✍قالَ رَسولُ الله ﷺ : ((أُذِن لي أن أُحدِّث عن ملكٍ من ملائكةِ اللهِ، من حملةِ العرشِ : إنَّ ما ...

✍قالَ رَسولُ الله ﷺ :
((أُذِن لي أن أُحدِّث عن ملكٍ من ملائكةِ اللهِ، من حملةِ العرشِ : إنَّ ما بينَ شحمةِ أُذنهِ إلى عاتقِه، مسيرةُ سبعمائةِ عامٍ))
((صحيح أبي داود))(4727)

🔗 اضغط هنا للمتابعة:👇 https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25 ...المزيد

✍قال ابنُ القَيِّمِ: ((قد أثنى اللهُ سُبحانَه على عَبدِه جِبريلَ في القُرآنِ أحسَنَ الثَّناءِ، ...

✍قال ابنُ القَيِّمِ:
((قد أثنى اللهُ سُبحانَه على عَبدِه جِبريلَ في القُرآنِ أحسَنَ الثَّناءِ، ووَصَفه بأجمَلِ الصِّفاتِ... فوصَفَه بأنَّه رسولُه، وأنَّه كريمٌ عِنده، وأنَّه ذو قُوَّةٍ ومكانةٍ عند رَبِّه سُبحانَه، وأنَّه مُطاعٌ في السَّمَواتِ، وأنَّه أمينٌ على الوَحيِ))
((إغاثة اللهفان))(2/844)

🔗 اضغط هنا للمتابعة:👇 https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25
...المزيد

📜 【عام وعالم مضطرم】٥٢٨ عام إفرنجي منصرم عنوانه الأبرز الفشل الدولي في الحرب على الجهاد الذي ...

📜 【عام وعالم مضطرم】٥٢٨

عام إفرنجي منصرم عنوانه الأبرز الفشل الدولي في الحرب على الجهاد الذي تقوده الدولة الإسلامية بعزيمة لا تلين منذ نحو عقدين من الزمان، يوم خرجت من رحم المحنة في العراق، مرورا بالشام ومنها إلى أقاصي الأرض، وأعادت رسم خارطة الطريق على منهاج النبوة في وقت ازدهرت فيه مشاريع الضرار.

ويضطرم العالم اليوم بحروب وصراعات متلاحقة، أنتجت اصطفافات وتحالفات متقلبة، وولّدت حالة من انعدام الاستقرار واضطراب التوازنات وغياب الثقة بين "الشركاء الدوليين" الذين تحالفوا طويلا ضد الإسلام وتجاوزوا خلافاتهم لأجل محاربته، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على تجاوزها فضلا عن ضبط مسارها كما كان الوضع عليه في السابق، بل دبت الخلافات بين صفوفهم واشتعلت الحروب بين معسكراتهم، متجاوزةً كل الحدود التي رسموها لضبط إيقاع النزاعات فيما بينهم، لكن يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، وتفسير ذلك الواقع نجده عند الحكيم الخبير خالق الكون ومدبّر أمره القائل سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، ومكره تعالى تدبيره لأوليائه واستدراجه لأعدائه، ومن ذلك: إيقاع العداوة بينهم مصداقا لوعيده بهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
ويشاء المولى سبحانه بفضله وتدبيره، أن يختتم الصليبيون عامهم بإخفاقات ميدانية جديدة في حربهم على المجاهدين، ويُقتل جنودهم ورعاياهم وحلفاؤهم في تدمر وأستراليا وتركيا العلمانية، ويؤسرون في بقاع أخرى من العالم خاضعة لحكم الشريعة المحمدية، نصرة للأسرى والأسيرات.

وكان من معالم هذا الإخفاق الصليبي، اضطرار أمريكا تصعيد حملاتها الجوية -عالية التكلفة- لقصف الدولة الإسلامية؛ في خطوة تأتي بمثابة اعتراف ضمني بفشلها وكذب انتصارها، فعادت اليوم ترقّع فشلها بـ "عين الوهم" في بادية الشام في ضربات استعراضية لتوريط قدم "الضبع" أكثر فأكثر في وحل الخيانة، مرورا بغاراتها الخائرة في جبال "عيل مسكاد" الشامخة خلال حملة تخطّت عامها الأول بخسائر أعوام مجتمعة في صفوف أوليائها، وليس انتهاء بغاراتها الخائبة على تخوم الساحل الإفريقي، حيث غارت صواريخهم ومعها دولاراتهم بين رماله الصفراء التي غرق حلفاؤهم فيها من قبل.
ولم يكن أتباع وأذناب أمريكا الصليبية من الحكومات والجيوش المرتدة أفضل حالا من أسيادهم خلال هذا العام، ونأخذ عينة صغيرة لأشقاهم وأخسهم؛ النظام السوري المرتد حيث لم تتوقف ضربات المجاهدين ضد قواته في المدن وأطرافها، حتى بدا أنه بحاجة إلى تجنيد سوريا بأسرها في حربه على الإرهاب حماية للمصالح الأمريكية واليهودية، ولكن هيهات فالشام خلاف ما يظنون ويمكرون.

وعند النظر إلى خارطة الصراعات والتوترات العالمية، فإنها مرشحة للمزيد من الاشتعال والتعقيد في ظل تصاعد الصراع الصيني الأمريكي، والصراع الروسي الغربي، والصراع اليهودي الإيراني، والتوغل اليهودي العسكري والسياسي خارج فلسطين، وتخلّي أوروبا عن "دبلوماسيتها" وجنوحها مرغمة نحو العسكرة، والقطيعة الغربية الإفريقية، مقابل توطيد العلاقات مع روسيا، وزيادة التوترات في القرن الإفريقي وجنوب اليمن، ولا ننسى ساحة العراق التي تغرق في أزمات مزمنة لم تنفجر بعد!، وأينما قلّبتَ ناظريك في العالم، وجدته متأرجحا بين حروب خلت وحروب أتت؛ كلها لا تخرج عن "سُنة التدافع" التي تكون بين معسكري الحق والباطل، وتكون بين معسكرات الباطل فيما بينها.

وأيًّا كان شكل العالم واضطرامه في قابل الأيام، فإنه لن يخرج عن حدود تدبير الله تعالى ومكره لعباده المؤمنين ومكره بأعدائه الكافرين، لكن هذا ليس مدعاة للركون والاصطفاف على قارعة القاعدين والمتفرجين، بل هي دعوة عامة -لكل مسلم- للانخراط المباشر في إذكاء جذوة هذه المعركة المباركة -معركة التوحيد- ضد ملل الكفر قاطبة وفي مقدمتهم النصارى واليهود، وهي دعوة لتجديد العزائم وإحياء الهمم لإشعال الجهاد في كل بقعة من بقاع الأرض تصلها أقدام الموحدين جنودا ومناصرين، أنصارا ومهاجرين.

وهي فرصة ثمينة للاستفادة من هذه الفوضى المتصاعدة في أرجاء هذا العالم المضطرم لتأديبه وتعبيده لخالقه، فالمعركة برمتها معركة إسلام وكفر وتزداد احتداما وتمايزا يوما بعد يوم، ألا فلتجعلوا -أيها المجاهدون- في كل بيت للنصارى واليهود والرافضة مأتما، وفي كل شارع مجزرة! وعند كل قارعة مذبحة! فشدّوا عليهم -أيها الموحدون- فالوقت وقت الملحمة، وتسربلوا الموت واطلبوه في مظانه، فإنه أقصر الطرق إلى الحياة؛ حياة العز أو حياة الآخرة.


ثم هذه دعوة لخلايا الجهاد في كل مكان، كل من يدين للدولة الإسلامية بالولاء وتجمعه بها رابطة السماء، ليستعلِ كل مجاهد منكم بإيمانه ولا يستأسر لعدوه، فسجونهم مقابر مظلمة يقدمونكم فيها قرابين عبودية لأمريكا الصليبية، ولتحرص كل خلايا الدولة الإسلامية أينما كانت، على قلب الطاولة على العدو وإفساد مخططاته وإفشال حملاته، وإياكم أن تكونوا لقمة سهلة لجيوشه وقواته، وليكن شعار كل واحد منكم: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وليضع كل مجاهد نصب عينيه أنه المقاتل الأخير عن بيضة الإسلام، فليقدّم أفضل ما عنده وليبذل أغلى ما يملك فداء لدين الله ونصرة لشريعته وإعذارا إلى مولاه، فبهذا ينتصر الإسلام ويعز جنابه، وبهذا ساد وعزّ أبطاله السابقون، حتى غدا أحدهم ينبض عزةً واستعلاءً بالإيمان، يصدح بهذه الكلمات في وجه ملوك الأرض: "كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ: "نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا؛ أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ" [البخاري]، هذه هي نفسية المجاهد الذي نريد، وتلك هي قواعد الحرب الوحيدة التي نؤمن بها، رُفعت الأقلام وجفت الصحف.


الخميس 12 رجب 1447هـ
...المزيد

مقتطفات نفيسة / فما هي إلا ميتة واحدة! • فما هي إلا ميتة واحدة! يا جندي الخلافة، تأمل ...

مقتطفات نفيسة / فما هي إلا ميتة واحدة!



• فما هي إلا ميتة واحدة!

يا جندي الخلافة، تأمل واعتبر بما يجري حولك من أحداث وتفكر، ثم انظر، فما هي -والله- إلا ميتة واحدة وقتلة واحدة، فكن عزيزا بدينك مستمسكا بإيمانك، عسى أن تلقى مولاك وهو راض عنك وأنت مقبل غير مدبر، واحذر يا جندي الخلافة، احذر مجالس الفتن واجتنبها، والزم وصية نبيك -صلى الله عليه وسلم- حين قال: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني) [متفق عليه].


مقتطفات نفيسة (60)
من كلام الشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 528
السنة السابعة عشرة - الخميس 12 رجب 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

الجنة تحت ظلال السيوف عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه ...

الجنة تحت ظلال السيوف



عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

«يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف». [رواه مسلم]




صحيفة النبأ – العدد 528
السنة السابعة عشرة - الخميس 12 رجب 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

صحيفة النبأ (528) - مقال: عام وعالم مضطرم • عام وعالم مضطرم عام إفرنجي منصرم عنوانه ...

صحيفة النبأ (528) - مقال: عام وعالم مضطرم


• عام وعالم مضطرم


عام إفرنجي منصرم عنوانه الأبرز الفشل الدولي في الحرب على الجهاد الذي تقوده الدولة الإسلامية بعزيمة لا تلين منذ نحو عقدين من الزمان، يوم خرجت من رحم المحنة في العراق، مرورا بالشام ومنها إلى أقاصي الأرض، وأعادت رسم خارطة الطريق على منهاج النبوة في وقت ازدهرت فيه مشاريع الضرار.

ويضطرم العالم اليوم بحروب وصراعات متلاحقة، أنتجت اصطفافات وتحالفات متقلبة، وولّدت حالة من انعدام الاستقرار واضطراب التوازنات وغياب الثقة بين "الشركاء الدوليين" الذين تحالفوا طويلا ضد الإسلام وتجاوزوا خلافاتهم لأجل محاربته، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على تجاوزها فضلا عن ضبط مسارها كما كان الوضع عليه في السابق، بل دبت الخلافات بين صفوفهم واشتعلت الحروب بين معسكراتهم، متجاوزةً كل الحدود التي رسموها لضبط إيقاع النزاعات فيما بينهم، لكن يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، وتفسير ذلك الواقع نجده عند الحكيم الخبير خالق الكون ومدبّر أمره القائل سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، ومكره تعالى تدبيره لأوليائه واستدراجه لأعدائه، ومن ذلك: إيقاع العداوة بينهم مصداقا لوعيده بهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.

ويشاء المولى سبحانه بفضله وتدبيره، أن يختتم الصليبيون عامهم بإخفاقات ميدانية جديدة في حربهم على المجاهدين، ويُقتل جنودهم ورعاياهم وحلفاؤهم في تدمر وأستراليا وتركيا العلمانية، ويؤسرون في بقاع أخرى من العالم خاضعة لحكم الشريعة المحمدية، نصرة للأسرى والأسيرات.

وكان من معالم هذا الإخفاق الصليبي، اضطرار أمريكا تصعيد حملاتها الجوية -عالية التكلفة- لقصف الدولة الإسلامية؛ في خطوة تأتي بمثابة اعتراف ضمني بفشلها وكذب انتصارها، فعادت اليوم ترقّع فشلها بـ "عين الوهم" في بادية الشام في ضربات استعراضية لتوريط قدم "الضبع" أكثر فأكثر في وحل الخيانة، مرورا بغاراتها الخائرة في جبال "عيل مسكاد" الشامخة خلال حملة تخطّت عامها الأول بخسائر أعوام مجتمعة في صفوف أوليائها، وليس انتهاء بغاراتها الخائبة على تخوم الساحل الإفريقي، حيث غارت صواريخهم ومعها دولاراتهم بين رماله الصفراء التي غرق حلفاؤهم فيها من قبل.

ولم يكن أتباع وأذناب أمريكا الصليبية من الحكومات والجيوش المرتدة أفضل حالا من أسيادهم خلال هذا العام، ونأخذ عينة صغيرة لأشقاهم وأخسهم؛ النظام السوري المرتد حيث لم تتوقف ضربات المجاهدين ضد قواته في المدن وأطرافها، حتى بدا أنه بحاجة إلى تجنيد سوريا بأسرها في حربه على الإرهاب حماية للمصالح الأمريكية واليهودية، ولكن هيهات فالشام خلاف ما يظنون ويمكرون.

وعند النظر إلى خارطة الصراعات والتوترات العالمية، فإنها مرشحة للمزيد من الاشتعال والتعقيد في ظل تصاعد الصراع الصيني الأمريكي، والصراع الروسي الغربي، والصراع اليهودي الإيراني، والتوغل اليهودي العسكري والسياسي خارج فلسطين، وتخلّي أوروبا عن "دبلوماسيتها" وجنوحها مرغمة نحو العسكرة، والقطيعة الغربية الإفريقية، مقابل توطيد العلاقات مع روسيا، وزيادة التوترات في القرن الإفريقي وجنوب اليمن، ولا ننسى ساحة العراق التي تغرق في أزمات مزمنة لم تنفجر بعد!، وأينما قلّبتَ ناظريك في العالم، وجدته متأرجحا بين حروب خلت وحروب أتت؛ كلها لا تخرج عن "سُنة التدافع" التي تكون بين معسكري الحق والباطل، وتكون بين معسكرات الباطل فيما بينها.

وأيًّا كان شكل العالم واضطرامه في قابل الأيام، فإنه لن يخرج عن حدود تدبير الله تعالى ومكره لعباده المؤمنين ومكره بأعدائه الكافرين، لكن هذا ليس مدعاة للركون والاصطفاف على قارعة القاعدين والمتفرجين، بل هي دعوة عامة -لكل مسلم- للانخراط المباشر في إذكاء جذوة هذه المعركة المباركة -معركة التوحيد- ضد ملل الكفر قاطبة وفي مقدمتهم النصارى واليهود، وهي دعوة لتجديد العزائم وإحياء الهمم لإشعال الجهاد في كل بقعة من بقاع الأرض تصلها أقدام الموحدين جنودا ومناصرين، أنصارا ومهاجرين.

وهي فرصة ثمينة للاستفادة من هذه الفوضى المتصاعدة في أرجاء هذا العالم المضطرم لتأديبه وتعبيده لخالقه، فالمعركة برمتها معركة إسلام وكفر وتزداد احتداما وتمايزا يوما بعد يوم، ألا فلتجعلوا -أيها المجاهدون- في كل بيت للنصارى واليهود والرافضة مأتما، وفي كل شارع مجزرة! وعند كل قارعة مذبحة! فشدّوا عليهم -أيها الموحدون- فالوقت وقت الملحمة، وتسربلوا الموت واطلبوه في مظانه، فإنه أقصر الطرق إلى الحياة؛ حياة العز أو حياة الآخرة.

ثم هذه دعوة لخلايا الجهاد في كل مكان، كل من يدين للدولة الإسلامية بالولاء وتجمعه بها رابطة السماء، ليستعلِ كل مجاهد منكم بإيمانه ولا يستأسر لعدوه، فسجونهم مقابر مظلمة يقدمونكم فيها قرابين عبودية لأمريكا الصليبية، ولتحرص كل خلايا الدولة الإسلامية أينما كانت، على قلب الطاولة على العدو وإفساد مخططاته وإفشال حملاته، وإياكم أن تكونوا لقمة سهلة لجيوشه وقواته، وليكن شعار كل واحد منكم: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وليضع كل مجاهد نصب عينيه أنه المقاتل الأخير عن بيضة الإسلام، فليقدّم أفضل ما عنده وليبذل أغلى ما يملك فداء لدين الله ونصرة لشريعته وإعذارا إلى مولاه، فبهذا ينتصر الإسلام ويعز جنابه، وبهذا ساد وعزّ أبطاله السابقون، حتى غدا أحدهم ينبض عزةً واستعلاءً بالإيمان، يصدح بهذه الكلمات في وجه ملوك الأرض: "كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ: "نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا؛ أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ" [البخاري]، هذه هي نفسية المجاهد الذي نريد، وتلك هي قواعد الحرب الوحيدة التي نؤمن بها، رُفعت الأقلام وجفت الصحف.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 528
السنة السابعة عشرة - الخميس 12 رجب 1447 هـ
...المزيد

مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" للشيخ المجاهد أبي محمد ...

مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"



مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"
للشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


"فاستعينوا بالله وحده، وتوكلوا عليه وحده، وأخلصوا لله نياتكم، فإنه لا عملَ بغير نية، واحتسبوا فإنه لا أجر بغير حُسبة، وأكثروا من الدعاء فإنه هديُ الأنبياء، وإياكم والعُجب فإنه لا يجتمعُ مع التوكل في قلب، واجتنبوا المعاصي، ولا تصطحبوا عاصي، فمن ارتكبها سراً فليتُب، ومن كان مصراً أو مجاهراً فلا يُصحب، وأطيعوا أمراءكم تُنصروا، وإياكم والاجتهاد فإنه من آفاتِ الجهاد، واحذروا كل الحذر من التنازع والاختلاف، وكونوا على قلب رجلٍ واحدٍ في التعاون والائتلاف، وأصلحوا ذات بينكم واحرصوا على سلامة صدوركم تجاه بعضكم، ولا تكثروا من الضحك فتذهب هيبتكم، وقللوا من المزاح فإن كثرته تُذهبُ المروءة وتُولد الضغائن وتُفسد الودَّ بينكم، ولا تغُلُّوا يسلم لكم جهادكم، واقبلوا عُذر من اعتذر إليكم، وتخلقوا بأحسنِ الأخلاق فإنكم لا تمثلون أنفسكم، واحذروا أن تُكادوا كما تكيدون، ولا تتكبروا على عدوكم فتحقروه، فإن من حقر عدوه تهاون بأمره، ومن تهاون بأمرِ عدوه قلَّ احتراسه، ومن قلَّ احتراسه سَهُل افتراسه.

ولا تصدنكم عن جهادكم كثرةُ عَددٍ ولا عُدد، فإن قوة الإيمان يتلاشى في جنبها كلُّ عَدد، فجموعهم المعسكرة مُكسَّرة، وعزَماتُهمُ المؤنثةُ مُصغَّرة، وإن كانت ذواتهم مذكرةٌ مكبرة، وقد وعدَ الله ناصره بالنصرِ والتثبيت، والعدوَّ بالتعس والتشتيت، ولا ترتدوا على أدباركم لضعفٍ من بعض أفرادكم، فإن المرء لو جاهد لله وحده لصدقَ وعده وأعز جنده، فلا تنكسرنَّ قلوبكم لقلة عدد، ولا تجبُنوا لضعفِ مدد، بل ليقاتل أحدكم ولو وحده، منتظرًا بالنصرِ وعده، فقد قال تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة- 249]

ولا تقدموا الشهادة على النصر، لا تقدموا الشهادة على النصر، فاللهَ اللهَ عباد الله، خلِّصوا أنفسكم وأعراضكم من أيدي الكفار، واغسلوا ملابس مروءتكم من العار، فابذلوا في سبيل الله النفس والمال، وثوروا، فما كذبنا.. فالآن الآن جاءَ القتال، فعاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، وطيبوا عن أنفسكم نفسًا، وامشوا إلى الموتِ مشياً، فإن لكلِّ امرئٍ منكم مِيتةٌ هو ميتٌ بها، وما من ميتةٍ والله بأفضل من الشهادة فاغتنموها، فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها.

ودَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش، جيش مؤتة، وحضر الناس يودعون الأمراء، فبكى عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فقالوا: ما يبكيك؟! فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابةٌ بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 71] فلستُ أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفعَ عنكم، وردَّكُم إلينا صَالحين غانمين.

فقال عبد الله بن رواحة: لا والله
لكنّني أسألُ الرحمن مغفرةً
وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا
أو طعنةً بيدي حران مجهزة
بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقالَ إذا مروا على جدثي
يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

وتحرك الجيشُ الذي قوامه ثلاثة آلافٍ حتى نزلوا معانَ من أرضِ الشام، فجاءهم الخبرُ بأن هرقل نازلٌ بمآبَ من أرض البلقان في مئةِ ألفٍ من الروم، وانضم إليه مئةُ ألفٍ من قبائل العرب، فحار المسلمون وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم وينظرون ويتشاورون، فمنهم من قال نرجع، ومنهم من قال نمضي، ثم قالوا: نكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبرهُ بعددِ عدوِّنا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا فنمضي لأمره، فقام عبد الله بن رواحة يحرضُ الناس فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدينِ الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهورٌ وإما شهادة، فقال الناس: قد واللهِ صدقَ ابنُ رواحة.

وفي ذلك الموقف يقولُ ابن رواحة:
جلبنا الخيلَ من أجأٍ وفرعٍ
تُغرُّ من الحشيش لها العكومُ
حذوناها من الصُّوان سبتاً
أزلَّ كأنَّ صفحته أديمُ
أقامت ليلتين على معانٍ
فأعقبَ بعد فترتها جمومُ
فَرُحنا والجياد مسوّماتٍ
تنفس من مناخرها السَّمومُ
فلا وأبي مآبَ لنَأتِيَنْها
وإن كانت بها عربٌ ورومُ
فعبَّأنا أعِنَّتَها فجاءت
عوابِسَ والغبارُ لها بَريمُ
بِذي لَجَبٍ كأنّ البِيضَ فيه
إذا برزت قوانِسُها النجومُ
فراضيةُ المعيشةِ طلَّقَتْها
أسنّتُنا فتَنكِحُ أو تَئِيمُ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدتُ مؤتة، فلما دنا منا المشركون رأينا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به من العدة والسلاح والكِراعِ والديباج والحرير والذهب، فبرَقَ بصري، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة، قلت: نعم، قال: إنك لم تشهد بدراً معنا.. إِنَّا لم نُنصر بالكثرة، ثم التقى الناسُ واقتتلوا، فقاتل زيدُ بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاطَ في رِماحِ القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فقاتل بها، حتى إذا ألحمَهُ القِتالُ اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها ثم قاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول:
يا حبّذا الجنةُ واقترابها
طيبة وبارداً شرابها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابُها

وروى ابنُ هشام أن جعفر بن أبي طالبٍ أخذ اللواءَ بيمينه فقُطعت، فأخذهُ بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطيرُ بهما حيث شاء، فلما قُتل جعفر أخذَ عبدُ الله بن رواحةَ الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزلُ نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه
مطاوعةً أو فلتكرهنّه
إن أجلبَ الناسُ وشدوا الرنّة
مالي أراكِ تكرهين الجنة
قد طالَ ما قد كنت مطمئنة
هل أنت إلا نطفة في شنّة
وقال أيضا:
يا نفسُ إن لا تقتلي تموتي
هذا حياض الموتِ قد صليتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ
إن تفعلي فعلهما هديتِ
وإن تأخرتِ فقد شقيتِ

ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عمٍ له بعظمٍ من لحمٍ فقال: شُد بها صُلبكَ فقد لقيتك أيامك هذه ما لقيت، فأخذهُ من يدهِ فانتهسَ منه نهسة، ثم سمِع الحطمة في ناحيةِ الناس فقال مخاطباً نفسه: أنتِ في الدنيا، ثم ألقاه بيده وأخذ سيفهُ فتقدم فقاتلَ حتى قُتل.

وإنا كذلك نقول: قد جاءكم ما قد تمنيتم، فإن تفعلوا فعلهم فقد هديتم، وإن تتأخروا فقد شقيتم، فقوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وعليكم بتقوى اللهِ والجدِّ والحزمِ والصبر، وإنا والله لنعلم أنكم لعلى حق، وإن عدوكم لعلى باطل، فلا يغلب باطلهم حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم.

والله لا يقتلُ أحدٌ منكم أحداً منهم إلا أدخل الله القاتِلَ جنات عدن، وأدخل المقتول ناراً تلظى خالداً فيها أبداً، ولا يقتلون أحداً منكم إلا أدخله الله الجنة إن شاء الله".


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: حصائد ألسنتهم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...

مقال: حصائد ألسنتهم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد.

فكما أن حسن الكلام يُعلي قائله أعلى عليين فكذلك سوءُ الكلام وفحشُه يَحطُّ المرءَ أسفل سافلين، ولعل كلمة لفظها العبد فكان من المنافقين، ولعل كلمة جعلته من أصحاب الجحيم، تلك حقيقة قد خفيت على كثير من الناس، حتى على معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يُكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟) [الترمذي]. فحصائد الألسن تودي بأقوام فيسحبون إلى النار على وجوههم ومناخرهم، أي يدخلون النار مهانين، فإن أنف الإنسان رمز كرامته واجتراره عليه أشد طرق المهانة، فمِمَّ ذاك ولِمَ هذا؟! إنه بسبب اللسان، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

قال ابن الجوزي رحمه الله: "وقال لقمان الحكيم لابنه: يا بنيّ، من رحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن يفعل الشر يأثم، ومن لا يملك لسانه يندم.
وأنشدوا:

احفظ لسانك أيها الإنسان
لا يقتلنك إنه ثُعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه
كانت تهاب لقاءه الشجعان

ويقال: إن جميع الأعضاء تبكّر كل يوم للسان، وتقول له: ناشدتك الله تعالى أن تستقيم، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا.

وقال بعض الحكماء: احبس لسانك قبل أن يطول حبسك، وتتلف نفسك، فلا شيء أولى بطول حبس من اللسان ليقصر على الصواب ويسرع إلى الجواب" [بحر الدموع].


• المفلسون يوم القيامة!

ولو أيقن المرء أن كل كلمة ينطقها تُكتب عليه لما تردد في تقييد لسانه، وطوبى لمن حبس لسانه إلا فيما ينفع، فعن عيسى بن عقبة قال: قال عبد الله: والذي لاَ إله إلا هو ما على ظهر الأرض شيء أحق بطول سجن من لسان. [الزهد للإمام أحمد]، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو يجبذ لسانه، فقال له عمر: مه، غفر الله لك، فقال أبو بكر: "إن هذا أوردني الموارد". [الموطأ].

ومُطلق لسانه بالسوء من المفلسين يوم القيامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار) [الترمذي].

فما يعمله المفلس من صلوات وزكوات وأعمال صالحات إنما أجهد نفسه ليأخذ غيره حسناته.


• "لسان الحكيم وراء قلبه"

وإن كان العبد يكره أن يسمع فحش الكلام فإن من سواه يكرهون ذلك أيضا، فلا يكلف المرء غيره ما لا يبذله، ومن أصول المعاملة أن يعامل المرء غيره بما يحب أن يعاملوه به، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يُحب أن يؤتى إليه) [مسلم].

والعاقل يحذر لسانه فلا يقول إلا ما يَحسُن عاقبته، فعن الحسن قال: كانوا يقولون: لسان الحكيم وراء قلبه، فإذا أراد أن يقول رجع إلى قلبه فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك، وإن الجاهل قلبه في طرف لسانه لا يرجع إلى قلبه، ما جرى على لسانه تكلم به، قال أبو الأشهب: كانوا يقولون ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه! [الزهد للإمام أحمد].

ومن لم يتحرَّ الكلمة الطيبة حرم نفسه خيرا عظيما وصدقات عديدة، قال صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة) [متفق عليه]، وإن من عباد الله من يرفعه الله ويكتب عليهم رضوانه؛ لأنهم موفّقين في انتقاء كلامهم خوفا منه سبحانه، وابتغاء مرضاته، فتكون لهم صدقة وأجرا ووقاية من نار جهنم، عن عدي بن حاتم رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق التمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة) [النسائي]

فكيف يبخل المرء على نفسه بالأجور الكثيرة، ويغفل عما أنعم الله عليه من النطق والبيان فيقول ما يفسد عليه دينه ودنياه؟!

• انتقوا كلامكم في هذه المواطن

ومن المواطن التي يجب فيها انتقاء الكلام؛ الدعوة إلى الله تعالى، قال الله عز وجل: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125] جاء في تفسير القرطبي: "فيه مسألة واحدة، هذه الآية نزلت بمكة في وقت الأمر بمهادنة قريش، وأمره أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف ولين دون مخاشنة وتعنيف، وهكذا ينبغي أن يوعظ المسلمون إلى يوم القيامة فهي محكمة في جهة العصاة من الموحدين، ومنسوخة بالقتال في حق الكافرين، وقد قيل: إن من أمكنت معه هذه الأحوال من الكفار ورجي إيمانه بها دون قتال فهي فيه محكمة. والله أعلم" [التفسير].

وليحرص من أراد أن يألف ويؤلف، أن يكون موازنا لما يقول ويصدر عنه من كلمات، وليكن سريع العودة عند الزلل، ومن ابتلى بقسوة أو فظاظة، فإنه يستطيع أن يعوّد نفسه المحاسبة ولين القول وحُسنه؛ ومتى اعتادت النفس شيئا تطبّعت عليه، قال عيسى عليه السلام: (طوبى لمن خزن لسانه ووسعه بيته وبكى من ذكر خطيئته) [الزهد للإمام أحمد].

ومن هذه المواطن ميدان نصرة المجاهدين في الشبكة العنكبوتية، فإن نصرتهم لا تكون إلا بحسن القول والخلق والمعاملة، وصاحب الحق لا يلزمه أن يسب أو يشتم أو يطعن أو يجرح، فذلك دأب الباطل وسمته، وإنما أعلى الله تعالى ذكر المجاهدين بحسن فعالهم وطيب خصالهم وحرصهم وشفقتهم على أمتهم، فليحرص أنصار المجاهدين على انتقاء عباراتهم وكتاباتهم وضبطها على الكتاب والسنة ومنهاج النبوة، فذلك أدعى للتأثير في الآخرين وأسلم وأنفع، وما سوى ذلك يضر ولا ينفع.

ومن إيذاء المؤمن إسماعه ما يكره وخاصة حال بلائه ومصابه، فهو شديد على صاحب البلاء ولربما يزيد سوءُ القول أهلَ البلاء بلاءً وصاحب المصيبة مصيبة.


• لا صبر ولا أجر!

ومن شر الكلام ما سبب إرجافا في الجهاد لما فيه من توهين للهمم وتثبيط للعزائم، وهو من صفات المنافقين، قال تعالى: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47]، والواجب في هذا الموطن الدعوة للثبات وذكر الله ورفع همم المؤمنين، ومن ذلك ما قاله سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم حين استشارهم قبل بدر: "ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون عن يمينك وشمالك وبين يديك وخلفك والذي بعثك بالحق لو سرت بنا برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه، فأشرق وجه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وقال له خيرا ودعا له".

ومن الخذلان أن يُصاب بعض الناس ببلاء عام؛ فتقسوا قلوبهم عن حكمة ذلك، فيتكلم بعضهم بالتضجر ومالا ينفع من الكلام وما يفتّ من عضد قائله وسامعه ويذهب عنه أجر الصبر، وسيذهب ذلك البلاء ولا يبقى إلا أجر الصبر، وإنما حكمة البلاء التضرع وتفقد النفس وذنوبها والتوبة منها، قال تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43].

وعن علقمة الليثي، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله عز وجل، ما يظن أنها تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم القيامة) قال: فكان علقمة يقول: "كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث" [الزهد للإمام أحمد].

اللهم أعنا على أنفسنا واجعل كلامنا قربة وسائر عملنا طاعة، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - مقال: أوهام النصارى في إفريقية في عام 1406 هـ بلغ عدد دعاة النصرانية في بلاد ...

صحيفة النبأ - مقال: أوهام النصارى في إفريقية


في عام 1406 هـ بلغ عدد دعاة النصرانية في بلاد إفريقية أكثر من مئة ألف "مُنَصِّر" كان شعارهم يومها: "إفريقية كلها نصرانية بحلول عام ألفين"، واليوم بعد مرور واحد وعشرين عاما على الميعاد الذي ضربوه لتنصير كل إفريقية؛ وجحيم النصارى هناك لا مثيل له على أيدي أجناد الخلافة وكماتها الأبطال، وسوق الجهاد مستعرة، وضرام الغارات مشتعلة، ورهبانهم ورعاياهم وميليشياتهم بين قتيل وشريد، فأضحى النصارى الكافرون بحال لم يلقوه منذ نحو قرنين أو يزيد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

فكيف كان الحال وكيف تبدّل؟ وأين ذهبت جهود التنصير الكبيرة التي بذلوها، وأين تلك الميزانيات الضخمة التي أنفقوها؟ وأين أحلام المؤتمرات التي عقدوها وأوهام المؤامرات التي حاكوها؟ لقد تحطمت وتبددت حين جدّد المصلحون دعوة التوحيد في حياة المسلمين، وأعلنوا الجهاد في سبيل الله وتعالت صيحاتهم بالتكبير.

وذلك بعد عقود طويلة من الشرك والبدع والانحرافات، وسقوط حكم الشريعة في إفريقية بالغزو الصليبي الفرنسي والبرتغالي والإسباني وغيرها من دول أوروبا الصليبية، وسنيِّ العِجاف والاستضعاف، عمل النصارى الحاقدون خلالها على سلخ المسلمين عن دينهم، كما قال الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}. [البقرة: 217].

وقد اتبع النصارى لتحقيق مآربهم التنصيرية في إفريقية شتى الوسائل الخبيثة من إرساليات وبعثات تنصيرية، وتعددت أساليبهم في ذلك بين القهر والإجبار أو الترغيب والإغراء أو عن طريق التعليم ومدارس الإفساد -التي ما يزال شرها إلى اليوم-، أو تحت غطاء الطب والعلاج حتى بلغ بهم الحال في بعض بلاد إفريقية أنهم لا يبدؤون بالعلاج حتى يركع المرضى ويطلبوا من المسيح أن يشفيَهم!

كما استغلوا الفقر المدقع للناس هناك لصرفهم عن دينهم مقابل فتات الطعام، وكثفوا جهودهم، وبذلوا الأموال وعقدوا المؤتمرات والاجتماعات وكل ذلك كان بهدف تحويل قارة إفريقية إلى قارة نصرانية صرفة!، حتى إن الطاغوت الصليبي "بولس الثاني" قال مؤكدا على ذلك في كلمة ألقاها في "مؤتمر روما" أمام وفد من أساقفة إفريقية: "ستكون لكم كنيسة إفريقية منكم وإليكم، وآن لإفريقية أن تنهض وتقوم بمهمتها الربانية، وعليكم أيها الأساقفة تقع مسؤولية عظيمة، ألا وهي تنصير إفريقية كلها".

وقد تزامنت تلك الحملات التنصيرية مع الحملات العسكرية والغزو الصليبي لبلاد المسلمين مصحوبة بعمليات التجسس تحت ستار الجمعيات والمؤسسات الإغاثية.

وكان من أبرز مساعيهم في تلك الحملات أيضا تفرقة المسلمين وتفكيك وحدتهم على أساس القوميات والعرقيات والحدود الموهومة، يشهد لذلك قول أحد قساوستهم: "إن التنصير عامل مهم في كسر شوكة الوحدة الإسلامية… حتى تستطيع النصرانية أن تتغلغل بين المسلمين".

وحين كانت حملة التنصير في إفريقية على أشُدِّها وما تلاها من نكبات ومآسٍ للمسلمين هناك؛ كان الطواغيت الحاكمون لبلاد المسلمين الأخرى في صمتٍ مطبق، بل في تواطؤٍ في كثير من الأحيان مع الدول الصليبية.

وقد مرّ على أمة الإسلام زمان كان أعظم جهد يبذله الباذلون فيه كتابا في التحذير من خطر التنصير، أو خطبة رنانة تندد بجرائم النصارى، وأحسنهم حالا من سعى يجمع لفقراء المسلمين بعض الصدقات والأموال لمزاحمة النصارى في مشاريعهم.

غير أنه بدأ خيرٌ يدبّ بين المسلمين بعد بزوغ دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في جزيرة العرب، والتي استخلصها من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد كان لهذه الدعوة المباركة الأثر البالغ في نشر التوحيد بين أهالي إفريقية والتصدي لمؤامرات ومكائد النصارى فيها، حيث كثر تدريس الناس العقيدة الصحيحة التي تصون دينهم من التبديل والخرافات والبدع، وتبصّرهم بسبيل العز ودرب النجاة الذي أمرهم الله تعالى باتباعه، كما ساعد في ذلك أيضا اهتمام أهل السنة في إفريقية بالقرآن الكريم وتعلّقهم به، فحيث ما دوّى كتاب الله ونُوديَ بالعمل به فالتوفيق ثَمَّ.

وتلك كانت أرضية خصبة ساهمت بشكل كبير في سرعة التحاق المسلمين في إفريقية بركب الخلافة وإعلان بيعتهم للدولة الإسلامية بفضل الله تعالى، وحينها تبدلت أحوال المسلمين هناك بعد سلوكهم طريق الجهاد، فشنوا حربا شعواء على النصارى تدق رقابهم وتحرق قراهم، وتذيقهم من العذاب ألوانا ومن الرعب أصنافا، فدخلت إفريقية بذلك مرحلة جديدة للتصدي لأطماع النصارى وقتال الجيوش الحامية لهم.

وانتقل المسلمون في إفريقية من الاستضعاف إلى حد اقتحام البلدات والقواعد العسكرية للمرتدين والنصارى وميليشياتهم والتنكيل بهم وتشريد جموعهم، وتُوِّج ذلك بما امتن الله به عليهم من تحكيم شرع الله تعالى فيما مكنهم الله فيه من البلاد، وكلها هالات بشرى لأمة الإسلام لفجر مشرق لاح نوره، وما ذلك إلا بفضل الله تعالى ثم بصبر جنود الخلافة -كما نحسبهم- وأخذهم لأسباب النصر والتمكين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].

كما بيّنت هذه الأحداث دناءة طواغيت العرب والخليج المرتدين الذين ما تحركوا لمآسي المسلمين في إفريقية ولا التفتوا إليهم طيلة حملات التنصير والقتل والتهجير، واليوم يتحركون لنصرة إخوانهم المرتدين والنصارى ضد المجاهدين بدعم الحملات العسكرية وإمداد جيوش التحالف الإفريقي بالآليات والأموال، والتي عادت -بفضل الله وتدبيره- غنائم بأيدي أوليائه المجاهدين؛ لتكون زادا وعُدّة للملاحم القادمة بإذن الله.

وليعلم النصارى الكافرون أن زمان تجبّرهم على المسلمين في إفريقية قد ولّى إلى غير رجعة -إن شاء الله تعالى-، بعد قيام الدولة الإسلامية وانتشار جنودها في مناطق عديدة بأرض إفريقية، وهذا خير عظيم ومرحلة متقدمة من مراحل الصراع بين أمة الإسلام وأمة الصليب، وما جرى في مناطق وبلدات ولايتي غرب ووسط إفريقية يسيرٌ أن ينتقل إلى بلدان أخرى ما زالت ترزح تحت سلطان النصارى واضطهادهم، وما ذلك على الله بعزيز.

وعلى المسلمين في سائر إفريقية أن يأخذوا بالجادة "عقيدة سليمة وجهاد في سبيل الله"، فإنها الموصلة لخير عقبى إن شاء الله، قال تعالى: {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 22 - 23]، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: الغنيمة الباردة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع ...

مقال: الغنيمة الباردة


بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه واتبع هداه إلى يوم الدين، وبعد.

فمن توفيق الله لعبده المؤمن أن يعلم أنه وُجد في هذه الدنيا لطاعة ربّه وعبادته، وأن داره ومستقره في الآخرة، فهمُّه كيف يُزيّن جنته وكيف يُعلي درجته، وكلما مرّ عليه موسم من مواسم الطاعة شمّر، ومِن رحمة الله بعباده المؤمنين أن قدّر لهم مواسم عبادات يتقرّبون فيها إليه سبحانه، ليغتنموا أوقاتها بالأعمال الصالحة وينالوا رضاه.

ومِن هذه المواسم فصل الشتاء فهو بستان العابدين، وربيع المؤمنين، فبه كانوا يستبشرون، ومما يُحزنهم من الدنيا يفارقون، والغنيمة الباردة لأهل الآخرة كما جاء في شرح الأحوذي: "الغنيمة الباردة الصوم في الشتاء؛ لوجود الثواب بلا تعب كثير، وفي الفائق: الغنيمة الباردة هي التي تجيء عفوا من غير أن يصطلي دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال في البلاء، وقيل هي الهيئة الطيبة مأخوذة من العيش البارد... والمعنى أن الصائم يحوز الأجر من غير أن يمسّه حر العطش أو يصيبه ألم الجوع من طول اليوم".


• الشتاء غنيمة العابدين

فمن تيسير الله لعباده أن ليل الشتاء طويل؛ فنومٌ أوله أو بعضه وقيامٌ آخره، فيطول وقت خلوة العابدين بربهم جلّ وعلا، ونهارَه بارد قصير فيسهل الصيام، قال ابن رجب رحمه الله: "إنما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنّه يرتع في بساتين الطاعات ويسرح في ميادين العبادات ويُنْزِّه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: مرحباً بالشتاء؛ تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام، وعن الحسن قال: نعم زمان المؤمن الشتاء ليله طويل يقومه ونهاره قصير يصومه، وعن عبيد بن عمير أنه كان إذا جاء الشتاء قال: يا أهل القرآن طال ليلكم لقراءتكم فاقرؤوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا". وقال ابن رجب: "قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ عند موته، وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر". [لطائف المعارف].

وهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه لما حضرته الوفاة قال أيضا: "اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لظمأ الهواجر وقيام الليل ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء في حلق الذكر"، و"عن محمد بن المنكدر رضي الله عنه أنه لما نزل به الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال ما أبكي حرصا على الدنيا ولا جزعا من الموت ولكن أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وقيام ليالي الشتاء". [العاقبة في ذكر الموت]

فلأجل هذا كانوا يفرحون بالشتاء رحمهم الله، خلافا لأهل الغفلة الذين يقتلون أوقات الشتاء بالسمر ومجالس القيل والقال والنوم الطويل.


• الشتاء ذكرى للمؤمنين

وفي هذا الموسم عظة وذكرى للمؤمن تزيد من خشيته ربه، إنها "الزمهرير" وشدة البرد، الذي هو من عذاب جهنم، وهو كشدة الحر في الصيف، فيدفعه ذلك إلى تذكّر الآخرة وأهوالها، ويحثه على الإكثار من الطاعات، رغبة في الجنة وخوفا من النار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "فإن شدة برد الدنيا يذكر بزمهرير جهنم". [لطائف المعارف]، وهذا حال المؤمنين الذين حيِيَت قلوبهم، فنعيم الدنيا يذكّرهم نعيم الجنة، وعذاب الدنيا يذكّرهم عذاب النار، فهم مشفقون من الآخرة يعيشون بين الخوف والرجاء.

قال الله تعالى عن أهل الجنة: {مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الانسان:١٣]، قال ابن رجب رحمه الله: "فنفى عنهم شدة الحر والبرد". [لطائف المعارف]


• سنن وأدعية في الشتاء

وهناك سنن وأدعية يأخذ بها المؤمن أيام الشتاء، فمنها: "حسر الرأس وبعض الأعضاء" وقت هطول الأمطار، فعن عائشة رضي الله عنها، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المطر، قال: (اللهم صَيِّبًا نافعًا)، وروي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، فقُلنا: لِمَ صنعتَ هذا؟ قال: (إنَّه حديث عهدٍ بربه) [رواه مسلم]، قال الإمام النووي: "معنى (حسر): كشف، أي كشف بعض بدنه، ومعنى (حديث عهد بربه) أي: بتكوين ربه إياه، ومعناه أن المطر رحمة وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها، وفي هذا الحديث دليل لقول أصحابنا: إنه يستحب عند أول المطر أن يكشف غير عورته ليناله المطر واستدلوا بهذا، وفيه أن المفضول إذا رأى من الفاضل شيئاً لا يعرفه أن يسأله عنه ليعلمه فيعمل به ويعلمه غيره". [شرح النووي]

ومنها: إذا طال وقت هطول المطر وخيف من ضرره، يقول كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظِّرَاب وبطون الأودية ومنابت الشجر). [متفق عليه]

ومنها: أن يشكر المؤمن ربَّه على نعمته وينسب الخير له سبحانه، فيقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، لما ورد في حديث زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: (وأمَّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب). [متفق عليه]


• وصايا ولطائف

ومِن حسن التدبير التزود للبرد بما يقي منه، ونخص بذلك المجاهدين وأهلنا الصابرين الثابتين على الحق في مخيمات الأهوال، روى ابن المبارك عن صفوان بن عمرو عن سليم بن عامر قال: "كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصية: إن الشتاء قد حضر، وهو عدو فتأهبوا له أهبته من الصوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصوف شعارا ودثارا؛ فإن البرد عدو سريع دخوله بعيد خروجه". [لطائف المعارف]

ومن المعلوم أن الناس تَعمَد إلى النار فتصطلي بها من برد الشتاء، لذا وردت أحاديث في النهي عن ترك النار مشتعلة عند النوم، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تتركوا النارَ في بيوتكم حين تنامون) [رواه البخاري]، وعن أبي موسى الأشعري قال: احترق بيتٌ بالمدينة على أهله، فحُدِّث بشأنهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن هذه النار إنما هي عدو لكم، فإذا نِمتُم فأطفئوها عنكم). [رواه البخاري]، وبوّب الإمام البخاري على الحديثين: "باب لا تُترك النارُ في البيت عند النوم"، وحكمةُ النهي هي خشيةُ الاحتراق كما قال الحافظ، ثم قال: "قيّده بالنوم لحصول الغفلة به غالباً، ويُستنبط منه أنه متى وُجِدت الغفلة حصل النهي" [فتح الباري]، وقال القرطبي: "في هذه الأحاديثِ أن الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيرُه وفيه نارٌ، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل بها ما يُؤْمَن معه الاحتراق، وكذا إنْ كان في البيت جماعةٌ، فإنّه يتعين على بعضهم، وأَحقُّهم بذلك آخرهم نوماً، فمَن فرّط في ذلك كان للسُّنة مخالفاً، ولأدائها تاركاً" [التفسير]، قال الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم: "وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون) هذا عامٌ تدخل فيه نار السراج وغيرها، وأمَّا القناديل المعلَّقة في المساجد وغيرها فإن خِيفَ حريقٌ بسببها دخلت في الأمر بالإطفاء، وإن أُمِن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لابأس بها؛ لانتفاء العلة". ونحو هذا المدافئ التي يؤمن منها الإحراق، فإن لم يؤمن فيجب إطفاؤها، والله أعلم.

اللهم جازِ المجاهدين ومَن في حكمهم ورثة آل ياسر، عن الإسلام خير الجزاء، اللهم أطعمهم مِن جوعٍ وآمِنهم مِن خوف، اللهم قِهم برد الشتاء وحر الصيف، اللهم أبدل خوفهم أمنا وضعفهم قوة ولمّ شعثهم وارحمهم رحمة تغنيهم بها عن رحمة مَن سواك، إنك نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى- عزم في ...

صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي



أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى-
عزم في الحياة وكرامة بعد الممات

لم تظهر تلك الصور والإصدارات التي رفعت همم المؤمنين وأغاظت الكافرين وزلزلت أروقة الطواغيت؛ إلا وخلفها فرسان أباة حملوا معداتهم وسط المعامع وسوح النزال، بين رهج السنابك وأزيز الرصاص لينقلوا لأمة التوحيد تضحيات وبطولات أبنائها المجاهدين في الميادين، ويحققوا وصف النبي صلى الله عليه وسلم للطائفة المنصورة (على الحق ظاهرين)، فكان الظهور بتلك الأنامل الصادقة، التي رسمت لأمة الإسلام لحظات تاريخية بقيت عالقة في الأذهان والقلوب، أولئك الذين مضوا يحثون الخطى ويشقّون شواهق الجبال ولهيب الصحراء ومستنقعات الغابات، ما حملهم على ذلك هوايةً يهوونها أو مغامرات يبيعونها، إنما حملهم على ذلك إيمانٌ بالله ربهم وجهادٌ في سبيله.

ومِن أولئك الفرسان الذين استعذبوا العسرة والجلد في أرض الصومال، لإخراج ما تبصره الأجيال من صنيع الأبطال، الفارس المتجلّد عمر أحمد محمد (أبو العزم الإعلامي) -تقبله الله-


• حفظ القرآن صبيا

ولد الأخ أبو العزم في منطقة (وبحو) في (جلجدود) وسط الصومال عام 1416 هـ، وأكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم في ريعان طفولته، ثم انتقل إلى تعلّم العلوم الشرعية في حِلَق المساجد ثم الانضمام إلى بعض المعاهد الشرعية في (مقديشو).

دخل النور قلب أبي العزم تقبله الله صغيرا فاستمكن منه، فكان غيورا على دينه، حتى اشتهر بكرهه لعلماء السوء بلاعمة الطواغيت، وكان قوّالا للحق يردّ عليهم في مجالسهم، ثم صار يحذر أصدقائه مِن أخذ العلم عنهم أسوة بسلف الأمة الصالحين، وبعد انتهائه من دراسته الثانوية التحق بإحدى الجامعات الخاصة (بقسم الإعلام)، وتزامن ذلك مع إعلان الخلافة الإسلامية حيث كان -تقبله الله تعالى- متابعا لما يجري في الشام، وما تعرضت له دولة الإسلام من مؤامرات، حينها شعر الأخ تقبله الله بواجبه العيني تجاه إخوانه، فبدأ يبحث عن طريق للهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية القريبة، فحاول بداية اللحاق بولايتي اليمن أو ليبيا، حيث لم تكن حينها ولاية الصومال قد قامت بعد، ولكن شاء الله أن لا تتم تلك المحاولات.

وفي إحدى الليالي سمِعَ من الإذاعات المحلية خبرا كاد يطير به فرحا، وهو إشاعة خبر بيعة (حركة الشباب) وانضمامها للخلافة، فعزم تقبله الله تعالى أن لا يأتي الصباح إلا وقد التحق بأقرب نقطة يكون فيها الإخوة المبايعون، لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة وعرف أنّ المبايعين كانوا ثلّة قليلة من مجاهدي الصومال يقودهم الشيخ عبد القادر مؤمن -حفظه الله- وكان ذلك في بداية عام 1437 هـ، ومِن هنا أدرك تقبله الله تعالى أنّ القلّة هي من الصفات اللازمة لأهل الحق فلم يفتّ ذلك في عزمه بل عهد على نفسه أن يكون من السبّاقين للخير والذين تقام الخلافة على جماجمهم بإذن الله، فبدأ يبحث عن طريق للوصول إلى تلك الثلّة المؤمنة، وقبل أن يجد الأخ طريق الهجرة كان تقبله الله يتواصل مع أصحاب له في صفوف (حركة الشباب) يحرّضهم على اللحاق بجماعة المسلمين وترْك فرقة الفصائل والجماعات، وكان يفنّد الشبه والأباطيل التي روّجها قادة الحركة بشأن الدولة الإسلامية، وقد يسّر الله للأخ أبي العزم إقناع بعض أصدقائه من جنود الحركة لينضموا لاحقًا إلى الدولة الإسلامية، بفضل الله.


• نفر عروسا وطلّق الدنيا!

وفي بداية عام 1438 هـ وجد الأخ أبو العزم طريقة للتواصل مع إخوانه المجاهدين في شرق الصومال، فبايع برفقة أخ له، وبسبب انقطاع الطرق اضطرّ الأخوان للبقاء والتريث ريثما تسنح لهم الفرصة للنفير، ومع ذلك لم يجلسا دون عمل بل قاما ببعض الأعمال التي كُلّفوا بها داخل (مقديشو)، فيسّر الله لهما إنجازها وإتمامها. وما إن أُتيحت الفرصة لأبي العزم للهجرة حتى تحرّك صوب ثغور الشرق، وقد كان يومها عروسا حديث الزواج، فما ماطل أو تباطأ بل ودّع أهله وبدأ يستعد للنفير في سبيل الله. حاول أبو العزم السفر نحو شرق الصومال عبر مطار (مقديشو)، لكن المرتدين في المطار شكّوا في أمره وبدأو يستجوبونه، وأخيرا منعوه من السفر، واضطرّ أن يعود أدراجه حزيناً لانسداد باب الهجرة أمامه، لكنه لم ييأس فبعد فترة حاول مرّة أخرى وأتى المطار فيسّر الله له هذه المرة الخروج، فانطلق حتى وصل إلى (بوصاصو)، وللأسف كان المرتدون في المطار له بالمرصاد، فقاموا باستجوابه لكونه غريبا عن المنطقة؛ فهو من أهل الجنوب، فقدّر الله أن يؤسر ويسجن بسبب شكّهم فيه، فلبث في السجن بضعة أيام ثم خرج والتحق بإخوانه.

• ابتداء بابتلاء

لم يتوقف ابتلاء أبي العزم عند رحلة النفير، بل صاحبه ذلك في بداية التحاقه بالمجاهدين، فما إن وصل مناطق المجاهدين حتى التحق بمعسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني) تقبله الله، وشارك في دوراته الشرعية والعسكرية، وبعد الانتهاء من المعسكر تمّ نقله مع الإخوة إلى إحدى القواطع في الولاية، وفي تلك الأثناء كانت الطائرات المسيّرة الأمريكية تحلّق في الأجواء بكثافة، فمنذ انحياز جنود الخلافة من (قندلا) كان الصليبيون قلقين مِن تصاعد نشاط جنود الخلافة على الشريط الساحلي، لذا عمدوا إلى تركيز المراقبة عن بُعد بواسطة طائراتهم بعد أن عجز وكلاؤهم عن القيام بدورهم، فاضطرّ الصليبيون إلى استخدام طائراتهم لمواجهة المجاهدين وشنّوا عدّة حملات جوية على مقرّاتهم، وفي هذا السياق قدّر الله أن تقصف طائرة بدون طيار موقعاً كان يوجد فيه الإخوة المتخرّجين من معسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني)، فصار كلهم بين قتيل ومصاب -تقبلهم الله جميعا- سوى الأخ أبو العزم الإعلامي، ويومها لم يستطع أبو العزم أن يتمالك نفسه وبكى بكاءً شديداً حسرة أن فاتته الشهادة في سبيل الله مع إخوانه، ولكنّ الله أبقاه لحكمة يعلمها سبحانه، وما زادته تلك المحنة إلا صلابة وإصرارا على درب الجهاد وحرصا على نيل الشهادة -كما نحسبه-.


• مهمّة انغماسية في (قندلا)

لم يثنِ القصف عزيمة أبي العزم وظلّ يتنقل بين الجبهات حتى تم اختياره مع بعض إخوانه لتنفيذ مهمّة خاصة، وهي الانتقام من حكومة (بونتلاند) المرتدة، وذلك عبر تنفيذ عمليات نوعية داخل بلدة (قندلا) وأطرافها، حيث توجد قواعدهم وطرق تنقلاتهم، وقد كان دور أبي العزم حينها هو توثيق تلك العمليات بكاميرته التي كانت لا تفارقه.

انطلق الإخوة متجهين نحو بلدة (قندلا) سيرًا على الأقدام والتي كانت تبعد عنهم قرابة 100 كم، وليست كأي مسافة أخرى، فالمنطقة جبلية وعِرة وتعتبر من أعلى المرتفعات في أرض الصومال، ساروا في طريق شاقّ بلا ماء إلا ما ندر، مع شدّة الحرارة التي كانت في ذروتها، حتى وصلوا أخيرا بفضل الله إلى المكان المحددّ، وكانت تلّة من التلال التي تطلّ على البلدة، فهناك رابطوا أياما وليالي، يراقبون ويرصدون قواعد العدو وتحركاته، وفي إحدى اللّيالي تمكن المجاهدون من زرع عبوة ناسفة على الطريق قرب إحدى تمركزات العدو في البلدة، ليستهدفوا إحدى دوريات العدوّ لكن شاء الله أن تنفجر العبوة بعد مرور الدورية لخلل فني، ومع ذلك دبّ الرعب في قلوب المرتدين، ما اضطرّهم إلى استدعاء إمداداتٍ ومؤازراتٍ وأعلنوا تعقبهم للمجاهدين الذين تسللّوا إليهم ووصلوا عقر سيطراتهم، ولكن المجاهدين ومعهم أبو العزم تمكنوا من الانسحاب سالمين بفضل الله.


• في مواجهة مرتدّي القاعدة

كان لأبي العزم من اسمه نصيب، فهو ذو عزم وشدة على الأعداء، وكان رمزا للإخلاص والوفاء، وفي أيام الحرب ضدّ مرتدي القاعدة، كلفه إخوانه بالعمل في المجال العسكري بدل الإعلام، وذلك لشجاعته وصبره ومعرفته للطرق، فعمل مع القائد (منصور الصومالي) تقبله الله في مهام الاستطلاع والبحث عن آثار العدو، فكان يواصل الليل بالنهار ذهابا وإيابا، متنقلا من مجموعة لأخرى، ومن ثغر إلى آخر رافعا همم إخوانه ومحرضا للقتال والدفاع عن الولاية مِن صيال مرتدّي (حركة الشباب)، وفي إحدى جولات الاستطلاع وجد الأخ أبو العزم برفقة الأخ المدرب (داود الصومالي) تقبلهما الله أثرَ عناصر القاعدة، فما إن تتبعوا أثرهم حتى لحقوا بعشرات المرتدين إبّان وصولهم قرب بئر (ميرالي)، وقد نزلوا تحت الأشجار ليستريحوا من عناء السفر الطويل بهدف الهجوم على مواقع المجاهدين التي لم تكن بعيدة عن المنطقة، لكن بفضل الله ثم بجهد الأخوَين فشلت مخطّطات العدو، ورفعوا خبر وصول المرتدين للأمراء لتبدأ بعد ذلك استعدادات المجاهدين للإغارة عليهم.


• أميرا للإسناد في معركة (ميرالي)

وفي يوم المعركة كان أبو العزم أمير الإسناد يردف إخوانه بالرجال والذخيرة، وفي تلك المعركة أبلى الأخ بلاء حسنا، وكان محرضا لإخوانه على الانغماس في صفوف المرتدين، وقبيل انتهاء المعركة وبعد انكفاء قطعان المرتدين وانهزامهم ومطاردة أسود الخلافة لفلولهم؛ نزل أبو العزم تقبله الله من مقرّ القيادة ليلحق بعض إخوانه في إحدى جبهات المعركة لمساندتهم، وما إن اقترب منهم حتى أصابته رصاصة في صدره ليقع على الأرض جريحا، فأخبر أميره عبر (اللاسلكي) أنه أصيب إصابة طفيفة، لئلا يحزن عليه إخوانه، وظلّ ينزف مضرجاً بدمه دون أن يعرف أحد أين سقط، وبعد انتهاء المعركة وهزيمة مرتدي القاعدة، دخل الليل وحان وقت التحرّك من موقع المعركة والعودة، وأثناء تحرّك مجموعة من الإخوة سمعوا في طريقهم صوتا يناديهم بأسمائهم فوجدوا الأخ وقد نزف نزفا شديدا ومرت ساعات من جرحه، فحملوه، وقد كان يقول ضعوني لا تحملوني، وبعدها بدقائق فاضت روحه إلى بارئها ليودع دار الفناء -شهيدا كما نحسبه- إلى دار البقاء، ملتحقا بمن سبقه من إخوانه.

• كرامة ونور بعد الممات

ومن عجيب ما يُروى أن الإخوة دفنوا أبا العزم تقبله الله في موضع عين ماء ينبع في فصل الشتاء وهم لا يعلمون بذلك، وبعد مرور قرابة عام على مقتله، نزل عند قبره مجموعة من البدو الرحّل، وعندما بدأوا بحفر العين، وجدوا قبر أبي العزم تقبله الله، وهنا كانت المفاجأة، فقد وجدوا أبا العزم تقبله الله في قبره مضرجا بدمه كأنه دُفن حديثا، فاختلفوا في أمره وماذا يفعلون به، ومتى قتل ومن يكون ومن دفنه؟ ثم عرفوا لاحقا أنه أحد جنود الخلافة، فأخرجوه وصلّوا عليه، ثم حفروا له قبرا جديدا بعيدا عن العين، وبعدها اتصلوا بالإخوة يستفسرون عن ذلك الشخص، فأخبرهم الإخوة أن هذا أخ لنا قتل في إحدى المعارك قبل سنة تقريبا، فجعل الله هذه الكرامة سببا لهداية كثير من أهل تلك المنطقة والحمد لله تعالى، فكان موته حياة لغيره من المسلمين، فرحمه الله وتقبله في الصالحين، وجعل درجته في المهديين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
13 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً