11تصوير اطفال يغنون اسماك البحر الازرق اصدقاء صحراء سكان قاع

11تصوير اطفال يغنون
اسماك البحر الازرق اصدقاء صحراء سكان قاع

ستبلغ تعويضات روسيا لاوكرانيا كذا مليون دولار وفق خسائر تم احصاؤها

ستبلغ تعويضات روسيا لاوكرانيا كذا مليون دولار وفق خسائر تم احصاؤها

الشهر الذي يغفل الناس عنه! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله ...

الشهر الذي يغفل الناس عنه!


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

كنتَ وما زلتَ بين الشهور والأيام شامة لأنك لرمضان آية وعلامة، فطوبى لمن حقق فيك الاستقامة، ويا حسرة من حظه منك التفريط والندامة.

إن المواسم والأوقات الفاضلة في حياة المسلمين لها اهتمام خاص، ومن هذه المواسم شهر شعبان وهو شهر يغفل عن فضله الكثيرون وسمي شعبان لأن العرب كانوا يتشعبون فيه للغزو.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام وهذا أولى من الذي قبله وقيل فيه غير ذلك" ا.هـ. [فتح الباري]

وذكر ابن كثير رحمه الله عن السخاوي أنه قال في سبب تسميته "شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات".ا.هـ [التفسير]

ولهذا الشهر فضائل كثيرة ومزايا عديدة منها:

أن الأعمال ترفع فيه، وأن الناس يغفلون عن العبادة فيه وعبادة الله في أوقات الغفلة لها عند الله شأن عظيم، ففي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، قال الإمام النووي رحمه الله: "المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" ا.هـ [شرح مسلم]

والذي يدل على أن الأعمال ترفع في شعبان وأن الناس في غفلة عنه ما رواه أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه أبو داود والنسائي].

ومما يبين فضل هذا الشهر كثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم فيه لحديث أسامة السابق ولحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [متفق عليه].

وفي رواية لمسلم: "كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا". قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء وإنما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه" ا.هـ [شرح مسلم]

ومن فوائد صيام هذا الشهر أن صاحبه يأتيه رمضان وقد تمرن على الصيام واعتاده. قال ابن رجب رحمه الله: "وقد قيل: في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن" ا.هـ [لطائف المعارف]

ومن فضائله أن صوم يوم من شعبان يعدل يومين من غيره ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له -أو لآخر-: (أصمت من سرر شعبان؟) قال: لا، قال: (فإذا أفطرت، فصم يومين). والصحيح أن معنى سرر أي آخر الشهر. غير أنه يحرم تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لمن لم تكن له عادة بالتطوع بل يصومه احتياطا لرمضان؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم)، قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام" ا.هـ [شرح مسلم]

وكذلك يحرم صيام يوم الشك لمن لم يكن له عادة في صيامه فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". [ذكره البخاري تعليقا ووصله غيره وهو حسن].

قال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي رحمه الله: "وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك على معنى الاحتياط للعبادة؛ وذلك لأن العبادة إنما يحتاط لها إذا وجبت، وقبل ألا تجب لا احتياط شرعا، وإنما تكون بدعة ومكروها".ا.هـ [أحكام القرآن]

وقال ابن القيم رحمه الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه". [إعلام الموقعين]

ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الناس الهلال في ليلته، قال الأمير الصنعاني رحمه الله: "واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليله بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه" ا.هـ [سبل السلام]وكذلك يحرم تخصيص عبادة معينة في يوم معين في هذا الشهر كتخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ونهارها بصيام؛ لأن في هذا زيادة في الدين لم يشرعها رب العالمين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} قال ابن كثير رحمه الله: "هذه أكبر نعم الله، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم" ا.هـ [التفسير]

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد)، قال الإمام النووي رحمه الله: "الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات" ا.هـ [شرح مسلم]

وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح بل حديثها موضوع مصنوع.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله: "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها".ا.هـ. [أحكام القرآن]

"قال أهل التعديل والتجريح: وليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح. فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، واستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صح أنه كذب، خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدمة الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله به من سلطان".ا.هـ [الباعث على إنكار البدع والحوادث]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتى عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان" ا.هـ [المجموع]

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها -أي من الأحاديث الموضوعة- أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان". ا.هـ [المنار المنيف]

وخير من هذه البدع والمنكرات كلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

وهذا من فضل الله تعالى وكرمه ورحمته بهذه الأمة أن جعل ذلك في كل ليلة من العام فله الحمد أولا وآخرا. والعجب كل العجب ممن يترك الصحيح الصريح ويبحث عن الضعيف ويعمل بالموضوع والله المستعان.

وأخيرا فمن كان عليه قضاء من رمضان فلا يجوز له تأخيره حتى دخول رمضان الذي يليه من غير عذر فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" [مسلم]. قال الإمام النووي رحمه الله: "وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه" ا.هـ [شرح مسلم]

فطوبى لمن اجتهد في عمله فيما يستقبل من هذه الأيام الفاضلة بما يدخره من دنياه لآخرته والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ...

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية


استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد أصبحت بلدانهم أكوامًا من الركام والجثث، وكان الموت والدمار هو القاسم المشترك الأكبر بينهم، فقرروا أن لا يسمحوا باندلاع هذه الحروب مجددا داخل بلدانهم، فأنشأوا "الهيئات" وأقاموا "الاتحادات" بهدف تجنيب بلدانهم الحروب وتصديرها وجعلها حكرا على بلاد المسلمين، ودعموا لسنوات طويلة "حروبا بالوكالة" وخاضوا في أسوأ الظروف "حروبا باردة"؛ وكل ذلك لتجنّب الصدام الدموي المباشر داخل ديارهم حتى أتاها شبح الحرب يُهدِّدها مِن جديد، وهكذا هم في عداوة دائمة مهما حاولوا أن يوقفوها أو يؤخّروها، ولله الأمر مِن قبل ومِن بعد.

وقد قال الحكيم الخبير سبحانه واصفًا أحوالهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[المائدة:14]؛ قال ابن كثير رحمه الله مفسّرا الآية: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة"، وقال القرطبي رحمه الله: "{فَأَغْرَيْنَا} أي: هيّجنا، وقيل: ألصقنا بهم"، وقال غيرهم من المفسرين: "أي: سلّطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة".

وما يجري اليوم من حرب دموية مباشرة بين الصليبيين الأرثوذكس -روسيا وأوكرانيا-، ما هو إلا مثال على هذه العقوبة المسلّطة عليهم الملتصقة بهم، ولن نخوض تخريصا أو رجما بالغيب حول نتيجة ومجريات الحرب الدائرة حاليا، مِن حيث استمرارها وتوسّعها لتدخل فيها دول صليبية أخرى، أو تتوقف بسيطرة روسيا على أوكرانيا ووضع حكومة موالية لها… أيّا ما كانت النتيجة فإن مما لا شكّ فيه أنّ هناك تبعات كبيرة لهذه الحرب ستغيّر كثيرا من قوانين "السلم والحرب" بين هذه الدول.

علمًا أن الخطوة الروسية بالهجوم على أوكرانيا ليست مفاجئة، وهي ترجمة عملية لحالة التنافس المتصاعد بين أمريكا وروسيا على السيطرة على دول "أوروبا الشرقية" خصوصًا بعد سياسة "الدعم والاحتواء" التي اتبعتها أمريكا تجاه تلك الدول وزادت مؤخرا، وهو ما اعتبرته روسيا "تهديدا كبيرا" يهدف في النهاية إلى "إسقاط نظام الحكم في موسكو واستبداله بنظام صديق لأمريكا".

ميدانيًا، فإن هذه الحرب "الروسية - الأوكرانية" طالت أو قصرت ما هي إلا بداية وتوطئة لـ"الحروب الصليبية - الصليبية" المقبلة، وما صور الدمار والموت الذي أصاب الطرفين إلا مشهد صغير جدا لما ستكون عليه الأوضاع عند اندلاع الحروب الكبرى بينهم، وما نراه اليوم في أوكرانيا الصليبية سيمتد إلى عواصم صليبية أبعد وأعمق -بإذن الله- حاولت لسنوات أن تنجو من ذلك، ولكن هيهات.

شرعيًا، فإن ما جرى وسيجري بين الصليبيين؛ إلى جانب أنه عقاب مسلّط عليهم لكفرهم بالله تعالى؛ فإنّه أيضا "سنة كونية" لا تستطيع كل قوى الكفر أن توقفها ولو اجتمعت، ألا وهي "سنة التدافع" والتي تكون بين الحق والباطل، وتكون أيضا بين الباطل والباطل، حيث يتصارع الكافرون على الدنيا وحطامها وبسط سيطرتهم عليها، وهو تدافع خاص يتفرع عن سنة التدافع العام لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، ويعبّر عن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن زيد رحمه الله: "أي: نسلّط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله" [تفسير القرطبي].

ولقد رأينا مِن أحوال الناس بُعدا كبيرا عن ميزان الولاء والبراء، فيما يتعلق بموقفهم من هذه الحرب، فبعضهم يؤيّد أوكرانيا الصليبية ضد ما أسموه "الاحتلال الروسي!" وبعضهم يؤيّد روسيا الصليبية باعتبارها حليفًا لـ"محوره المقاوم!" وعدوا لأمريكا! وآخرين ينتظرون وضوح نتيجة المعركة ليحسم موقفه من الانحياز إلى أحد الفريقين الصليبيين!

وكان مِن غير المستغرب انخراط ميليشيات الردة الشيشانية في القتال إلى جانب روسيا الصليبية ووصف البلاعمة لهم بـ"المجاهدين!"، ومثاله انخراط ميليشيات الكفر من دول أوروبا الصليبية للقتال إلى جانب أوكرانيا، بل إن هذا الاصطفاف خلف ما يسمّونه "المحور الأمريكي والروسي" سيزداد حدة وتصاعدا في السنوات القادمة، وستكشف هذه الحرب والحروب التي تليها أنه في كل بلد "قاديروف" مرتد يقاتل على منهاج بوتين! تماما كما كشفت حروبٌ خلت أنّ في كل بلد "كرزاي" مرتد يقاتل على منهاج بوش!

على الهامش، ها هم الصليبيون يأكلون صنم "ديمقراطيتهم" ويطحنونه بألسنتهم في سبيل مصالحهم، في حين ما يزال مرتدةُ الأعراب تطوف بذلك الصنم! وتنادي بحمايته وإدامة التضرع إليه والتوسل به! في إصرار عجيب على الحنث العظيم.ومما ينبغي التحذير منه في مثل هذه الأوقات، تصاعد نشاط الدجاجلة الصغار ووسائل إعلامهم في تهوين الكفر للناس، كما رأينا من دعوتهم للمسلمين القاطنين في روسيا وأوكرانيا للالتحاق والمشاركة في هذه الحرب قتالا في سبيل الطاغوت!

ونود أن نشير هنا إلى لفتة مهمة، وهي أنه مهما تعقّد المشهد وتصاعدت الأحداث وتداخلت المواقف، فإن شيئا لن يُغيّر حقيقة أن الله تعالى إلهٌ واحدٌ لا شريك له وأن العبودية حقٌ له وحده، وأن الحق حقٌ والباطل باطلٌ، وأن الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ، وأن على المسلمين أنْ يختاروا الانحياز والتبعية المطلقة لدين الله تعالى وحده، والولاء للمؤمنين فقط والبراءة من الكافرين كافة بغض النظر عن محاورهم القديمة أو الجديدة، وأن تعليق الآمال هو فقط على الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله تعالى المشركين كافة، والتي كانت كل هذه الأحلاف قبل بضع سنوات تقاتلها كتفا إلى كتف في حلف صليبي عالمي انقسم على نفسه أو يوشك بإذن الله تعالى.

كما ينبغي على المسلم أن يُغلّب جانب الاعتبار وهو يرى مشاهد الحرب والدمار الذي ما يزال في بدايته، وأن يتذكر أن هذه الدنيا كلها إلى خراب وزوال، وأن أهوال الحروب مهما عظمت فإنها لا تقارن بأهوال يوم القيامة، يوم تزلزل الأرض والقلوب وتُدك الجبال وتتطاير الصحف، ويكون دعاء الأنبياء: "اللهم سلِّم سلِّم!"، فيسارع المسلم إلى التوبة والأوبة والالتحاق بمركب النجاة قبل أن يُقال: لا عاصم!

وعودا على ذي بدء، فإن الحروب "الصليبية - الصليبية" ما زالت في بدايتها، فاللهم أدِم حروبهم وخالف بين قلوبهم، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق، وانصرنا عليهم أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم ...

مقال: كواسر الجهاد (5) مشقة وصبر


الحمد لله الذي عنده أعظم الأجر، الذي أمر عباده بالصبر ووعدهم عليه بالنصر، والصلاة والسلام على من أوذي في الله فلم يُر منه إلا الحمد والشكر، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم الذين يردون حوضه يوم الحشر، أما بعد.

فتلك الفتوحات والمعارك التي شهدها تاريخ المسلمين عبر الزمان، ما جاءت بالراحة والدعة والترفّه والنعيم؛ إذ النعيم لا يُدرك بالنعيم، فيافٍ قُطعت وبُحور شُقت وجبال صُعدت، وأجواء غير مألوفة على الفاتحين تحملوها، عناء وبلاء، وشدة ولأواء، استعذبها المجاهدون فصارت لهم بلسما لحياتهم وأريجا مُزج بالأغبرة المتصاعدة من أرض المعامع، ناهيك عن الخطى التي مضوها لا لأيام ولا لأسابيع بل لأشهر، جوع وجراح، وآلام وأتراح، بأجسام نحيلة وثياب مهترئة؛ لكنّ فِعالهم كانت تزلزل أنباؤها الملوك على عروشها، كانوا لو أرادوا الجبال لهدّوها، والصعود للسحاب لصعدوها طلبا لعدوهم المحارب لله، فكانوا بصدق يطلبون الجنان في الأقاصي، ويرِدون المكاره بإكراه أنفسِهم ويُلقُونها في مهاوي الردى، ذاكم صبر الجلاد الذي قام به الجهاد.

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: ١٤٢]

إن الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده الموحدين وأجزل لهم الأجر عليه يحملُ في طياته الكثير من المشاقّ والتعب والنصب، ولكمال دين الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده دلّهم على كيفية مواجهة هذه العوائق والتصدي لها، فأمرهم سبحانه بالصبر وأخبرهم أنه يحب الصابرين وأوصاهم في كثير من المواضع في كتابه العزيز بالصبر.

وبما أن الصبر ثمرة اليقين كان أكبرَ دليلٍ على صدق المتمسك به وعلو درجته في سلّم المؤمنين، قال تعالى موصيًا عباده المجاهدين الذين حملوا أمانة تبليغ هذا الدين والدعوة إلى سبيل رب العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: ٢٠٠]

البيعة في العسر واليسر

ولقد أدرك الصحابة من الأنصار رضوان الله عليهم من بداية الطريق أن الأمر عظيم فقالوا في بيعة العقبة الثانية عندما بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة). فقمنا إليه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو من أصغرهم - وفي رواية البيهقي: وهو أصغر السبعين إلا أنا - فقال: رويدا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة، فبينوا ذلك، فهو أعذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا، ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة". [البداية والنهاية]


• أكلوا أوراق الشجر!

وقد بلغت الشدة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الكثير؛ إذ كان الإسلام جديدا والجميع يحارِبُه لمخالفته ما عليه الآباء، مع فقر وفاقة في أكثر أصحابه، ولكنه لم يكن يوقف الجهاد عليه الصلاة والسلام، فهذه سرية البحر قال فيها جابر رضي الله عنه: "بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّر علينا أبا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزوّدنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره! فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة -قال- فقلت كيف كنتم تصنعون بها؟ قال نمصّها كما يمصّ الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء فنأكله" [متفق عليه]

وأما في قلة المراكب فتلك حال لازمتهم حتى أنهم يوم بدر لم يكن لهم إلا فرَسَان اثنان، قال علي رضي الله عنه: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، يعني يوم بدر"، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعاقب معهم في الركوب، فعن عبد الله بن مسعود قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، كان أبو لبابة وعلي زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فكانت عقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالا: نحن نمشي عنك فقال: "ما أنتما بأقوى مني، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما" [البداية والنهاية]• سقطت أظفارهم في ذات الرقاع!

وفي غزوة ذات الرقاع حصل لهم قلة في المركب والنعل مع شدة الحر يومئذ، قال أبو موسى رضي الله عنه: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه فنقِبت أقدامنا ونقبت قدماي وسقطت أظفاري! وكنا نلفّ على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا". [متفق عليه]


• جاعوا وخافوا يوم الخندق!

وفي غزوة الخندق ما صبّرهم على الجوع إلا شد الحجارة على بطونهم، عن ابن عباس، قال: "احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع"، فكيف لو اجتمع مع الجوع برد وخوف؟! قال حذيفة رضي الله عنه: "يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هويا من الليل، ثم التفت إلينا فقال: (من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع) فشرط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة (أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة)، فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد!، فلمّا لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني"، وإن وجدوا طعاما فهو مما يؤكل على مضض، قال البخاري: عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم، ويقولون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا، قال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم يجيبهم: (اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة)، قال: "يؤتون بملء كفي من الشعير، فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع!، وهي بشعة في الحلق، ولها ريح منتن". [البداية والنهاية]


• جيش العسرة يوم تبوك

وفي غزوة تبوك كانت الشدة عسيرة بهم حتى سُمي الجيش بجيش العسرة، وكان من خبره "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه". [البداية والنهاية]

وقد أصابهم العطش حتى قال عمر: "خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده" [البداية والنهاية]


• 4 أشهر في بيت المقدس وخيولهم تصل إلى إفريقية

أولئكم في عهد النبوة ودولتها، وهذا اقتصاد جيشها وتموينهم، ولقد قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "والله إني لأول رجل من العرب، رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لنا طعام نأكله إلا ورق الحبلة وهذا السمر، حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة" [رواه مسلم]

وفي هذه الآثار دليل على أن شظف العيش وقلة المؤنة لا يبرر للمسلم التقاعس، وعدم الدفاع عن دين الله سبحانه، والدعوة إليه؛ فكيف بمن وسّع الله عليه؟!

وقد كانت تطول معاركهم مع شدة القتال فيها، من ذلك ما كان في فتح بيت المقدس حيث كان "أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالا شديدا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر" [الكامل في التاريخ]، حتى ألجؤوا النصارى للرضوخ ففتحها الله بعد ذلك.

وأما في الصبر على طول المسافة فقد خرج الصحابة رضي الله عنهم كعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر من المدينة وشاركوا في فتوح إفريقية إلى برقة وما بعدها وتوغل جيش المسلمين فيها، فتأمل في هذه الأميال التي قطعوها وتلك الشدة التي وجدوها، وكذا كانوا في فتوح المشرق يتجلدون بُعدها وبردها وجليدها.

فلم يكن ذلك الصبر إلا لما بلغ بهم حب الجهاد مبلغا عظيما حتى قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: "ما ليلة يهدى إلي فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلي من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو".

وتلك الأخبار حجة على من جاء بعدهم ممّن تيسرت لديهم سبل الحياة؛ أن يبادروا إلى أمر الله تعالى، فإنه لو كان حالنا كحالهم لكان الوجوب مثله فكيف والحال اليوم في المؤنة أيسر، والجهاد جهاد دفع لا طلب! فتأمل.

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ • مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ ...

مؤسسة الفرقان - فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ



• مقتطف من كلمة "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ"
للشيخ المجاهد أبي الحسن المهاجر -تقبله الله تعالى-


صبر وثبات ويقين بوعد الله، رغم المحن والصعاب، رغم تكالب الأحزاب، رغم هدير الراجمات وقصف الطائرات، يقف الواثقون الموقنون بنصر ربهم، صامدين صابرين محتسبين مقبلين غير مدبرين، لم توهنهم الزلازل فيقفوا عاجزين حائرين أو تائهين خائرين، بل أسرجوا في ليل الظلمة نور الحق وأوقدوا بدمائهم مشاعل الهداية وجانبوا سبل الغواية، من كتاب ربهم نهلوا، وبسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ساروا وعملوا، علموا أن النصر من عند الله وما كان يوما بكثرة عَدد ولا عُدد، لأن الله عزيز لا يغالبه مغالب، بل هو القهار الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العُدد ما بلغوا، حكيمٌ حيث قدَّر الأمور بأسبابها ووضع الأشياء مواضعها، حكيمٌ في تدبيره ونَصْرِهِ مَنْ نَصَرَ وخذلانه مَنْ خَذَل من خلقه، لا يدخل تدبيرَه وهنٌ ولا خللٌ، قال وقوله الفصل: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160].

نعم، إنه وعد الله الحق وأمره لعباده المؤمنين، فسنته وحكمته في خلقه ماضية، يُنزل البلاء متى شاء ويرفعه متى شاء، عليمٌ حكيمٌ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، و إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، قال وقوله الحق: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وإن سنة الله اقتضت، أن النصر لا يتحقق بدون استقامة على أمره -سبحانه- وعودة صادقة إليه، فمن كان أنصر لدين الله وأعظم جهادا لأعدائه وأقوم بطاعة الله ورسوله، كان أعظم نصرة وطاعة وحرمة.

… فالدولة الإسلامية هي من تقارع وتدافع عن دار الإسلام، وتستنهض أهل الإيمان وتشحذ همم أبناء الإسلام للانعتاق من رق العبودية والتبعية لأمم الكفر، وهي تخوض حربا ضروسا طاحنة عن أمتها، التي ما ادخرت جهدا في حربها والصد والتنفير عنها وبكل ما أوتيت من قوة وبشتى الطرق والوسائلّ، ودولة الخلافة -بفضل الله ومَنِّه- ما فتئت تجر المسلمين للعودة لدينهم بالسلاسل، وعلماء الطواغيت وأبواق الشر يصدُّون ويندُّون ويأبون إلا أن يكون أهل الإسلام أذلة صاغرين تسوسهم أمم الصليب وأذنابهم من الحكام المرتدين، إلا أن دولة الخلافة وبتوفيق الله لها، قد أدركت الداء وعلمت الدواء، وهي ماضية على دربها بإذن الله، ولن تأخذها في الله لومة لائم، حتى تُسلِّم الراية إلى عيسى بن مريم، عليه السلام.

أمة الإسلام: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام فلن نبتغي العزة بغيره، ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وما اعتز بدينه إلا من حقق التوحيد، وأحيا الولاء والبراء وأصبحا سمة ملازمة له في جميع شؤون حياته وتقلب أحواله، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، عند تكالب الأعداء وتفاقم اللأواء، لا إلى الأستانة يمَّم وجهه ولا إلى الطواغيت فاء، كلا بل لزم غرز الملة السمحاء واقتدى بأبي الأنبياء، وقال لأمم الكفر: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4]. هذا سبيل المؤمنين المهتدين وما سواه سبيل الكافرين المعتدين من حرَّفوا وبدَّلوا شرعة رب العالمين.فيا جنود الخلافة وآساد الإسلام: اعلموا أن رحمة الله وجنته لا تنال بالأماني، ولا يؤتي الله المغفرة والرحمة الواسعة إلا الثابتين الصابرين الصادقين المصدِّقين بما وعدهم، أما تتلون قول ربكم: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].

وأصل الشراء بين الخلق كما قال القرطبي، رحمه الله: "هو أن يُعوضوا عما خرج من أيديهم ما كان أنفع لهم أو مثل ما خرج عنهم في النفع، فاشترى الله سبحانه من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم سبحانه الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك، وهو عوض عظيم لا يدانيه المُعوَّض ولا يقاس به، فأجرى ذلك على مجاز ما يتعارفونه في البيع والشراء، فمن العبد تسليم النفس والمال، ومِن الله الثواب والنوال فسمي هذا شراء".

يا جنود الخلافة: ربح البيع وربِّ الأرض والسماء، وإنا لا نقيل ولا نستقيل بإذن الله، فاصدقوا عند اللقاء، فمن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، فتلك هي التجارة الرابحة التي خصَّ الله بها عباده المؤمنين البائعين نفوسهم رخيصة في سبيله، لإعلاء كلمته وإقامة شرعه، وإن غاية ما يصبو إليه المجاهد في سبيل الله، هو أن ينال رضى ربه وعفوه وإحسانه وتوفيقه وامتنانه، وذلك بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومقارعة أعدائه في كل ساح وموطن، حتى يكون الدين كله لله، وأن تُحكم الأرض كل الأرض بشرع الله، فإن عاش، عاش كريما و إن مات مات عزيزا، هكذا كان حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة الأخيار من القرون المفضلة، وهذه بشرى نبيكم صلى الله عليه وسلم حيث قال: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده، ما من كلم يُكلم في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والذي نفس محمد بيده، لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، والذي نفس محمد بيده، لوددت أني أغزو في سبيل الله فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل، ثم أغزو فأُقتل) [رواه مسلم].

...فإياكم إياكم يا جنود الخلافة أن تلينوا لعدوكم، فهذا لم نعهده عليكم، وهو عين ما تدركه أمم الكفر وعلى رأسها أمريكا، التي ما حفلت -بفضل الله- بنصر مذ أقحمت نفسها في حرب الإسلام والمسلمين، ونحن اليوم -بفضل الله- بتنا في زمان جديد سما وعلا صرح الخلافة فيه، فمهما أزبد الكفر وأرعد فلن يرى منا إلا ما يسوؤه، بحول الله وقوته، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وإن الله ناصرنا عليهم، نعم، إن الله ناصرنا عليهم، وما هذه إلا بارقة الملاحم وأولاها، الغالب فيها من صبر وصدق لا من سبق، وإنما العبرة بالخواتيم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
6 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً