. . . . . . . . . . . . . الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم قال الله تعالى: ...
منذ 2021-10-10
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم
قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67) . وقال سبحانه: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان29: 28) . وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثاً: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحداً فيفسد قلبي عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأياً لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلاً أياماً. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود عليهما السلام بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوباً:
* وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده.
* ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 216) ، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر:
إذا راب مني مفصل فقطعته
بقيت وما بي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صح سرني
وإن هو أعيى كان فيه تحامل
وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب.
الباب السادس والعشرون: في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان
قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) . فلما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43) ، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل عليهم السلام. قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الاحقاف: 35)
وقال سبحانه: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37) . وقال سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور: 22) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (الشورى: 41) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال
ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم
* وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم.
* وأنشدوا:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
* وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟
* وقال الشاعر:
ما زلت في العفو للذنوب وإط * لاقك جان يجرمه علق
حتى تمنى العصاة أنهم * عندك أمسوا في القيد والحلق
*ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم.
* وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة.
* وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحداً يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك.
* وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين.
* وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح.
* وقال المأمون:
لما رأيت الذنوب جلت * عن المجازة بالعقاب
جعلت فيها العقاب عفواً * أمضى من الضرب للرقاب
* وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيماً والبذل شرفاً.
* وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت.
* وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعاً، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعاً، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلاً مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر!
فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم
قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67) . وقال سبحانه: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان29: 28) . وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثاً: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحداً فيفسد قلبي عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأياً لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلاً أياماً. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود عليهما السلام بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوباً:
* وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده.
* ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 216) ، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر:
إذا راب مني مفصل فقطعته
بقيت وما بي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صح سرني
وإن هو أعيى كان فيه تحامل
وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب.
الباب السادس والعشرون: في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان
قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) . فلما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43) ، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل عليهم السلام. قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الاحقاف: 35)
وقال سبحانه: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37) . وقال سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور: 22) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (الشورى: 41) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال
ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم
* وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم.
* وأنشدوا:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
* وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟
* وقال الشاعر:
ما زلت في العفو للذنوب وإط * لاقك جان يجرمه علق
حتى تمنى العصاة أنهم * عندك أمسوا في القيد والحلق
*ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم.
* وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة.
* وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحداً يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك.
* وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين.
* وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح.
* وقال المأمون:
لما رأيت الذنوب جلت * عن المجازة بالعقاب
جعلت فيها العقاب عفواً * أمضى من الضرب للرقاب
* وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيماً والبذل شرفاً.
* وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت.
* وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعاً، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعاً، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلاً مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر!
فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه