أمُّ الفرائض لا شكّ أنّ فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى في زماننا، هي أمُّ الفرائض التي ...

أمُّ الفرائض



لا شكّ أنّ فريضة الجهاد في سبيل الله تعالى في زماننا، هي أمُّ الفرائض التي تزداد حاجة المسلمين إليها يومًا بعد يوم، بصفتها الوسيلة الشرعية الوحيدة للدفاع عن بيضة الإسلام والذود عن حياض المسلمين وحرماتهم، وكلّ النصوص الشرعية بل والوقائع تُدلل على ذلك وتؤكّده، فتعطيل الجهاد جرَّ على الأمة من الذل والهوان والانحراف والتشتت ما لا تتسع الصحف لسرده! والله المستعان.

في المقابل، لا شك أنّ الحلَّ للخروج من هذه الحالة المزرية، حالة الذل المسلّط على رقاب المسلمين اليوم هو بعودتهم إلى دينهم الحقّ، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله تعالى، اتباعًا للعلاج النبوي الناجع الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته قبل قرون في الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا تبايعتُم بالعينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزَّرعِ وترَكتمُ الجِهادَ؛ سلَّطَ اللَّهُ عليْكم ذلاًّ لاَ ينزعُهُ حتَّى ترجعوا إلى دينِكُم) [أبو داود]، فالحديث نصٌّ في أنّ ترك الجهاد والانشغال عنه بالدنيا، سبب لهذا الذل الذي لن يُنزع عن الأمة إلا بعودتها إلى ميادين الجهاد.

إذن، فالحل باختصار أن يُحيي المسلمون هذه الفريضة التي اجتهد المرتدون والمنافقون في إماتتها وتعطيلها وتنفير الناس عنها بكل السبل والوسائل الخبيثة التي يُمدهم بها شياطين الإنس والجن، فصار المسلم المجاهد مُفسدًا! والمنافق المفسد مُصلحا! ولا عجب فهذا مِن أخص خصائص هذه السنوات الخداعات التي (يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ) [ابن ماجة]

ولقد جرّبت الأمة كل سبيل! وسلكت كل واد! فما برأت مِن أمراضها، وما شفيت من أسقامها، وما وصلت إلى مرادها، ولن تصل! وكيف تصل وقد ضلّت سبيل النجاة؟! وبدل أن تستجيب لما يُحييها ويُعزّها، استجابت لما يُميتها ويُذلها! أورد الإمام الطبري عند تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، أي: "للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم" [جامع البيان]

لقد أتمَّ الله تعالى دينه، وهذا من تمام عدله ورحمته سبحانه وتعالى، وما قبض نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- حتى ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فما ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرا إلا دل أمّته عليه، ولا شرًا إلا حذّرها منه، وبيّن الله تعالى في كتابه والنبي -صلى الله عليه وسلم- في سنته سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين في نصوص كثيرة كما في قوله تعالى: {كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ}، قال الطبري في تفسيره: "كذلك نفصِّل لك أعلامنا وأدلتنا في كل حقّ ينكره أهل الباطل -من سائر أهل الملل غيرهم- فنبيّنها لك، حتى تبين حقه من باطله، وصحيحهُ من سقيمه".

ونحن نؤمن ونشهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد بيّن الفرق بين الحق والباطل، والضلالة والهدى، وجلّى الفرق بين الإسلام والكفر، والشرك والتوحيد، ودلّ الأمة على سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، وحذّرها سبل الشيطان والخسران في الدنيا والآخرة، ومع ذلك ضلّ كثير من الناس اليوم، ﻷنهم لم يقتضوا الصراط المستقيم، ولم يسيروا على منهاج النبوة القويم، فلم يتبعوا سبيل المؤمنين بل اتبعوا السبل الأخرى، والله تعالى قد أمرهم أمرًا واضحًا صريحًا ووصّاهم بذلك، وبيّن عقاب مخالفة هذا الأمر، فقال سبحانه: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، قال أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: وهذا الذي وصّاكم به ربكم أيها الناس.. وأمركم بالوفاء به هو (صراطه) يعني: طريقه ودينه الذي ارتضاه لعباده، (مستقيمًا) يعني: قويمًا لا اعوجاج به عن الحق، (فاتبعوه): فاعملوا به، واجعلوه لأنفسكم منهاجًا تسلكونه، (ولا تتبعوا السبل): ولا تسلكوا طريقًا سواه، ولا تركبوا منهجًا غيره، ولا تبغوا دينًا خلافه.. (فتفرق بكم عن سبيله): فيشتّت بكم، إن اتبعتم السبل المحدثة التي ليست لله بسبل.."[جامع البيان]

والمتأمل في أحوال أكثر الناس اليوم، يجدهم يشكون من حالة الضعف والتشرذم، ويكتوون بنارها ويئنّون تحت وطأتها، فإذا ما دلّهم أتباع الأنبياء على الحلّ والدواء من كتاب ربهم وسنة نبيهم؛ اثّاقلوا إلى الأرض وأخلدوا إلى الدنيا! وكأنهم يريدون نصرًا بغير بذلٍ ولا تضحية، ويريدون عزا بغير جهاد! يريدون أن يتغيّر حالهم وهم على حالهم مخالفين بذلك سنن الله في خلقه، والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
إنّ سنن الله لم تحابِ أحدًا من خلقه، بل ولا حتى أنبياءه ورسله، ومنهم الرسول المصطفى الذي جاهد في الله حقّ جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لما دعا قومه إلى توحيد الله تعالى، أصابه الأذى في سبيل هذه الدعوة وتعرّض لخذلان القريب والبعيد، ورمته الدنيا عن قوس واحدة، وأخرجه قومه وحاربوه وطاردوه وفعلوا بأصحابه الأفاعيل حتى غارت سياط الجلادين في ظهورهم! فلما جاء الأمر الإلهي بالجهاد؛ جاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه أصحابه فأعزّ الله بذلك المسلمين وسادت شريعتهم وبلغت دعوتهم الآفاق، وهابهم العرب والعجم، بقوة الجهاد بعد قوة الإيمان.

فهذا هو سبيل النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي ارتضاه له ربُّ العزة مِن فوق سبع سماوات، فكيف يريد الناس نجاة بغيره؟! وهو سبحانه القائل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}، قال الطبري: "لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدا -صلى الله عليه وسلم-، {وَإنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه". [جامع البيان] فهل بعد هذا البيان بيان؟

إنّ كلّ النصوص الشرعية السابقة وتفاسيرها المأثورة، تؤكد على أنّ الجهاد هو سبيل النجاة الأوحد للمسلمين، وطريقه هو طريق نبيّهم محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يسلك طريقًا غيره ولو وجد طريقًا غيره لدلّنا عليه، ففريضة الجهاد هي أمُّ الفرائض التي ستعيد للمسلمين أمجاد الماضي، وتقودهم إلى العز والنجاء في الدارين بإذن الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يعقلون.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 360
السنة الرابعة عشرة - الخميس 17 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

قصة شهيد: أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى) صدّق العلم بالعمل إن الدعوة إلى الله ...

قصة شهيد:
أبو إبراهيم الخراساني (رحمه الله تعالى)
صدّق العلم بالعمل



إن الدعوة إلى الله تعالى هدي الأنبياء، وسبيل الصالحين الأتقياء، قال سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: {ٱدعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلحِكمَةِ وَٱلمَوعِظَةِ ٱلحَسَنَةِ} [النحل]، وللدعوة طريقان، طريق السنان وطريق اللسان، وأكمل أسلوب للدعوة هو الجمع بين الطريقين، وقد تجسَّد ذلك كله في أخلاق النبي العدنان -صلى الله عليه وسلم- وسار على هديه الصحابة والتابعون الكرام، فقد كانوا دعاة إلى الله بأفعالهم قبل أقوالهم.

وممن نحسبه كذلك -والله حسيبه-، الأخ المجاهد عبد الرحمن الخراساني (أبو إبراهيم) رحمه الله، ولد في غرب خراسان، في بيت أدب وخلق وحشمة، ونشأ في ظله نشأة حسنة صالحة، حيث تعلم العلم الشرعي على يد أبيه وإخوانه، وكانت عنده رغبة شديدة في الدعوة إلى الله، حتى صار إمامًا وخطيبًا، وداعيًا شفوقًا على قومه، وكان جلّ دعوته آنذاك في الترغيب في الجنة والأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، والترهيب من النار والمعاصي وسوء الخلق.

وكان محبوبا عند الخاصة والعامة والقريب والغريب، حسَن الخلق، رقيق القلب، سليم الصدر، صاحب حياء وأدب، محبا لإخوانه، مشفقا على الفقير والمسكين والضعيف، معينا لأقاربه وأصحابه على نوائب الدهر، وقد ذاع صيته بين الناس على ذلك.

فقد كان -رحمه الله- مثالا في الدعوة إلى الله بفعله وقوله، وقد طلب العلم الشرعي منذ بداية شبابه، فكان حافظا لكتاب الله، وكثيرا من الأحاديث النبوية الصحيحة، بالإضافة لباعه في علوم أخرى.

ولم يكن -رحمه الله- ممن حفظ المتون والكتب وتجاهل العمل بها، بل كان علمه قائدا له في جميع شؤون حياته، فكان قواما بالليل صواما بالنهار، حتى إنه في أيامه الأخيرة تواصل مع أحد إخوانه فسأله: هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال له: إنا لله وإنا إليه راجعون أحسن الله عزاءكم!


- الطريق لساحات الجهاد

لقد سلك أبو إبراهيم هذا الطريق نصرة للدين وذبّا عن حرمات المسلمين، فذات يوم جاء عنده رجل أوتي من زخرف الدنيا ومتاعها يبتغي صده عن النفير في سبيل الله، فقال له: أعطي لك كل شيء تريده من متاع الدنيا وزينتها وأُزوِجك ابنتي على أن تترك الالتحاق في صفوف المجاهدين في الدولة الإسلامية، فقال متبسماً: "لا والله لن أترك هذا الأمر ولا أريد الدنيا وأهلها" فلم يرض لنفسه بالقعود ودماءُ المسلمين تسيل، وأعراضهم تنتهك، فشمَّر عن ساعد الجد، وتسلَّح بالإيمان وتوكل على الله، وأدرك يقينا حقيقة الضر والنفع التي لخَّصها رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- بقوله لابن عباس -رضي الله عنهما- عندما كان يافعا: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) [الترمذي].

ولما منَّ الله على عباده المجاهدين بإعلان الخلافة، سارع بإعلان بيعته لخليفة المسلمين وحثَّ إخوانه على اللحاق بركب الخلافة، خاصة وأنه وجد في إعلانها في ذلك الوقت فرصة ذهبية لجمع شتات الأمة بعد تبعثرها وتفرقها، ففرح أشد الفرح بذلك الإعلان الميمون، وبدأ ينشط نشاطا كبيرا لإقناع وتحريض إخوانه على اللحاق بركبها.


- أسر ثم نفير لساحات الجهاد

ثم وفّق الله الأخ أبا إبراهيم، وصاحب دربه وأخاه في الله للتجهيز للهجرة في سبيله إلى دار الإسلام في ولاية خراسان، ولكن قدّر الله أن يقعا في الأسر في طريق نفيرهما، وحين دخل السجن اجتمع مع إخوانه من مهاجرين وأنصار، وبادر إلى خدمتهم لعدة شهور في سجن (ننجرهار)، ولمّا هاجم جنود الخلافة سجن (ننجرهار) وهدموا أسواره خرج من السجن، ولكن قدر الله له أن يقع في الأسر مرة أخرى، فنقلوه إلى سجن (بلجرخي)، وكعادته اشتغل أبو إبراهيم هناك بتدريس إخوانه العقيدة والتفسير والحديث، وأسّس مع إخوانه في السجن مدرسة باسم (يوسف الصديق)، وكان -رحمه الله- يوصي إخوانه في السجن بالصبر والثبات ويقول لهم: "صبرٌ قليل، فإما دار الإسلام وإما جنة عرضها السموات والأرض".

وفي السجن كان أبو إبراهيم طيب العشرة مع إخوانه المهاجرين، يجالسهم ويتودّد لهم ويساعدهم ما استطاع، بل ويؤثرهم على نفسه، ومما يروي إخوانه عنه: أن أحد إخوانه في الله اشترى له ثوبا ليلبسه في العيد، ولمّا زاره أخوه في السجن لم يشاهده يلبس الثوب الذي أهداه له، فقال له: لمَ لا أراك ترتدي الثوب الذي أرسلته لك؟!، فقال له -تقبله الله-: "لا تحزن أخي -تقبل الله منك- فقد أعطيته لأحد إخواني المهاجرين الإيغور" وأثنى على أخيه المهاجر وذكّره بفضلهم وحقهم.
وفي قصة لطيفة أخرى تتجسد فيها معاني الإيثار في وسط محنة الأسر، أن أخاً من (كابل) كان عنده فاكهة، وكان يستطيبها، إلا أنه آثر على نفسه أحد إخوانه من (بدخشان)، وهذا الأخ حينما رأى الفاكهة أعجبته، لكنه دفعها لأخ له من (فارياب)، وهكذا حتى وصلت للأخ أبي إبراهيم الخراساني -تقبله الله- فآثر على نفسه ودفعها لصاحبها الأول من (كابل)!

وقد مكث في السجن سنتين حتى فرج الله عنه، وبمجرد خروجه من السجن التحق بإخوانه في ساحات الجهاد، ولهمّته العالية عمل أبو إبراهيم في أكثر من مفصل في ولايته، فمِن التدريس في الدورات الشرعية إلى ديوان الإعلام، ومن هندسة العبوات والتعامل مع المتفجرات إلى ديوان الدعوة والمساجد، فقد كان من السبّاقين في كل خير لا يملّ.


- مقتله ووصيته

بعد رحلة الأسر والدعوة والجهاد كان أبو إبراهيم -رحمه الله- في موعد مع القتل في سبيل الله، والذود عن حرمات المسلمين، حيث داهمت ميليشيا طالبان المرتدة بيت أحد المسلمين، وكان فيه فارسنا مع بعض إخوانه، حيث اشتبك مع الميليشيا واستطاع مع إخوانه أن يؤمنوا انسحاب الأطفال والنساء مع بعض الإخوة من البيت، واستمر أبو إبراهيم بالاشتباك مع المرتدين، حتى أحكمت الميليشيا حصار البيت بعد أن استدعت تعزيزات إضافية، واستمر الاشتباك معهم لمدة ساعتين، استبسل فيها أبو إبراهيم وإخوانه أيّما استبسال، وقد أوصى قبل مقتله بلحظات قليلة بأنه كان يريد تبيان نواقض طالبان فأوصى إخوانه بتبيان نواقضهم والثبات ضدهم، وأوصى بتصفية علماء السوء ودعاة الباطل، وقال: "هم أساس كل باطل؛ فلا ترحموهم ولا تتركوهم يسيرون في البلاد آمنين"، وكان هذا آخر ما أوصى به قبل أن يُقتل مقبلا غير مدبر، وقد آثر القتل في سبيل الله على الرضوخ والاستسلام، وصدّق العلم بالعمل وخضّب نحره بالدماء في الوقت الذي يستطيب فيه كثير من طلبة العلم القاعدين استخلافهم مع الولدان والنساء، فرحمك الله يا أبا إبراهيم رحمة واسعة، وأسكنك في عليين، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

خوف العاجل وتناسي الآجل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام ...

خوف العاجل وتناسي الآجل



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

لقد طغى على أهل هذا الزمان خوفهم من البشر أكثر من خوفهم من الله تعالى، وإيمانهم بالمحسوس المشاهد أكثر من إيمانهم بالغيب! وذلك لضعف إيمانهم وانعدام يقينهم وإسرافهم على أنفسهم، فصار الواحد منهم يخاف من وعيد السلطان أكثر من خوفه من وعيد القرآن، كما روي عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "إنَّ اللهَ يزَعُ بالسلطانِ ما لا يزَعُ بالقرآنِ"، وذلك أنّ عذاب القرآن آجل لا يردع ضعيف الإيمان، أما عذاب السلطان فهو عاجل متحقق في الحال.

والإنسان يخاف من نوائب الدهر وحوادث الأيام، ويخاف على نفسه من الحيوانات المفترسة والهوام، ويخاف لقاء العدو في أرض المعركة، إلى غير ذلك مما يخافه البشر في العادة، فهذه طبيعة النفس البشرية. وكل ذلك لأنه محسوس مشاهد في واقعهم وحياتهم، فإنك إذا هددت شخصًا وقلت له سأعاقبك بعد شهر؛ تراخى في خوفه منك وربما لم يأبه بك ولا بتهديدك، لكن إن كان كلامك عن العقاب سيقع عاجلا وفي الحال، فإنه سيخاف منك ويرتدع، ولذا فأغلب الناس اليوم إن لم تخاطبهم من موقع القوة فلن يستمعوا إليك ولن يأبهوا بك إلا ما رحم ربك، وهو ما حدث مع النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي كانت العرب تحترمه قبل الإسلام وتدعوه بالصادق الأمين كما روي في السير، ومع ذلك لما دعاهم إلى الإيمان وترك الشرك وخوَّفهم بالله تعالى وعذابه الآجل، لم يخافوا ولم يستجيبوا له ولم يستمعوا إليه، بل أعرضوا عنه وكذبوه واتهموه وحاربوا دعوته، لكن لما سلَّ عليهم سيوف الجهاد وفتح بلادهم، أذعنوا له ودخلوا في دين الله أفواجًا وقصة فتح مكة لا تخفى.

وفي ذلك قال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:

دعا المصطفى دهْرا بمكةَ لم يُجَبْ
وقد لان مِنه جانبٌ وخِطَابُ

فلما دعا والسيفُ صَلْتٌ بكفِّه
له أسلموا واستسلموا وأنابوا

فأكثر الناس اليوم يخشون من العذاب الدنيوي الذي يقع عليهم، لكن يتساهلون ويتمادون ويتجاهلون وعيد الله تعالى للمقصرين منهم بالعذاب الأخروي يوم القيامة، ولهذا كان عيش المنافقين تحت ظل دولة النبي -صلى الله عليه وسلم- خوفًا من بطشه، فقد أظهروا الإسلام وأبطنوا كفرهم، وما ذلك إلا خوفًا من العذاب الحسي الذي سيقع عليهم، في حين أنهم لم يكونوا يخافون العذاب الذي توعدهم الله به في يوم القيامة، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء].


- خوف السلف من الآجل

أما عباد الله المؤمنون المتقون، فقد اجتهدوا في تحقيق الخشية من الله تعالى، حتى جعلوا خوفهم من العذاب الغيبي الآجل، أشد من خوفهم من العذاب الحسي العاجل، وهنا يظهر لك الفرق بين زماننا هذا وزمان الصحابة -رضي الله عنهم- وكذا زمان السلف رحمهم الله تعالى، فأنت تتعجب عندما تسمع أنّ بعض السلف كان يُغمى عليهم مِن سماع آيات العذاب أو عند تذكّر الموت! لكنك لا تتعجب البتة عندما تسمع أن رجلا أغمي عليه خوفًا من هجوم أسد مفترس، أو خوفًا من بطش حاكم ظالم، أو غير ذلك من ضروب الخوف الحسي.

فالسلف رضوان الله عليهم، اجتهدوا في تزكية أنفسهم وتحقيق التقوى والخشية من الله حتى وصلوا مرحلة من الإيمان صار فيها خوفهم من الله تعالى يفوق هذا الخوف الحسي المشاهد، ولهذا تسمع قصص ثباتهم أمام السلاطين وصدعهم بالحق في وجه الحكام المتجبرين، وتسمع قصص ثباتهم واستبسالهم في المعارك ضد الكافرين.


- نماذج من خوف السابقين واللاحقين

ومن نماذج قصص السابقين في تقديم خوفهم من الآجل على العاجل، ثبات سحرة فرعون بعد الإيمان فلم يعودوا يخافون من عذاب فرعون العاجل المتحقق، بعد أن امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى، وهؤلاء أصحاب الأخدود يُلقَونَ في حفر النيران ثابتين دون أن ينكصوا أو يبدلوا دينهم أو يرضخوا لعذاب الطاغوت المتحقق في الحال.

وهذا يجعلك تستوعب قصص "قتيل القرآن" كيف كان أحدهم يسمع قوله تعالى: {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} فيخر صريعا ميتا لا حراك فيه، [التوابين لابن قدامة]، وكذا قصة من كان يبول دمًا خوفًا من عذاب النار والآخرة، كما روي عن سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وغيرهم رحمهم الله، فهؤلاء جميعا امتلأت قلوبهم بالخوف من الله تعالى وعذابه الآجل.
وهذا هو الذي يوضح لك كيف ثبت المجاهدون وذراريهم تحت قصف القاصفات ورجم الراجمات بأم القنابل وأطنان الصواريخ في الباغوز والموصل وغيرها، وهذا يبين لك كيف ثبتت ثلة قليلة من المجاهدين أمام أعتى حملة صليبية عرفها التاريخ، وما ذلك إلا لأنهم أيقنوا بوعد الله تعالى وخافوا عذابه بعد أن آمنوا به إيمانا جازما حتى كأنهم صاروا يرونه رأي العين، وهذا من معاني الإحسان كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله جبريل -عليه السلام- عن الإحسان فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [مسلم]

فهذه القصص تحفز المجاهد على أن يرفع من إيمانه ويزيد في طاعته وتقواه حتى يحقق الخشية التي تصل به إلى هذه المرحلة الإيمانية.


- الاستشهاديون وعين اليقين

ولعل من أقرب الناس في عصرنا إلى هذه المرحلة الإيمانية اليقينيّة، هم الاستشهاديون الذين آثروا الباقية على الفانية، وتركوا الدنيا وما فيها طلبا لما عند الله، فترى أحدهم مقدمًا على الموت راكبًا مركبه، عاقرًا جواده، مبتسمًا غير خائف من نيران العدو التي تنهمر عليه كالمطر لحظة وثبته نحو هدفه، ولا من النار التي تذيب جسده لحظة التفجير، مصداقا لقوله تعالى: {فَيُقتَلَونَ وَيَقتُلونَ} في قراءة الكسائي وحمزة، فما هذا إلا لما علمه وتيقن به عند الله من جنة ونعيم ونار وجحيم، فخوف النار شغله عن خوف نار المتفجرات التي تصلاه عند التنفيذ، ورجاء ما عند الله من نعيم مقيم شغله عن نعيم الدنيا الفانية فهجرها وأقبل نحو الموت مقداما فرحا بموعود الله الذي كأنه يراه رأي العين، بعد أن أيقن أن أقصر الطرق إلى مرضاة الله تعالى هي إزهاق النفس في سبيله سبحانه، بعد أن قرأ سيرة البراء وحديقة الموت، وتمعن في طلب خالد للشهادة، فعاش حياته باحثا عن الموت في سبيل الله تعالى، طالبا للفوز الكبير، فما الدنيا في عينيه إلا جناح بعوضة بل أقل.

فهذا نموذج حيٌّ أمامك تراه وتسمع به ممن آثروا الآجل على العاجل، وخافوا الغيب قبل المحسوس، فلك ولنا فيهم قدوة وهم -والله- أسوة حسنة لكل متأس مقتد، فاسلك طريقهم وتابع مسيرهم وأخلص نيتك لله، وسله سبحانه أن يثبتك على هذا الطريق ويملأ قلبك بالخشية منه واليقين بوعده، فتلك جنة الدنيا التي توصلك إلى جنة الآخرة. والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 359
السنة الرابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الأول 1444 هـ
...المزيد

اذا اكفهر بحر فارحل اصف ابن برخيا ثم رحل...... وخيالاته ........ ورحل اصف مثل ...

اذا اكفهر بحر فارحل
اصف ابن برخيا

ثم رحل...... وخيالاته ........ ورحل اصف مثل سلسلة

اصف محمد او طريق مسدود اول امم هلاكا جراد تتابعت مثل خرز

اصف محمد او طريق مسدود

اول امم هلاكا جراد
تتابعت
مثل
خرز

صفحة ادمن خيال2 كما للاخرين https://l.top4top.io/p_37773m1ie1.png مثال زخرفة اطار كتابات ...

صفحة ادمن خيال2 كما للاخرين
https://l.top4top.io/p_37773m1ie1.png
مثال زخرفة اطار كتابات حمام مشارك
https://peugeot.byethost16.com/upload/58.jpg
صورة تطبيق القصص اثناء عرض ومشاركين
https://peugeot.byethost16.com/upload/60.jpg

...المزيد

34ربي ارني كيف تحيي13 موتى فقال خيال2 تزلزلت ارض حكايات كثيرة وعاشو ف جهنم للابد فقط ...

34ربي ارني كيف تحيي13 موتى
فقال خيال2 تزلزلت ارض حكايات كثيرة وعاشو ف جهنم للابد فقط وانتهى
فقال من فضلك مر اعبر لشكلك وخلانك حيث تسمع وترى ما تحب لا تبتلينا فقط وانتهى

اكسجين كلكم يرعى وكلكم مسؤول عن خاصته غاز سيانيد ...

اكسجين
كلكم يرعى وكلكم مسؤول عن خاصته
غاز سيانيد
...

اذا لا يلبثو خلافك سنة من ارسلنا من رسلنا يبعث الله طيرا عماليق تخرجهم جوج وماجوج من ...

اذا لا يلبثو خلافك سنة من ارسلنا من رسلنا
يبعث الله طيرا عماليق تخرجهم جوج وماجوج من نتن ريحهم الى نهاية ارض
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
18 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً