مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم ...

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر


الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.

فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]

إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.

وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]

البيعة في العسر واليسر

ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]


• أكلوا أوراق الشجر!

وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]

وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]

• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!

وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]


• جاعوا وخافوا يوم الخندق!

وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]


• جيش العسرة يوم تبوك

وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]

وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]


• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية

أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]

وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!

وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.

وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.

فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".

وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم ...

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر


الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.

فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]

إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.

وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]

البيعة في العسر واليسر

ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]


• أكلوا أوراق الشجر!

وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]

وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]

• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!

وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]


• جاعوا وخافوا يوم الخندق!

وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]


• جيش العسرة يوم تبوك

وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]

وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]


• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية

أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]

وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!

وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.

وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.

فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".

وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

سجدة الغريق ​هل شعرت يوماً أن ذنوبك أثقلت خطاك حتى عجزت عن الوقوف بين يدي الله؟ لعلنا سألنا أنفسنا ...

سجدة الغريق
​هل شعرت يوماً أن ذنوبك أثقلت خطاك حتى عجزت عن الوقوف بين يدي الله؟ لعلنا سألنا أنفسنا يوماً في لحظة صدق: ما الذي يربطني فعلاً بهذا الدين؟ هل تكفي كلمة "مسلم" في الهوية لتجعلني آمناً؟ نحن في هذه الدنيا نمر بموجات من التيه، نضيع في زحام المادة، وتخنقنا الهموم، وربما نغرق في وحل الشهوات. هنا تأتي الصلاة لتكون "الأكسجين" الذي يمد قلبك بالحياة، هي ليست مجرد حركات نؤديها، بل هي "موعد" خاص جداً.
​إن الإسلام بناء عظيم، شامخ، لكنه لا يقوم على مجرد التمني. لقد أخبرنا النبي ﷺ بوضوح عن القواعد التي يرتفع عليها هذا الصرح، فقال: "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ" (رواه البخاري في صحيحه، رقم 8؛ ومسلم في صحيحه، رقم 16). انظر إلى الترتيب؛ الصلاة هي هويتك اليومية، هي موعدك الذي لا يتأجل، وهي الركن الذي لا يسقط عنك أبداً ما دام فيك عرق ينبض.
​قد يهمس الشيطان في أذنك وأنت في قمة انكسارك، وأنت تشعر برائحة الذنب تفوح من ثيابك: "أنت منافق! كيف تسجد لله وأنت كنت قبل قليل تفعل كذا وكذا؟". اسمعني يا صاحبي، الشيطان لا يريدك أن تترك المعصية، بل يريدك أن تترك "المغسلة" التي تنظفك. إذا كنت تقع في الزنا، فلا تترك الصلاة. إذا كنت تشرب الخمر، فلا تترك الصلاة. إذا كنتِ لا تلبسين الحجاب وتخرجين سافرة، فلا تتركين الصلاة. تأمل معي هذا القانون الإلهي: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ" (سورة العنكبوت، الآية 45). الصلاة هي التي ستقوم بمهمة "النهي" يوماً ما، هي العلاج الذي سيطرد السم من جسدك تدريجياً.
​الصلاة من "الصلة"، وهي ذلك الخيط الرفيع الذي يربط غريقاً في قاع المحيط بسفينة النجاة. تدري ما الذي يحدث حين تقف وتقول "الله أكبر"؟ أنت حرفياً تفتح قناة اتصال مباشرة مع ملك الملوك. يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي العظيم: "قال اللهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبينَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي..." (رواه مسلم في صحيحه، رقم 395). الله بذاته يرد عليك! هل هناك كرم أعظم من هذا؟ يقول الإمام ابن القيم: "لو لم يكن في الصلاة إلا أنها تطفئ نار المعاصي لكفى" (زاد المعاد، ج 4، ص 192).
​لا تنتظر أن تصبح "مثالياً" لتبدأ. ابدأ الآن بامتثال أمر الله في الفرائض، فهي أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه. يقول الله في الحديث القدسي: "ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه" (رواه البخاري في صحيحه، رقم 6502). وإذا وجدت في نفسك قوة فزِد، وإن وجدت ثقلاً فاحمِ الفرائض وعض عليها بالنواجذ. تذكر أن الصلاة في القبر تكون "نوراً" يطرد الوحشة، وهي أول ما ستسأل عنه. يقول النبي ﷺ: "إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ من عملِهِ صلاتُهُ، فإن صلحَت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدت فقد خابَ وخسرَ" (رواه الترمذي في سننه، رقم 413، وقال: حديث حسن).
​يا أخي.. يا من أتعبتك الذنوب، ابقَ على سجادتك، حتى وأنت تبكي خجلاً من ذنب فعلته قبل دقائق. قل له: "يا رب، هذا أنا، بذنبي، وقبحي، جئتك لأنك لا تطرد أحداً". يوماً ما، ستجد أن الصلاة بدأت فعلاً في طرد تلك الأوساخ من قلبك. لا تفرط في هويتك، ولا تحرق جسرك الوحيد للضفة الأخرى. اذهب إليه كما أنت، بضعفك، بكسرك، بذنوبك.. وسوف تجده "تواباً رحيماً".

مصعب حامد علي الفلوجي
من كتابي" سجدة الغريق"
...المزيد

قاثيك4 (out of control سيكون شيطانة ذات شعر ابيض (out of control قريبا فلم زكي شان ...

قاثيك4 (out of control
سيكون
شيطانة ذات شعر ابيض (out of control قريبا
فلم زكي شان قريبا
سيكون

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ • مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ ...

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ



• مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"
للشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


صبر وثبات ويقين بوعد الله، رغم المحن والصعاب، رغم تكالب الأحزاب، رغم هدير الراجمات وقصف الطائرات، يقف الواثقون الموقنون بنصر ربهم، صامدين صابرين محتسبين مقبلين غير مدبرين، لم توهنهم الزلازل فيقفوا عاجزين حائرين أو تائهين خائرين، بل أسرجوا في ليل الظلمة نور الحق وأوقدوا بدمائهم مشاعل الهداية وجانبوا سبل الغواية، من كتاب ربهم نهلوا، وبسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ساروا وعملوا، علموا أن النصر من عند الله وما كان يوما بكثرة عَدد ولا عُدد، لأن الله عزيز لا يغالبه مغالب، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العُدد ما بلغوا، حكيمٌ حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها، حكيمٌ في تدبيره ونَصْرِهِ مَنْ نَصَرَ وخذلانه مَنْ خَذَل من خلقه، لا يدخل تدبيرَه وهنٌ ولا خللٌ، قال وقوله الفصل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].

نعم، إنه وعد الله الحق وأمره لعباده المؤمنين، فسنته وحكمته في خلقه ماضية، يُنزل البلاء متى شاء ويرفعه متى شاء، عليمٌ حكيمٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال وقوله الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وإن سنة الله اقتضت، أن النصر لا يتحقق بدون استقامة على أمره -سبحانه- وعودة صادقة إليه، فمن كان أنصر لدين الله وأعظم جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله، كان أعظم نصرة وطاعة وحرمة.

… فالدولة الإسلامية هي من تقارع وتدافع عن دار الإسلام، وتستنهض أهل الإيمان وتشحذ همم أبناء الإسلام للانعتاق من رق العبودية والتبعية لأمم الكفر، وهي تخوض حربا ضروسا طاحنة عن أمتها، التي ما ادخرت جهدا في حربها والصد والتنفير عنها وبكل ما أوتيت من قوة وبشتى الطرق والوسائلّ، ودولة الخلافة -بفضل الله ومَنِّه- ما فتئت تجر المسلمين للعودة لدينهم بالسلاسل، وعلماء الطواغيت وأبواق الشر يصدُّون ويندُّون ويأبون إلا أن يكون أهل الإسلام أذلة صاغرين تسوسهم أمم الصليب وأذنابهم من الحكام المرتدين، إلا أن دولة الخلافة وبتوفيق الله لها، قد أدركت الداء وعلمت الدواء، وهي ماضية على دربها بإذن الله، ولن تأخذها في الله لومة لائم، حتى تُسلِّم الراية إلى عيسى بن مريم، عليه السلام.

أمة الإسلام: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وما اعتز بدينه إلا من حقق التوحيد، وأحيا الولاء والبراء وأصبحا سمة ملازمة له في جميع شؤون حياته وتقلب أحواله، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، عند تكالب الأعداء وتفاقم اللأواء، لا إلى الأستانة يمَّم وجهه ولا إلى الطواغيت فاء، كلا بل لزم غرز الملة السمحاء واقتدى بأبي الأنبياء، وقال لأمم الكفر: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]. هذا سبيل المؤمنين المهتدين وما سواه سبيل الكافرين المعتدين من حرَّفوا وبدَّلوا شرعة رب العالمين.

فيا جنود الخلافة وآساد الإسلام: اعلموا أن رحمة الله وجنته لا تنال بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الثابتين الصابرين الصادقين المصدِّقين بما وعدهم، أما تتلون قول ربكم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

وأصل الشراء بين الخلق كما قال القرطبي، رحمه الله: "هو أن يُعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانيه المُعوَّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومِن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء".

يا جنود الخلافة: ربح البيع وربِّ الأرض والسماء، وإنا لا نقيل ولا نستقيل بإذن الله، فاصدقوا عند اللقاء، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فتلك هي التجارة الرابحة التي خصَّ الله بها عباده المؤمنين البائعين نفوسهم رخيصة في سبيله، لإعلاء كلمته وإقامة شرعه، وإن غاية ما يصبو إليه المجاهد في سبيل الله، هو أن ينال رضى ربه وعفوه وإحسانه وتوفيقه وامتنانه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومقارعة أعدائه في كل ساح وموطن، حتى يكون الدين كله لله، وأن تُحكم الأرض كل الأرض بشرع الله، فإن عاش، عاش كريما و إن مات مات عزيزا، هكذا كان حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة الأخيار من القرون المفضلة، وهذه بشرى نبيكم صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل) [رواه مسلم].

...فإياكم إياكم يا جنود الخلافة أن تلينوا لعدوكم، فهذا لم نعهده عليكم، وهو عين ما تدركه أمم الكفر وعلى رأسها أمريكا، التي ما حفلت -بفضل الله- بنصر مذ أقحمت نفسها في حرب الإسلام والمسلمين، ونحن اليوم -بفضل الله- بتنا في زمان جديد سما وعلا صرح الخلافة فيه، فمهما أزبد الكفر وأرعد فلن يرى منا إلا ما يسوؤه، بحول الله وقوته، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وإن الله ناصرنا عليهم، نعم، إن الله ناصرنا عليهم، وما هذه إلا بارقة الملاحم وأولاها، الغالب فيها من صبر وصدق لا من سبق، وإنما العبرة بالخواتيم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ • مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ ...

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ



• مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"
للشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


صبر وثبات ويقين بوعد الله، رغم المحن والصعاب، رغم تكالب الأحزاب، رغم هدير الراجمات وقصف الطائرات، يقف الواثقون الموقنون بنصر ربهم، صامدين صابرين محتسبين مقبلين غير مدبرين، لم توهنهم الزلازل فيقفوا عاجزين حائرين أو تائهين خائرين، بل أسرجوا في ليل الظلمة نور الحق وأوقدوا بدمائهم مشاعل الهداية وجانبوا سبل الغواية، من كتاب ربهم نهلوا، وبسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ساروا وعملوا، علموا أن النصر من عند الله وما كان يوما بكثرة عَدد ولا عُدد، لأن الله عزيز لا يغالبه مغالب، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العُدد ما بلغوا، حكيمٌ حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها، حكيمٌ في تدبيره ونَصْرِهِ مَنْ نَصَرَ وخذلانه مَنْ خَذَل من خلقه، لا يدخل تدبيرَه وهنٌ ولا خللٌ، قال وقوله الفصل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].

نعم، إنه وعد الله الحق وأمره لعباده المؤمنين، فسنته وحكمته في خلقه ماضية، يُنزل البلاء متى شاء ويرفعه متى شاء، عليمٌ حكيمٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال وقوله الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وإن سنة الله اقتضت، أن النصر لا يتحقق بدون استقامة على أمره -سبحانه- وعودة صادقة إليه، فمن كان أنصر لدين الله وأعظم جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله، كان أعظم نصرة وطاعة وحرمة.

… فالدولة الإسلامية هي من تقارع وتدافع عن دار الإسلام، وتستنهض أهل الإيمان وتشحذ همم أبناء الإسلام للانعتاق من رق العبودية والتبعية لأمم الكفر، وهي تخوض حربا ضروسا طاحنة عن أمتها، التي ما ادخرت جهدا في حربها والصد والتنفير عنها وبكل ما أوتيت من قوة وبشتى الطرق والوسائلّ، ودولة الخلافة -بفضل الله ومَنِّه- ما فتئت تجر المسلمين للعودة لدينهم بالسلاسل، وعلماء الطواغيت وأبواق الشر يصدُّون ويندُّون ويأبون إلا أن يكون أهل الإسلام أذلة صاغرين تسوسهم أمم الصليب وأذنابهم من الحكام المرتدين، إلا أن دولة الخلافة وبتوفيق الله لها، قد أدركت الداء وعلمت الدواء، وهي ماضية على دربها بإذن الله، ولن تأخذها في الله لومة لائم، حتى تُسلِّم الراية إلى عيسى بن مريم، عليه السلام.

أمة الإسلام: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وما اعتز بدينه إلا من حقق التوحيد، وأحيا الولاء والبراء وأصبحا سمة ملازمة له في جميع شؤون حياته وتقلب أحواله، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، عند تكالب الأعداء وتفاقم اللأواء، لا إلى الأستانة يمَّم وجهه ولا إلى الطواغيت فاء، كلا بل لزم غرز الملة السمحاء واقتدى بأبي الأنبياء، وقال لأمم الكفر: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]. هذا سبيل المؤمنين المهتدين وما سواه سبيل الكافرين المعتدين من حرَّفوا وبدَّلوا شرعة رب العالمين.

فيا جنود الخلافة وآساد الإسلام: اعلموا أن رحمة الله وجنته لا تنال بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الثابتين الصابرين الصادقين المصدِّقين بما وعدهم، أما تتلون قول ربكم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

وأصل الشراء بين الخلق كما قال القرطبي، رحمه الله: "هو أن يُعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانيه المُعوَّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومِن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء".

يا جنود الخلافة: ربح البيع وربِّ الأرض والسماء، وإنا لا نقيل ولا نستقيل بإذن الله، فاصدقوا عند اللقاء، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فتلك هي التجارة الرابحة التي خصَّ الله بها عباده المؤمنين البائعين نفوسهم رخيصة في سبيله، لإعلاء كلمته وإقامة شرعه، وإن غاية ما يصبو إليه المجاهد في سبيل الله، هو أن ينال رضى ربه وعفوه وإحسانه وتوفيقه وامتنانه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومقارعة أعدائه في كل ساح وموطن، حتى يكون الدين كله لله، وأن تُحكم الأرض كل الأرض بشرع الله، فإن عاش، عاش كريما و إن مات مات عزيزا، هكذا كان حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة الأخيار من القرون المفضلة، وهذه بشرى نبيكم صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل) [رواه مسلم].

...فإياكم إياكم يا جنود الخلافة أن تلينوا لعدوكم، فهذا لم نعهده عليكم، وهو عين ما تدركه أمم الكفر وعلى رأسها أمريكا، التي ما حفلت -بفضل الله- بنصر مذ أقحمت نفسها في حرب الإسلام والمسلمين، ونحن اليوم -بفضل الله- بتنا في زمان جديد سما وعلا صرح الخلافة فيه، فمهما أزبد الكفر وأرعد فلن يرى منا إلا ما يسوؤه، بحول الله وقوته، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وإن الله ناصرنا عليهم، نعم، إن الله ناصرنا عليهم، وما هذه إلا بارقة الملاحم وأولاها، الغالب فيها من صبر وصدق لا من سبق، وإنما العبرة بالخواتيم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.

لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.

لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

اليه5 خط في حديث ادم ف رحمان احب ان اشكر ويرى خريطتي وعدالتي قال عمر

اليه5 خط
في حديث ادم ف رحمان احب ان اشكر ويرى خريطتي وعدالتي
قال عمر


ولادة ارطغل تركي منذ7 كريمساس بارتي دوما عيد زهور كرز تايوان ربيعي تذروها رياح

ولادة ارطغل تركي منذ7
كريمساس بارتي دوما
عيد زهور كرز تايوان ربيعي تذروها رياح

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على ...

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب


الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد.

ما إنْ نُقلِّبُ صفحاتِ المجد التليد لهذه الأمة حتى نرى أسماء لامعة برزت في فتوحات المسلمين شرقا وغربا، إنْ ذُكر الجهاد ذُكروا وإن طُرِقت عزة المسلمين حضرت فعالهم قبل أسمائهم في الأذهان، أُنيطت بهم تلك الديار التي حُكمت بشرع الله لقرون، ودخل الناس بها في دين الله أفواجا، أولئك كانوا للحروب رجالا، يقودونها ويديرون رحاها بإيمان راسخ، ثم بشجاعة ودهاء.

يصيغون خطّة الحرب، ويذيقون العدو المُرّ والكَرب، أعطاهم الله حسن الرأي والنظر والشورى؛ فالشورى تزيد الخيارات بين يدي القائد المحنّك، وتزيده قوة.

إذْ ليس كل شجاع تتأتّى له القيادة، وليس كل ذي رأي يلين له زمام السيادة، إنما صاحبها من اجتمعت فيه هذه الصفات جميعا، قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأَبِي عُبَيْد الثقفيٍ: "اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، ‌وَالْحَرْبُ ‌لا ‌يُصْلِحُهَا ‌إِلا ‌الرَّجُلُ ‌الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ". [تاريخ الطبري].

وكما قيل:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان
هُوَ أولٌ وهيِ المَحَلُّ الثَّاني

وإن أعظم مَن قاد معركة واستخدم أدواتها على أكمل وجه وأتى بكل أسبابها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيَّد من عِند الله سبحانه وتعالى فوق فطنته وذكائه، فلقد كان عليه الصلاة والسلام شجاعا غير هيّاب، صاحب رأيٍ ونظر، مشاورا لأصحابه، وكان الأكثر مشاورة عليه الصلاة والسلام، ويتضح ذلك جليّا في غزوة بدر، لمّا قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغورت". [سيرة ابن هشام].


• الاستفادة من التضاريس

ومن أساليب حربه عليه الصلاة والسلام الاستفادة من التضاريس الطبيعية لحماية جيشه وأن يختار هو مكان المعركة لا عدوّه، من ذلك ما كان في غزوة أحد، حيث رتّب جيشه حسب ما تقتضيه أرض المعركة، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. [سيرة ابن هشام]

أما في معركة الأحزاب فقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحرب الدفاعي إلى طريقة جديدة لم تألفها العرب، فلما سمع بالأحزاب وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فحفروه في مدة وجيزة، فأعجزت خيل المشركين وانبهروا، ثم كتب الله عليهم الهزيمة، وكفى الله المؤمنين القتال.

هكذا كانت فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنويع التخطيط للمعركة وإدارتها على وجه الخصوص، وكذلك التخطيط العام حيث إنه في سنة ثمان دخل مكة وهو على رأس جيش قوامه عشرة آلاف، يسير بهذا العدد الكبير دون أن يعلم به أحد، فما فجأهم إلا وهو على مشارف مكة، فلم تستطع قريش مواجهته فأذعنوا ودخلوا في الإسلام، وهم الذين جمعوا نفس العدد يوم الأحزاب فشتتهم الله ومزقهم.

ومن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب أنه كان إذا سمع عدوًا يجمع له فإنه يعاجله ويباغته قبل أن يقدم إليه، وهذا في الكثير من السرايا والغزوات؛ وتلك خطة محكمة في تشتيت جموع الكافرين قبل تكثّرها، وإدخال الوهن النفسي وإشعارهم بالاختراق الأمني.

• تعبئة جديدة لجيش المسلمين

وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وترك رجالا دهاة في سياسة الحرب، ذاق أعداؤهم أشد العذاب ورأوا منهم ما يسحر العقول والألباب، من حسن تدبير وحنكة ودراية في الحروب وتجديد في الخطة، ففي اليرموك خرج خالد رضي الله عنه، في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وقسم المهام على جيشه، على الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة "الأنفال" وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.

ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، قال خالد لأبي عبيدة: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أراك الله، أسمع لك وأطع. فقال له خالد: إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها من وراء الميمنة والميسرة، حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا من ورائهم. فقال له: نِعْمَ ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخّر عن القَلْبِ إلى وراءِ الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحيى منه، ورجع إلى القتال. [البداية والنهاية]، ولقد هزم الله الروم في هذه المعركة وكانت أعدادهم أضعاف أعداد المسلمين ولكن بفضل الله وتأييده ثم بحسن التخطيط والتدبير كان النصر للمؤمنين.


• لأرمين ملوك العجم بملوك العرب

ولقد كان المسلمون يَقدُرون لكل حرب قَدرها، ولقد خطط عمر بن الخطاب لمعركة القادسية وهو في المدينة وكان سعد بن أبي وقاص ينقل له الأخبار بدقائق تفاصيلها، وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد عرّف العرفاء، وأمّر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

وقال عمر لسعد: اكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكّن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها، إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. [البداية والنهاية] وكان من خطة سعد ألا يهجم جيشه حتى يكبّر أربع تكبيرات؛ لما في ذلك من القوة والشعور بعظمة تلك الكلمة، ولتكون الحملة حملة رجل واحد، فكان لتلك الخطة أثر قوي في المعركة رغم حرص الفرس على إشغال المسلمين عنها.

وكل ذلك كان لهم بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، فما لشجاع ولا لعاقل توفيقٌ إلا بأمر الله.

وقد أمرنا الله بالتزود من كل ما يقوي شأن الجهاد من أساليب الحرب وعلومها والابتكار فيها، ومع الدُّربة والتجرُبة يتولّد في الأمة القادة المجربين والأبطال الميامين، الذين لا يخلو منهم عصر بحال.

وقد حظيت دولة الإسلام بمخططين وقادة مهَرة فتح الله على أيديهم معسكرات ومدنا ومطارات، من أولئك الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي وأبو عمر الشيشاني تقبلهما الله، وغيرهم من أماجد دولة الإسلام ممن عرفهم الناس وممن لم يعرفونهم.

فهذا الميدان يا بني الإسلام فخذوا من علوم الحرب وخططها، فالحرب مع اليهود والنصارى طويلة والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ولا يموتن أحدكم ولم تغبرّ قدماه في سبيل الله، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على ...

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب


الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد.

ما إنْ نُقلِّبُ صفحاتِ المجد التليد لهذه الأمة حتى نرى أسماء لامعة برزت في فتوحات المسلمين شرقا وغربا، إنْ ذُكر الجهاد ذُكروا وإن طُرِقت عزة المسلمين حضرت فعالهم قبل أسمائهم في الأذهان، أُنيطت بهم تلك الديار التي حُكمت بشرع الله لقرون، ودخل الناس بها في دين الله أفواجا، أولئك كانوا للحروب رجالا، يقودونها ويديرون رحاها بإيمان راسخ، ثم بشجاعة ودهاء.

يصيغون خطّة الحرب، ويذيقون العدو المُرّ والكَرب، أعطاهم الله حسن الرأي والنظر والشورى؛ فالشورى تزيد الخيارات بين يدي القائد المحنّك، وتزيده قوة.

إذْ ليس كل شجاع تتأتّى له القيادة، وليس كل ذي رأي يلين له زمام السيادة، إنما صاحبها من اجتمعت فيه هذه الصفات جميعا، قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأَبِي عُبَيْد الثقفيٍ: "اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، ‌وَالْحَرْبُ ‌لا ‌يُصْلِحُهَا ‌إِلا ‌الرَّجُلُ ‌الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ". [تاريخ الطبري].

وكما قيل:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان
هُوَ أولٌ وهيِ المَحَلُّ الثَّاني

وإن أعظم مَن قاد معركة واستخدم أدواتها على أكمل وجه وأتى بكل أسبابها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيَّد من عِند الله سبحانه وتعالى فوق فطنته وذكائه، فلقد كان عليه الصلاة والسلام شجاعا غير هيّاب، صاحب رأيٍ ونظر، مشاورا لأصحابه، وكان الأكثر مشاورة عليه الصلاة والسلام، ويتضح ذلك جليّا في غزوة بدر، لمّا قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغورت". [سيرة ابن هشام].


• الاستفادة من التضاريس

ومن أساليب حربه عليه الصلاة والسلام الاستفادة من التضاريس الطبيعية لحماية جيشه وأن يختار هو مكان المعركة لا عدوّه، من ذلك ما كان في غزوة أحد، حيث رتّب جيشه حسب ما تقتضيه أرض المعركة، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. [سيرة ابن هشام]

أما في معركة الأحزاب فقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحرب الدفاعي إلى طريقة جديدة لم تألفها العرب، فلما سمع بالأحزاب وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فحفروه في مدة وجيزة، فأعجزت خيل المشركين وانبهروا، ثم كتب الله عليهم الهزيمة، وكفى الله المؤمنين القتال.

هكذا كانت فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنويع التخطيط للمعركة وإدارتها على وجه الخصوص، وكذلك التخطيط العام حيث إنه في سنة ثمان دخل مكة وهو على رأس جيش قوامه عشرة آلاف، يسير بهذا العدد الكبير دون أن يعلم به أحد، فما فجأهم إلا وهو على مشارف مكة، فلم تستطع قريش مواجهته فأذعنوا ودخلوا في الإسلام، وهم الذين جمعوا نفس العدد يوم الأحزاب فشتتهم الله ومزقهم.

ومن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب أنه كان إذا سمع عدوًا يجمع له فإنه يعاجله ويباغته قبل أن يقدم إليه، وهذا في الكثير من السرايا والغزوات؛ وتلك خطة محكمة في تشتيت جموع الكافرين قبل تكثّرها، وإدخال الوهن النفسي وإشعارهم بالاختراق الأمني.

• تعبئة جديدة لجيش المسلمين

وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وترك رجالا دهاة في سياسة الحرب، ذاق أعداؤهم أشد العذاب ورأوا منهم ما يسحر العقول والألباب، من حسن تدبير وحنكة ودراية في الحروب وتجديد في الخطة، ففي اليرموك خرج خالد رضي الله عنه، في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وقسم المهام على جيشه، على الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة "الأنفال" وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.

ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، قال خالد لأبي عبيدة: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أراك الله، أسمع لك وأطع. فقال له خالد: إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها من وراء الميمنة والميسرة، حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا من ورائهم. فقال له: نِعْمَ ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخّر عن القَلْبِ إلى وراءِ الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحيى منه، ورجع إلى القتال. [البداية والنهاية]، ولقد هزم الله الروم في هذه المعركة وكانت أعدادهم أضعاف أعداد المسلمين ولكن بفضل الله وتأييده ثم بحسن التخطيط والتدبير كان النصر للمؤمنين.


• لأرمين ملوك العجم بملوك العرب

ولقد كان المسلمون يَقدُرون لكل حرب قَدرها، ولقد خطط عمر بن الخطاب لمعركة القادسية وهو في المدينة وكان سعد بن أبي وقاص ينقل له الأخبار بدقائق تفاصيلها، وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد عرّف العرفاء، وأمّر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

وقال عمر لسعد: اكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكّن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها، إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. [البداية والنهاية] وكان من خطة سعد ألا يهجم جيشه حتى يكبّر أربع تكبيرات؛ لما في ذلك من القوة والشعور بعظمة تلك الكلمة، ولتكون الحملة حملة رجل واحد، فكان لتلك الخطة أثر قوي في المعركة رغم حرص الفرس على إشغال المسلمين عنها.

وكل ذلك كان لهم بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، فما لشجاع ولا لعاقل توفيقٌ إلا بأمر الله.

وقد أمرنا الله بالتزود من كل ما يقوي شأن الجهاد من أساليب الحرب وعلومها والابتكار فيها، ومع الدُّربة والتجرُبة يتولّد في الأمة القادة المجربين والأبطال الميامين، الذين لا يخلو منهم عصر بحال.

وقد حظيت دولة الإسلام بمخططين وقادة مهَرة فتح الله على أيديهم معسكرات ومدنا ومطارات، من أولئك الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي وأبو عمر الشيشاني تقبلهما الله، وغيرهم من أماجد دولة الإسلام ممن عرفهم الناس وممن لم يعرفونهم.

فهذا الميدان يا بني الإسلام فخذوا من علوم الحرب وخططها، فالحرب مع اليهود والنصارى طويلة والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ولا يموتن أحدكم ولم تغبرّ قدماه في سبيل الله، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
22 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً