فَمَنْ يُلَبِّي النِّدَاء؟ فعملا بواجب التحريض نخاطب المجاهدين في ليبيا وما جاورها؛ نستنهض ...

فَمَنْ يُلَبِّي النِّدَاء؟


فعملا بواجب التحريض نخاطب المجاهدين في ليبيا وما جاورها؛ نستنهض عزائمهم ونستثير طاقاتهم ونشحذ هممهم وتذكرهم بتجديد نواياهم وإخلاص طواياهم، ونحرضهم على السعي الجاد لإحياء الساحة الليبية بالجهاد على منهاج النبوة، عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، قال الإمام البغوي: "قال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل، وقال غيره: بل الشهادة" وبين الجهاد والشهادة تجتمع كل أسباب الحياة في الدنيا والآخرة، فاستجيبوا لما يحييكم، وليتذكر المجاهدون في ليبيا أن إخوانهم في الولايات القريبة ينتظرون منهم الكثير في تسخير الطبيعة الميدانية والحدود الرخوة في رفد الجهاد بالطاقات، فدور ساحة ليبيا وأثرها في دفع عجلة الجهاد المحلي لا يخفى، وإنْ تعثّر فلا بد أن ينهض ويستمر.



• المصدر:
مقتطف من إفتتاحية صحيفة النبأ - العدد 512
"ليبيا الأمجاد"
...المزيد

فَمَنْ يُلَبِّي النِّدَاء؟ فعملا بواجب التحريض نخاطب المجاهدين في ليبيا وما جاورها؛ نستنهض ...

فَمَنْ يُلَبِّي النِّدَاء؟


فعملا بواجب التحريض نخاطب المجاهدين في ليبيا وما جاورها؛ نستنهض عزائمهم ونستثير طاقاتهم ونشحذ هممهم وتذكرهم بتجديد نواياهم وإخلاص طواياهم، ونحرضهم على السعي الجاد لإحياء الساحة الليبية بالجهاد على منهاج النبوة، عملا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}، قال الإمام البغوي: "قال ابن إسحاق: هو الجهاد أعزكم الله به بعد الذل، وقال غيره: بل الشهادة" وبين الجهاد والشهادة تجتمع كل أسباب الحياة في الدنيا والآخرة، فاستجيبوا لما يحييكم، وليتذكر المجاهدون في ليبيا أن إخوانهم في الولايات القريبة ينتظرون منهم الكثير في تسخير الطبيعة الميدانية والحدود الرخوة في رفد الجهاد بالطاقات، فدور ساحة ليبيا وأثرها في دفع عجلة الجهاد المحلي لا يخفى، وإنْ تعثّر فلا بد أن ينهض ويستمر.



• المصدر:
مقتطف من إفتتاحية صحيفة النبأ - العدد 512
"ليبيا الأمجاد"
...المزيد

الغزوات الرمضانية شاهدنا كيف خاض المجاهدون الغزوات الرمضانية في ولايات غرب إفريقية ووسطها ...

الغزوات الرمضانية



شاهدنا كيف خاض المجاهدون الغزوات الرمضانية في ولايات غرب إفريقية ووسطها والساحل وموزمبيق وغيرها ضد الجيوش الكافرة، فجدّدوا أمجاد بدر في ذكراها، وكثفوا هجماتهم في العشر الأواخر اغتناما لشرف زمانها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 539
"الغزوات الرمضانية"
...المزيد

الغزوات الرمضانية شاهدنا كيف خاض المجاهدون الغزوات الرمضانية في ولايات غرب إفريقية ووسطها ...

الغزوات الرمضانية



شاهدنا كيف خاض المجاهدون الغزوات الرمضانية في ولايات غرب إفريقية ووسطها والساحل وموزمبيق وغيرها ضد الجيوش الكافرة، فجدّدوا أمجاد بدر في ذكراها، وكثفوا هجماتهم في العشر الأواخر اغتناما لشرف زمانها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 539
"الغزوات الرمضانية"
...المزيد

حقيقة "محور المقاومة" في العراق سجون سرية وتحت أرضية تديرها فصائل "المقاومة الإسلامية ...

حقيقة "محور المقاومة"


في العراق سجون سرية وتحت أرضية تديرها فصائل "المقاومة الإسلامية العراقية" التي لا تحظى بهذا الوصف والإطراء إلا في بيانات "الجمهورية الإيرانية" وأذرعها الفلسطينية الفرط انحرافية.

في العراق، الإعدام داخل سجون "المحور الرافضي" مثل الإعدام في سائر سجون العصابات، لا يحتاج سوى طلقة أو حبل متصلب -يموت ألف مرة- قبل أن يشده جلاوزة "المقاومة" على رقاب ما خضعت لغير خالقها، وما استعانت ولا استغاثت بغير باريها، تُزهق أرواحُها وتوحيدها باق فيها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 541
"أقصانا وأسرانا"
...المزيد

حقيقة "محور المقاومة" في العراق سجون سرية وتحت أرضية تديرها فصائل "المقاومة الإسلامية ...

حقيقة "محور المقاومة"


في العراق سجون سرية وتحت أرضية تديرها فصائل "المقاومة الإسلامية العراقية" التي لا تحظى بهذا الوصف والإطراء إلا في بيانات "الجمهورية الإيرانية" وأذرعها الفلسطينية الفرط انحرافية.

في العراق، الإعدام داخل سجون "المحور الرافضي" مثل الإعدام في سائر سجون العصابات، لا يحتاج سوى طلقة أو حبل متصلب -يموت ألف مرة- قبل أن يشده جلاوزة "المقاومة" على رقاب ما خضعت لغير خالقها، وما استعانت ولا استغاثت بغير باريها، تُزهق أرواحُها وتوحيدها باق فيها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 541
"أقصانا وأسرانا"
...المزيد

الباطل هو الباطل فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة والباطل هو الباطل والبراء ...

الباطل هو الباطل


فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة والباطل هو الباطل والبراء من الكافرين وموالاة المسلمين هو ذاته الولاء والبراء الذي نزل به الوحي الأمين، ولا يقترن أو يرتهن لصحة تحليل المشهد السياسي أو العسكري من عدمه.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبا - العدد 540
"الوحي لا التخرُّصات"
...المزيد

الباطل هو الباطل فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة والباطل هو الباطل والبراء ...

الباطل هو الباطل


فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة والباطل هو الباطل والبراء من الكافرين وموالاة المسلمين هو ذاته الولاء والبراء الذي نزل به الوحي الأمين، ولا يقترن أو يرتهن لصحة تحليل المشهد السياسي أو العسكري من عدمه.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبا - العدد 540
"الوحي لا التخرُّصات"
...المزيد

سُنَنُ اللهِ فِي إِهلاكِ الظَّالِمِينَ - تسليط بعضهم على بعض قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ ...

سُنَنُ اللهِ فِي إِهلاكِ الظَّالِمِينَ



- تسليط بعضهم على بعض

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض".


- عقابهم في الدنيا والآخرة

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة؛ من قطيعة الرحم والبغي) [الأدب المفرد].


- الفشل والخسران عاقبتهم

قال تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، فالفشل والخسران عاقبة أمرهم ومؤامراتهم مهما علوا وبغوا في الأرض.


- إهلاكهم بعذاب أو بأيدينا

قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.


- استدراجهم قبل إهلاكهم

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [متفق عليه].


- جعلهم عبرة لمن خلفهم

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} أي عبرة وعظة لغيرهم.


- موعد هلاكهم لن يتخلف

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}، فموعد هلاك الظالمين المقدّر في علم الله، إن جاء لن يتخلف.


- استخلاف المؤمنين بعدهم

قال تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}، قال البغوي: "أي من بعد هلاكهم".




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 543
السنة السابعة عشرة - الخميس 28 شوال 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

سُنَنُ اللهِ فِي إِهلاكِ الظَّالِمِينَ - تسليط بعضهم على بعض قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ ...

سُنَنُ اللهِ فِي إِهلاكِ الظَّالِمِينَ



- تسليط بعضهم على بعض

قال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض".


- عقابهم في الدنيا والآخرة

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة؛ من قطيعة الرحم والبغي) [الأدب المفرد].


- الفشل والخسران عاقبتهم

قال تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، فالفشل والخسران عاقبة أمرهم ومؤامراتهم مهما علوا وبغوا في الأرض.


- إهلاكهم بعذاب أو بأيدينا

قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}.


- استدراجهم قبل إهلاكهم

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [متفق عليه].


- جعلهم عبرة لمن خلفهم

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} أي عبرة وعظة لغيرهم.


- موعد هلاكهم لن يتخلف

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}، فموعد هلاك الظالمين المقدّر في علم الله، إن جاء لن يتخلف.


- استخلاف المؤمنين بعدهم

قال تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}، قال البغوي: "أي من بعد هلاكهم".




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 543
السنة السابعة عشرة - الخميس 28 شوال 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

أظافر من نحاس! تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر ...

أظافر من نحاس!


تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر إلا وينطلقون في غيبة أخيهم، فيطرحونه على مائدتهم ويجتمعون عليه ينهشون لحمه نهشا، وتسيل لعابهم منه دما ونتَنا، فهو لحم ميت -كما وصفه الله تعالى في كتابه- زجرا وتنفيرا، إنه لحم مسلم غابَ فاستطاب الحاضرون ذكره بما يكره، وولغت فيه ألسنتهم فلم يتقوا الله فيه ولم يحفظوا حق أخوّته، وخنس آخرون عنهم ولم ينكروا صنيعهم فكانوا مثلهم!، فيقومون جميعا -الخائض والخانس- عن ذنب كبير!


- حدّ الغيبة وضابطها:

ويظن البعض أن حدّ الغيبة يقتصر على ذم الشخص بما ليس فيه من العيوب، لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أتَدرونَ ما الغيبةُ؟) قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: (ذِكرُك أخاك بما يَكرَهُ). قيلَ: أفَرَأيتَ إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: (إن كانَ فيه ما تَقولُ فقدِ اغتَبتَه، وإن لَم يَكُنْ فيه فقد بَهَتَّه).

وحول ذلك نقل القرطبي في تفسيره عن الحسن البصري قوله: "الغيبة ثلاثة أوجه، كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهو أنْ تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأنْ تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان: فأنْ تقول فيه ما ليس فيه". وسائر صور الغيبة لا تخرج عن هذه الأوجه الثلاثة، وضابطها جميعا: "ذكرك أخاك بما يكره"، ومَن منا يحب أن يذكره الناس بما يكره؟


- صور الغيبة وأمثلتها:

وسطّر الإمام النووي في كتابه "الأذكار" كلاما دقيقا حول اتساع حدّ الغيبة وصورها فقال: "فأما الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه -مما يكره-، سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه، أو ماله أو ولده أو والده، أو زوجه أو خادمه أو مملوكه، أو عمامته أو ثوبه، أو مشيته وحركته وبشاشته، وخلاعته وعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك".

ثم يستطرد النووي في سرد الأمثلة على الغيبة بما يزيد وجل القلوب السليمة من الانحدار في هذا المنزلق، فيقول: "أما البدن فكقولك: أعمى أعرج أعمش أقرع، قصير طويل أسود أصفر. وأما الدِّين فكقولك: فاسق سارق خائن، ظالم متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارًّا بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقًا، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه، وأما المتعلِّق بوالده فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي أو نبطي أو زنجي..، وأما الخُلُق فكقوله: سيئ الخلق، متكبّر، مُرَاء، عجول، جبَّار، عاجز ضعيفُ القلب، مُتهوِّر، عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وَسِخُ الثوب ونحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره". أهـ.

وتأمل ما سرده الإمام النووي من أمثلة زمانه، وأضف إليها ما شاع وذاع من أمثلة زماننا الذي صارت فيه الغيبة فاكهة المجالس لا تخلو منها ولا تحلو بدونها، ولا يُستظرف السُّمّار ويُستطرف الجلّاس إلا بها!

وتدبر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وكَذَا -تَعْنِي قَصِيْرةً- فَقَالَ: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ!) فكثير مما تقدّم ذكره من الأمثلة، قد لا يقصد به المرء الذم والطعن، فيقوله دون أن يلقي له بالا، ويخوض فيه على سبيل التندّر أو المزاح أو التسلية أو غيرها من الأعذار البشرية الواهية، ومع ذلك عدّه العلماء من الغيبة، وأما ما يتعمده المرء من الذم والطعن والقدح في أخيه المسلم، والتنقيب عن عيوبه وتتبع زلاته وإشاعتها والتشفي بها، فذلك أشد خطرا وأعظم إثما وجرما.


- لا تغتب ولا تقبل بذلك:

والواجب على المسلم أن يطهّر لسانه عن كل هذا، وينظّف مجالسه منه، ليس هذا فحسب، بل يجب عليه أيضا ألا يسمح لأحد أن يغتاب إخوانه في حضرته أو مجلسه، وألا تأخذه في الله لومة لائم في نهي غيره عن ذلك، لأن سماع الغيبة -دون إنكارها- غيبة مثلها.

وتتأكد هذه التوجيهات في حق إخواننا المجاهدين، فالغيبة ظلم للغير وإيغار للصدر وفرقة للصف، وهذا كله من مؤخّرات النصر، وكيف يقبل المجاهد أن تخرج هذه السفاسف من فمه أو تُلقى على مسامعه، وهو لا يفارقه صوت الرصاص مذكّرا إياه بيوم الرحيل؟، كيف يستسيغ ذلك المجاهد -ومثله المناصر- وعنده هدف أسمى وأغلى وهو نصرة الإسلام أو الموت دونه، فليحذر المسلم من التساهل في غيبة إخوانه حتى لو كره شيئا منهم، فذلك من نزغ الشيطان فإنه يتحين الفرص ليفسد بينهم، ولذلك جاء الأمر: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}.

- عقاب الغيبة:

ولو اعتبر العاقل بما يلاقيه المغتاب من عذاب في القبر وما بعده؛ لخاط لسانه وصم أذنه عن هذه الكبيرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا عُرَجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ!) [أبو داود].

فقل لي -أيها المغتاب- أين الجلساء الذين شاركوك الغيبة في مجالسهم، هل سيدفعون عنك هذا العقاب أو يتحملون بعضا منه عنك؟ أم هم أول من سيغادر قبرك ويتركونك تواجه مصيرك وحدك؟!

وأما في يوم الحساب، فالخسارة أكبر، حين يطوف عليك من اغتبتهم ونهشت عرضهم، ليأخذوا من حسناتك التي هي رأس مالك، أو يلقوا عليك من سيئاتهم ليقتصوا منك! فينفطر قلبك وأنت ترى أجور أعمالك قد أصبحت من نصيب غيرك، فيا لها من حسرة وخسارة! لقوله صلى الله عليه وسلم: (‌مَن ‌كَانَت ‌لَهُ ‌مَظْلَمَةٌ ‌لأَخِيهِ ‌مِنْ ‌عِرْضِهِ ‌أَوْ ‌شَيءٍ، ‌فَلْيَتَحَلَّلْهُ ‌مِنْهُ ‌الْيَوْمَ، ‌قَبْلَ ‌أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) [البخاري]، وأورد الإمام البيهقي عن الإمام الأوزاعي قوله: "بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة: قم فخذ حقك من فلان، فيقول: ما لي قبله حق، فيقال: بلى ذكَرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا". [شعب الإيمان].

ولا نجد ذما وتقريعا للغيبة تنفر منه الطباع السوية وتأباه النفوس الأبية، أشد مما ذكره الله تعالى في قوله: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}، قال ابن كثير: "أي كما تكرهون هذا طبعا؛ فاكرهوا ذاك شرعا"، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه، خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم" [الأدب المفرد].


- استثناءات وتنبيه!

وقد ذكر الفقهاء بعض "الاستثناءات" التي تباح فيها الغيبة ولخّصها النووي في ستة مواطن: "أَحَدُهَا: التَّظَلُّمُ؛ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي. الثَّانِي: الِاسْتِغَاثَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ. الثَّالِثُ: الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلَانٌ أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا. الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنِّفِينَ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ، وَمِنْهَا الْإِخْبَارُ بِعَيْبِهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُوَاصَلَته، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا وَخِفْتَ عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْكَ نَصِيحَتَهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ؛ فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَغْتَرُّ بِهِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ. السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى" أهـ.

لكن ننبه إخواننا في هذا الباب إلى أمر مهم، وهو أن هذه "الاستثناءات" منوطة بتحقق غرض شرعي ثابت، بضوابط حازمة، لأن الشيطان كثيرا ما يتسلل إلى النفس البشرية من هذه المواطن، فيُلبس الغيبة ثوب التظلم أو الشكوى أو النصح أو غيرها من المواطن الستة، فيتمادى المرء فيها حتى يتعدى الحد الجائز منها، وذلك بلا شك من خطوات الشيطان للوقيعة بين المسلمين، وكل أدرى بخبايا نفسه، والله أعلم بنوايا عباده وخفايا صدورهم.

فاتق الله أخي المسلم، وصن جوارحك عن أذى إخوانك، ولا تهدر حسناتك، وتب وتحلل من هذه المظالم اليوم قبل القصاص غدا في يوم عصيب {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 543
السنة السابعة عشرة - الخميس 28 شوال 1447 هـ
...المزيد

أظافر من نحاس! تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر ...

أظافر من نحاس!


تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر إلا وينطلقون في غيبة أخيهم، فيطرحونه على مائدتهم ويجتمعون عليه ينهشون لحمه نهشا، وتسيل لعابهم منه دما ونتَنا، فهو لحم ميت -كما وصفه الله تعالى في كتابه- زجرا وتنفيرا، إنه لحم مسلم غابَ فاستطاب الحاضرون ذكره بما يكره، وولغت فيه ألسنتهم فلم يتقوا الله فيه ولم يحفظوا حق أخوّته، وخنس آخرون عنهم ولم ينكروا صنيعهم فكانوا مثلهم!، فيقومون جميعا -الخائض والخانس- عن ذنب كبير!


- حدّ الغيبة وضابطها:

ويظن البعض أن حدّ الغيبة يقتصر على ذم الشخص بما ليس فيه من العيوب، لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أتَدرونَ ما الغيبةُ؟) قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: (ذِكرُك أخاك بما يَكرَهُ). قيلَ: أفَرَأيتَ إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: (إن كانَ فيه ما تَقولُ فقدِ اغتَبتَه، وإن لَم يَكُنْ فيه فقد بَهَتَّه).

وحول ذلك نقل القرطبي في تفسيره عن الحسن البصري قوله: "الغيبة ثلاثة أوجه، كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهو أنْ تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأنْ تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان: فأنْ تقول فيه ما ليس فيه". وسائر صور الغيبة لا تخرج عن هذه الأوجه الثلاثة، وضابطها جميعا: "ذكرك أخاك بما يكره"، ومَن منا يحب أن يذكره الناس بما يكره؟


- صور الغيبة وأمثلتها:

وسطّر الإمام النووي في كتابه "الأذكار" كلاما دقيقا حول اتساع حدّ الغيبة وصورها فقال: "فأما الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه -مما يكره-، سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه، أو ماله أو ولده أو والده، أو زوجه أو خادمه أو مملوكه، أو عمامته أو ثوبه، أو مشيته وحركته وبشاشته، وخلاعته وعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك".

ثم يستطرد النووي في سرد الأمثلة على الغيبة بما يزيد وجل القلوب السليمة من الانحدار في هذا المنزلق، فيقول: "أما البدن فكقولك: أعمى أعرج أعمش أقرع، قصير طويل أسود أصفر. وأما الدِّين فكقولك: فاسق سارق خائن، ظالم متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارًّا بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقًا، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه، وأما المتعلِّق بوالده فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي أو نبطي أو زنجي..، وأما الخُلُق فكقوله: سيئ الخلق، متكبّر، مُرَاء، عجول، جبَّار، عاجز ضعيفُ القلب، مُتهوِّر، عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وَسِخُ الثوب ونحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره". أهـ.

وتأمل ما سرده الإمام النووي من أمثلة زمانه، وأضف إليها ما شاع وذاع من أمثلة زماننا الذي صارت فيه الغيبة فاكهة المجالس لا تخلو منها ولا تحلو بدونها، ولا يُستظرف السُّمّار ويُستطرف الجلّاس إلا بها!

وتدبر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قُلْتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وكَذَا -تَعْنِي قَصِيْرةً- فَقَالَ: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ!) فكثير مما تقدّم ذكره من الأمثلة، قد لا يقصد به المرء الذم والطعن، فيقوله دون أن يلقي له بالا، ويخوض فيه على سبيل التندّر أو المزاح أو التسلية أو غيرها من الأعذار البشرية الواهية، ومع ذلك عدّه العلماء من الغيبة، وأما ما يتعمده المرء من الذم والطعن والقدح في أخيه المسلم، والتنقيب عن عيوبه وتتبع زلاته وإشاعتها والتشفي بها، فذلك أشد خطرا وأعظم إثما وجرما.


- لا تغتب ولا تقبل بذلك:

والواجب على المسلم أن يطهّر لسانه عن كل هذا، وينظّف مجالسه منه، ليس هذا فحسب، بل يجب عليه أيضا ألا يسمح لأحد أن يغتاب إخوانه في حضرته أو مجلسه، وألا تأخذه في الله لومة لائم في نهي غيره عن ذلك، لأن سماع الغيبة -دون إنكارها- غيبة مثلها.

وتتأكد هذه التوجيهات في حق إخواننا المجاهدين، فالغيبة ظلم للغير وإيغار للصدر وفرقة للصف، وهذا كله من مؤخّرات النصر، وكيف يقبل المجاهد أن تخرج هذه السفاسف من فمه أو تُلقى على مسامعه، وهو لا يفارقه صوت الرصاص مذكّرا إياه بيوم الرحيل؟، كيف يستسيغ ذلك المجاهد -ومثله المناصر- وعنده هدف أسمى وأغلى وهو نصرة الإسلام أو الموت دونه، فليحذر المسلم من التساهل في غيبة إخوانه حتى لو كره شيئا منهم، فذلك من نزغ الشيطان فإنه يتحين الفرص ليفسد بينهم، ولذلك جاء الأمر: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}.

- عقاب الغيبة:

ولو اعتبر العاقل بما يلاقيه المغتاب من عذاب في القبر وما بعده؛ لخاط لسانه وصم أذنه عن هذه الكبيرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا عُرَجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ!) [أبو داود].

فقل لي -أيها المغتاب- أين الجلساء الذين شاركوك الغيبة في مجالسهم، هل سيدفعون عنك هذا العقاب أو يتحملون بعضا منه عنك؟ أم هم أول من سيغادر قبرك ويتركونك تواجه مصيرك وحدك؟!

وأما في يوم الحساب، فالخسارة أكبر، حين يطوف عليك من اغتبتهم ونهشت عرضهم، ليأخذوا من حسناتك التي هي رأس مالك، أو يلقوا عليك من سيئاتهم ليقتصوا منك! فينفطر قلبك وأنت ترى أجور أعمالك قد أصبحت من نصيب غيرك، فيا لها من حسرة وخسارة! لقوله صلى الله عليه وسلم: (‌مَن ‌كَانَت ‌لَهُ ‌مَظْلَمَةٌ ‌لأَخِيهِ ‌مِنْ ‌عِرْضِهِ ‌أَوْ ‌شَيءٍ، ‌فَلْيَتَحَلَّلْهُ ‌مِنْهُ ‌الْيَوْمَ، ‌قَبْلَ ‌أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) [البخاري]، وأورد الإمام البيهقي عن الإمام الأوزاعي قوله: "بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة: قم فخذ حقك من فلان، فيقول: ما لي قبله حق، فيقال: بلى ذكَرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا". [شعب الإيمان].

ولا نجد ذما وتقريعا للغيبة تنفر منه الطباع السوية وتأباه النفوس الأبية، أشد مما ذكره الله تعالى في قوله: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}، قال ابن كثير: "أي كما تكرهون هذا طبعا؛ فاكرهوا ذاك شرعا"، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه، خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم" [الأدب المفرد].


- استثناءات وتنبيه!

وقد ذكر الفقهاء بعض "الاستثناءات" التي تباح فيها الغيبة ولخّصها النووي في ستة مواطن: "أَحَدُهَا: التَّظَلُّمُ؛ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي. الثَّانِي: الِاسْتِغَاثَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ. الثَّالِثُ: الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلَانٌ أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا. الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنِّفِينَ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ، وَمِنْهَا الْإِخْبَارُ بِعَيْبِهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُوَاصَلَته، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا وَخِفْتَ عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْكَ نَصِيحَتَهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ؛ فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَغْتَرُّ بِهِ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ. السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى" أهـ.

لكن ننبه إخواننا في هذا الباب إلى أمر مهم، وهو أن هذه "الاستثناءات" منوطة بتحقق غرض شرعي ثابت، بضوابط حازمة، لأن الشيطان كثيرا ما يتسلل إلى النفس البشرية من هذه المواطن، فيُلبس الغيبة ثوب التظلم أو الشكوى أو النصح أو غيرها من المواطن الستة، فيتمادى المرء فيها حتى يتعدى الحد الجائز منها، وذلك بلا شك من خطوات الشيطان للوقيعة بين المسلمين، وكل أدرى بخبايا نفسه، والله أعلم بنوايا عباده وخفايا صدورهم.

فاتق الله أخي المسلم، وصن جوارحك عن أذى إخوانك، ولا تهدر حسناتك، وتب وتحلل من هذه المظالم اليوم قبل القصاص غدا في يوم عصيب {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.




• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 543
السنة السابعة عشرة - الخميس 28 شوال 1447 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
29 شوال 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً