين، فلا بأس عند أهل هذه "الحرية" ودعاتها أن يرتد المسلم عن دينه فهو حر في اعتقاده! ولا بأس أيضا أن يفعل من الفواحش ما يشاء فهو حر في تصرفاته! ولا بأس إن ترك الصلاة والصيام والزكاة وكل العبادات ما دام لم يؤذِ أحدا غيره! وهؤلاء -الذين تقدمهم وسائل الإعلام على أنهم "مفكّرون" و"مثقّفون"- إن لم يردوا الناس عن دينهم بالكليّة، فأقلّ شرهم أنهم يفتحون باب التشكيك في فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويحاولون أن يَنْكسوا فطرة الناس عن الهدى والفضيلة، بمزج شبهات كفرهم بالشهوات والأهواء وحظوظ النفس، وخطورة هؤلاء "المتحررين" الزنادقة في زماننا أشد وأخطر من الأزمنة السابقة، لانتشارهم وتغلغلهم بين المسلمين وتقديم التسهيلات لهم من قبل الحكومات الكافرة والمرتدة.

وترتبت على انتشار هذه الدعوة الفاسدة شرعا وعقلا -الحرية الشخصية- مفاسد عظيمة، تناقض الإسلام في أصوله، منها: تهوين كفر الكفار وعظيم جرمهم بحق الله تعالى، وتسهيل الردة عن دين الإسلام، والتي حكمها في شرع الله تعالى القتل كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من بدّل دينه فاقتلوه) [البخاري]، ومنها: إماتة الغيرة على الدين وتمييع الولاء والبراء في نفوس المسلمين، ومنها: أن يسمع المسلمون من يقول لمن يأمر بالمعروف ويدعو للإسلام وينهى عن المنكر ويحذّر من الكفر: "لا تتدخل فيما لا يعنيك"! في مصادمة واضحة ومخالفة فاضحة لنصوص الوحيين، كقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتنهَوُنَّ عن المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللهُ أن يبعثَ عليكم عذابًا منه ثمَّ تدعونه فلا يستجيبُ لكم) [الترمذي]، ومنها أيضا: تفتيت أُسَر المسلمين بدعوى حرية الأبناء، وتفتيت المجتمع المسلم نتيجة لذلك وتفريق صفهم وزرع الفرقة بينهم، ومنها: انتشار الفجور والخمور والفواحش المهلكة، في مجتمع لا يُسمح له بالأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر، كل ذلك تحت طغيان هذه الزندقة المسماة بـ"الحرية الشخصية"!

وكما في كثير من الدعاوى الكفرية، التي يحاول أصحابها أن يُضفوا عليها صبغة الشرع ولو كانت مصادمة له مناقضة لأصوله، فيلووا أعناق النصوص ويحوّروها لتوافق أهواءهم، وتصير تبعا لما تشتهي أنفسهم وأنفس داعميهم؛ فنجد من يقول بأن الإسلام يدعو للحرية الشخصية!! ويؤلفون في ذلك المؤلفات ويكتبون المقالات ويعقدون الندوات، في كذب وافتراء على الله تعالى وقولهم في دينه ما ليس منه، إلى الحد الذي تشمئزّ منه نفوس المؤمنين والله المستعان، ومما عمّ شره من ذلك، ما ينشرونه بين المسلمين من شبهة "حرية الأديان" محرّفين معنى قول الله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون] والتي فيها المفاصلة التامة مع الكفار والبراءة منهم، وقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة] قال ابن كثير: "أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بيِّنٌ واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكرَه أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا" [التفسير]، أو هي متعلقة بأهل الكتاب الذين اختاروا دفع الجزية للمسلمين، فهذه التأويلات لم يتضمّن أحدها ما يدعو إليه هؤلاء الزنادقة "المتحررون"، بل لم يفهم منها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا صحابته الكرام ترك الناس ودينهم! بل امتثلوا أمر الله تعالى بقتالهم حتى أتاهم اليقين، قال تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}. [التوبة]لقد أعطانا الإسلام الحرية في تخيير أهل الكتاب بين الإسلام أو الجزية عن صغار، أو أن نقطع أعناقهم وننثر أشلاءهم، وأعطانا الإسلام الحرية في أن ندقّ عنق المرتد عن دين الله ليكون عبرة لغيره، فهذه هي الحرية في الإسلام التي تعني العبودية المطلقة لله تعالى وحده.

إن الحرية في الإسلام هي التحرر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فالمسلم عبد لله وحده، يأتمر بأمره، وينتهي بنهيه، ودعاة الحرية هؤلاء هم في الحقيقة عبيد لأهوائهم وشياطينهم، وعبوديتهم للهوى والشهوات هي التي تدفعهم للمناداة بالحرية الشخصية وتعظيمها؛ وأمام ذلك، فإنه يجب على المسلمين أن يحاربوا هذه العبودية الشركية المغلّفة باسم "الحرية"، والتي جاءت نتيجة غرس قديم لبذور الانحراف بين مجتمعاتهم، بأيدي "مفكّرين" انسلخوا عن دينهم، واستوردوا أفكارا من الشرق أو الغرب، باسم "التحرر" و"التطور" و"الديموقراطية"؛ ليغزوا بها ديارهم، ويعبّدوهم لشهواتهم، كما يجب عليهم أيضا أن يحاربوا أصحاب هذه الدعوات والمدافعين عنها، باللسان والسنان، بعد البراءة منهم قولا وعملا أسوة بملة إبراهيم -عليه السلام-.

وعلى المسلمين أيضًا أن يحصّنوا أنفسهم وأهليهم وإخوانهم من هذه المناهج والدعوات الكفرية، وأن يتذكروا أنها سبب لدخول نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..} [التحريم]، وأن يحرصوا على أن يكون هواهم تبعاً لما جاء به الشرع الحنيف.

كما على المجاهدين خصوصًا، أن يتأمّلوا عظيم فضل الله عليهم بهدايتهم إلى سبيل النجاة في الوقت الذي يعبد فيه الناس شهواتهم وأهواءهم وأموالهم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِس عبدُ الدينار، تعس عبدُ الدرهم، تعِس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبدٍ أخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرةٌ قدماه..) [البخاري]

وفي الحديث دلالة على أن الجهاد سبب لنجاة العبد من فتن الدنيا والآخرة، والمجاهدون هم أكثر الناس حرصا على تحرير الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، والحمد لله رب العالمين.




● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

التوكل.. حقيقته وثماره إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى ...

التوكل.. حقيقته وثماره


إن التوكل على الله تعالى من صفات عباده المؤمنين الخاشعين الذين جلّى الله صفاتهم في كتابه الكريم فقال فيهم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، والتوكّل عبادة عظيمة يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وقد أمر الله بها الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين في مواضع عديدة منها قوله لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ}[هود]، قال الإمام الطبري: "يقول: فاعبد ربك يا محمد، (وتوكل عليه): فوِّض أمرك إليه، وثِق به وبكفايته، فإنه كافي من توكل عليه"، ومنها قوله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[التوبة]، إلى غيرها من الآيات.. فما المقصود بالتوكل؟ وما حقيقته؟ وما آثاره وفوائده للمسلم في الدنيا والآخرة؟


- حقيقة التوكل

إنّ التوكل عبادة من أعظم الأعمال القلبية التي لا يعلم صدقها وحقيقتها إلا الله تعالى، وحقيقة التوكل كما عرّفها ابن رجب -رحمه الله-: "هو صدق اعتماد القلب على الله -عز وجل- في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَةُ الأمورِ كلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه" [جامع العلوم والحكم].

والتوكل على الله تعالى شرط من شروط الإيمان به سبحانه، ولذلك قَرَن الله تعالى بين التوكل والإيمان فقال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال أيضا: {يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} [يونس]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "هل خاطب الله بالتوكل في كتابه إلا خواصَّ خلقِه وأقربَهم إليه وأكرمَهم عليه؟ وشرط في إيمانهم أن يكونوا متوكلين، والمعلّق على الشرط يُعدم عند عدمه، وهذا يدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل، فمن لا توكل له لا إيمان له، قال الله تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة]، وقال تعالى: {وَعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران]، وقال تعالى: {إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال]، وهذا يدل على انحصار المؤمنين فيمن كان بهذه الصفة" [مدارج السالكين].


- توكل الأنبياء

ولا تظهر حقيقة التوكل على الله إلا عند الخطوب ووقوع الكروب، وأكمل الخلق إيمانا وأشدهم توكلا على الله سبحانه هم الأنبياء، ولنا في مواقفهم عظاتٌ وعبر، فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، ومن قبلهم إبراهيم -عليه السلام- التجأوا لربهم وفوضوا أمرهم لبارئهم سبحانه، وتوكلوا عليه في مواقف شديدة، ظهر فيها صدق توكلهم على الله، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألْقيَ في النار، وقالها محمد -صلى الله عليه وسلم- حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}" [أخرجه البخاري]، فما كان من أمر إبراهيم -عليه السلام- إلا أن نجّاه الله من النار، فجعلها سبحانه بردا وسلاما عليه، وجعل أعداءه الذين أرادوا به كيدا من الخاسرين، قال تعالى: {وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ}، وأما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقد انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وذلك بفضل الله وإحسانه عليهم، فعندما توكلوا على ربهم حق توكله وتبرأوا من حولهم وقوتهم كفاهم الله ما يحذرون منه ونجاهم من عدوهم، كما نجّى موسى -عليه السلام- حين توكّل على ربه حق التوكّل لمّا أتبعه فرعون وجنوده، قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء] فانظر إلى عظيم توكّلِ موسى -عليه السلام- وانظر عاقبة هذا التوكّل، فقد نجّى الله تعالى موسى ومَن معه مِن هذا الموقف العصيب، ففلق له البحر وأغرق فرعون وجنوده فيه، قال الله تعالى: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق].- التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب

وقد يُفهم أن التوكل على الله تعالى هو تركُ الأخذ بالأسباب لتحقيق أي مطلب من مطالب الدين والدنيا، وهذا مخالف لما أمر الله به بل هو تعطيل لجانب التوحيد وعدم فهم التوكل فهما صحيحا كما أمر الله به سبحانه، فالأخذ بالأسباب واجبٌ شرعيٌ لابد منه لتحقيق المراد مع عدم الاعتماد عليه والركون إليه وتعلق القلب فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "قال طائفة من العلماء: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشريعة، وإنما التوكل المأمور به ما اجتمع فيه مقتضى التوحيد والعقل والشرع" [التحفة العراقية]، وقال تلميذه ابن القيم -رحمه الله-: "وأجمع القومُ على أن التوكل لا ينافي القيامَ بالأسباب، فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالةٌ وتوكلٌ فاسد" [مدارج السالكين].

والمتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الأخذ بالأسباب قد أمر الله به وذكر ذلك في مواطن عديدة، فقال سبحانه محذراً عباده المؤمنين من غدر الكافرين: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ} [النساء]، وقال -جل شأنه- في الإعداد وقتال الكافرين: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ} [الأنفال]، وأمر عباده بطلب الرزق فقال تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًا فَٱمْشُواْ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ} [الملك]، وقال سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة]، ففي هذه الآيات وغيرها الكثير ما يدل على الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله تعالى، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى، وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، وإن تركها عجْزٌ ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد من هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً" [زاد المعاد].


- ثمار التوكل

وإذا استقرت في قلب العبد حقيقة التوكل على الله نال بذلك ثمرات هذه العبادة العظيمة، ولعل من أفضل ثمرات التوكل وأعظمها هي محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، قال تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران]، وإذا أحب اللهُ عبداً نال السعادة في الدارين، ومن ثمرات التوكل على الله: الحفظ من الشيطان ومكائده؛ إذ أن الشيطان يفرّ من المؤمنين المتوكلين على الله في كل شأنهم فلا سلطان له عليهم قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل].

ومن ثمراته: الهداية من الضلال والكفاية من أمور الدنيا والوقاية من المكاره قال -صلى الله عليه وسلم-: (من قال -يعنى إذا خرج من بيته-: "بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله" يقال له: "كفيت ووقيت وهُديت وتنحى عنه الشيطان"، فيقول لشيطان آخر: "كيف لك برجل قد هُدِي وكُفِي وَوُقِي") [أبو داوود وابن حبان]، قال ابن القيّم -رحمه الله-: "والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم، وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإن الله حسبه أي كافيه، ومَن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوه ولا يضره إلا أذى لا بد منه، كالحر والبرد والجوع والعطش، وأما أن يضره بما يبلغ منه مراده فلا يكون أبدا وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر إيذاء له وهو في الحقيقة إحسان إليه وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يتشفى به منه، قال بعض السلف: "جعل الله تعالى لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده فقال: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} ولم يقل نؤته كذا وكذا من الأجر كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله تعالى حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجا من ذلك وكفاه ونصره" [بدائع الفوائد].ومن ثمراته أيضاً سعة الرزق وسهولة الحصول عليه؛ فعن عمر -رضي الله عنه- قال: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لو أنكم تَتَوَكَّلون على الله حق توكله، لَرَزَقَكُم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا)" [أحمد والتِّرمذي]، قال الإمامُ ابن رجب الحنبلي: "وهذا الحديث أصلٌ في التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزق، قال الله -عزّ وجل-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، وقد قرأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية على أبي ذر وقال له: (لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم) يعني: لو أنهم حققوا التقوى والتوكل؛ لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم" [جامع العلوم والحكم].

ومن ثمراته أيضا: النصر على الأعداء والظفر بهم، قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران].

مما تقدم، فلا غنى للعبد عن التوكل على الله سبحانه في كل شأنه، وتفويض أمره لخالقه في كلّ أمره، فلا حول له ولا قوة إلا به سبحانه، اللهم عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

حقَّ جهاده أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: ...

حقَّ جهاده



أمرَ اللهُ تعالى عباده المؤمنين بأنْ يجاهدوا في سبيله حقّ جهاده فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ}، وفسّر ابن عبّاس ذلك بأنه "استفراغُ الطاقة فيه، وألا يخاف في اللهِ لومةَ لائم"، وذلك التكليف الإلهي بالجهاد لا يفوق طاقة العبد، لكنه لن يخلو مِن لوم اللائمين وعذل العاذلين، وهذا مشاهَدٌ مجرَّبٌ في أحوال المجاهدين اليوم، فإنّ أكثر الناس مخالفٌ لجهادهم، لائمٌ لهم، بسبب أعباء الجهاد وتبعاته التي تخالف أهواء الناس وشهواتهم، وعليه جاءت النصوص القرآنية تسلّي المجاهدين، وتأمرهم بأنْ لا يلتفتوا إلى ذلك أبدًا، وأنْ لا يخافوا في الله لومة لائم.

بل أكّد القرآن الكريم أنّ ذلك فضلٌ لا يؤتيه الله إلا مَن يحبهم، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، ثم أتبع الله تعالى هذه الآية بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، لذلك لا عجب أنْ يكون أكثر ما يلوم الناسُ المجاهدين عليه اليوم، هي مسائل الولاء والبراء والمفاصلة مع المشركين وقتالهم، وهي من لوازم الجهاد في الله حقّ جهاده، التي لا يلتزمها إلا حزب الله الغالبون.

وبقدْر قيام المسلم بالجهاد حقّ جهاده، بقدْر ما يخالفه الناس ويخاصمونه ويعذلونه ويلومونه، ولذا جاء في وصف أهل الطائفة المنصورة الثابتة على أمر الله أنهم: (لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله) [مسلم].

ومِن عجيب ما يروى في السُّنة الثابتة؛ أنّ الصحابة السابقين إلى الإسلام كانوا يبايعون النبي -صلى الله عليه وسلم- على أنْ "لا يخافوا في الله لومة لائم!" كما جاء عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بايعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم -أو نقول- بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم" [البخاري]

وهذا يعني بالضرورة أنّ قول الحق والقيام به سبب لكثرة اللائمين ونقدهم، وهذا يفسّر الحرب الشعواء المستمرة ضد الدولة الإسلامية، فقد أقامت جهادها على منهاج النبوة، وجاهد جنودها في الله حقّ جهاده -نحسبهم ولا نزكيهم-.

وفي هذا رد على من يزعم أنّ مخالفة الناس للمجاهدين هي بسبب ما قد يصدر عنهم من أخطاء، فهل كان لوم اللائمين قديمًا للمؤمنين المجاهدين هو بسبب أخطائهم؟! وهل مخالفة وخذلان الناس للطائفة المنصورة كما جاء في السُّنة هو بسبب أخطائها؟! وهل يُفهم مِن قوله تعالى: {وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} أنّ هذا اللوم سببه أخطاؤهم؟!

وحول ذلك قال ابن كثير في تفسيره: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} "أي: لا يردهم عمّا هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل"، وتأمل قول ابن كثير وعباراته هذه، وهل ذلك إلا عين ما يحياه المجاهدون اليوم ويعيشونه ساعة بساعة، والله المستعان.

وعلّق آخرون فقالوا: "وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين".

ولا شك أن القابض على دينه في هذا الزمان كالقابض على الجمر، ولا أحد قابض على دينه في هذا الزمان كالمجاهدين الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم نصرة لهذا الدين، طاعةً لأمر الله تعالى وحراسةً لشريعته، قال ابن القيم: "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".

وكلما تقدم الزمان اشتدت غربة الدين، واشرأبت أعناق المنافقين والمناوئين للمجاهدين، وقد وصف ابن القيم حال الإسلام في زمانه فقال: "بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة، فالإسلام الحقيقي غريب جدا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس" [مدارج السالكين]، فإن كان هذا زمان ابن القيم، فكيف اليوم بزماننا؟!

وفيما تقدم، سلوى للمجاهدين بأن يثبتوا على هذا الطريق، فإنهم على الجادة، وإن كثرة الناقمين والمخالفين والمناوئين لجهادهم ودعوتهم؛ مِن تبعات السير في هذا الطريق المبارك، فإنه طريق فيه جهد ومغالبة للنفس وإقحام لها في المكاره، وحمْل لها على الصعاب، وهو ما لا ترضاه النفوس الخانعة التي تحب الدنيا وتكره الموت.والمتأمل في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه كما أمرنا بالجهاد حقّ جهاده؛ أمرنا أنْ نتقيه -سبحانه- حقّ تقاته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران]، بل أمرنا في نفس الآية بأن نستمر على ذلك حتى نموت على الإسلام، وذلك يدل على أنّ حق التقوى هو أنْ يثبت عليها المسلم حتى يلقى ربه، وكذا حقّ الجهاد أنْ يثبت عليه المسلم حتى يلقى مولاه.

قال الإمام ابن القيم: "وأمرهم أن يُجاهدوا فيه حقَّ جهاده، كما أمرهم أن يتَّقوه حقَّ تُقاته، وكما أن حقَّ تُقاته أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفر؛ فحقُّ جهاده أن يُجاهِدَ العبد نفسَه لِيُسْلِم قلبه ولِسانه وجوارِحه للهِ فيكون كُلُّه لله، وباللهِ، لا لنفسِه، ولا بنفسه، ويُجاهدَ شيطانه بتكذِيبِ وعدِهِ، ومعصيةِ أمرهِ، وارتكابِ نهيه... فينشأُ له من هذين الجهادين قوةٌ وسلطان، وعُدَّة يُجاهد بها أعداءَ اللهِ في الخارج بقلبه ولسانه ويده ومالِه، لتِكونَ كلمةُ الله هي العليا" ثم قال: "ولم يُصِبْ مَن قال: إن الآيتين منسوختان لظنه أنهما تضمنتا الأمر بما لا يُطاق، وحقّ تُقاته وحقّ جهاده: هو ما يُطيقه كلُّ عبد في نفسه" [زاد المعاد]، وفي كلام ابن القيم السابق فائدة أنّ جهاد النفس والشيطان معينان على جهاد الكافرين بالسنان.

وبعد أنْ أمر الله تعالى عباده بأنْ يجاهدوا فيه حقّ جهاده قال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ}، فانظر وتدبر كيف جمع الله تعالى بين حقّ الجهاد وبين ملة إبراهيم -عليه السلام-، فهذه الملة الحنيفية السمحة التي لم تجعل علينا مِن ضيق أو حرج، هي نفسها التي أوجبت جهاد الكافرين والمنافقين، وأمرت بالشدة والغلظة عليهم، وقتالهم بكل وسيلة مشروعة، وفي هذا رسالة للذين يريدون جهادا بغير شريعة أو شريعة بغير جهاد، فمن كان هذا حاله فقد ضلّ الطريق، فلن تقوم للمسلمين قائمة في هذا العصر بغير الجهاد، ولن يكون للجهاد قيمة إنْ لم تكن غايته إقامة الشريعة، بل لا يُسمى جهادًا إنْ لم يكن كذلك، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 358
السنة الرابعة عشرة - الخميس 3 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
17 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً