وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ ...
منذ 2022-03-10
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)
الَّذِي يَقِلُّ سَالِكُهُ، فَأَكْثَرُ النَّاسِ يَنْكَبُّونَ عَنْهُ فِي التَّمَتُّعِ إِلَى جَانِبِ الْإِفْرَاطِ وَالْإِسْرَافِ، فَيَكُونُونَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ لِمَا يَجْنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَحْفِرُونَ قُبُورَهُمْ بِأَسْنَانِهِمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لِإِسْرَافِهِمْ فِي الطَّعَامِ يُصَابُونَ بِأَمْرَاضٍ تَكُونُ سَبَبًا لِقِصَرِ آجَالِهِمْ، وَإِسْرَاعِ الْهَرَمِ فِيهِمْ، وَالْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ يَنْحَرِفُونَ عَنْهُ إِلَى جَانِبِ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ، إِمَّا اضْطِرَارًا كَالْمُقَتِّرِينَ الْبَائِسِينَ، وَإِمَّا اخْتِيَارًا كَالزُّهَّادِ الْمُتَقَشِّفِينَ، وَالْتِزَامُ صِرَاطِ الِاعْتِدَالِ الْمُسْتَقِيمِ أَعْسَرُ وَأَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَأَدَلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْعَقْلِ، وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.
لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ الْمُسْرِفِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مُتَّبِعُ هَدْيِ الدِّينِ فِي إِسْرَافِهِ، وَقُصَارَى مَا يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا عُذِلَ وَعِيبَ عَلَيْهِ إِسْرَافُهُ شَرْعًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ
حَدَّ مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ، وَإِذَا قَصَدَ الْمُعْتَدِلُ اتِّبَاعَ الشَّرْعِ بِإِقَامَةِ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ جَسَدِهِ وَنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَشَكَرَ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ بِاسْتِعْمَالِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَقَلَّمَا يَفْطُنُ النَّاسُ لِذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعُدُّهُ بِهِ كَامِلَ الدِّينِ مُعْتَصِمًا بِالْفَضِيلَةِ، فَهِيَ فَضِيلَةٌ لَا رِيَاءٌ فِيهَا وَلَا سُمْعَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُفْرِطُونَ بِتَعَمُّدِ التَّقَشُّفِ هُمُ الَّذِينَ كَثِيرًا مَا يَغْتَرُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِهِمْ، فَهُمْ عَلَى انْحِرَافِهِمْ عَنْ صِرَاطِ الدِّينِ يَدَّعُونَ أَوْ يُدَّعَى فِيهِمْ أَنَّهُمْ أَكْمَلُ النَّاسِ فِي اتِّبَاعِ الدِّينِ.
أَعْوَزَ هَؤُلَاءِ النَّصَّ عَلَى دَعْوَى كَوْنِ الْغُلُوِّ فِي التَّقَشُّفِ مِنَ الدِّينِ، فَتَعَلَّقُوا بِبَعْضِ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مِنْ سِيرَةِ فُقَرَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ وَقَائِعَ الْأَحْوَالِ فِي السُّنَّةِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهَا لِإِجْمَالِهَا وَتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إِلَيْهَا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ وَقَائِعُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَفْعَلُهُ؟
عَقَدَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَائِهِ كِتَابًا سَمَّاهُ (كِتَابَ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ) شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَشَهْوَةِ الْفَرْجِ، وَطَرِيقَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ بِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ فَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ فَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، وَنَرَاهُ لَمْ يَجِدْ آيَةً يَبْدَأُ بِهَا مَوْضُوعَ (بَيَانِ فَضِيلَةِ الْجُوعِ وَذَمِّ التَّشَبُّعِ) فَبَدَأَهُ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا لَا يَعْرِفُ الْمُحَدِّثُونَ لَهُ أَصْلًا قَطُّ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ أَوْ مَوْضُوعٌ فَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا نَذْكُرُهُ غَيْرَ مُسْنَدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ:
(1) جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَإِنَّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَأَجْرِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مَنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ، (2) لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتُ السَّمَاءِ مَنْ مَلَأَ بَطْنَهُ. (3) قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ مَنْ قَلَّ مَطْعَمُهُ وَضَحِكُهُ وَرَضِيَ بِمَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ. (4) سَيِّدُ الْأَعْمَالِ الْجُوعُ، وَذُلُّ النَّفْسِ لِبْسُ الصُّوفِ، (5) الْبَسُوا وَاشْرَبُوا وَكُلُوا فِي أَنْصَافِ الْبُطُونِ فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ. (6) الْفِكْرُ نِصْفُ الْعِبَادَةِ، وَقِلَّةُ الطَّعَامِ هِيَ الْعِبَادَةُ، (7) أَفْضَلُكُمْ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُكُمْ جُوعًا وَتَفَكُّرًا،
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
t4t
وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه"1.
والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية.
والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 2، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام "3.
وقال الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} 4 والله سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 5 دخل المقبرة في البقيع قال6: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله7 بكم لاحقون" 8.فالاستثناء منه صلى الله عليه وسلم عائد إلى الإيمان أي على الإيمان بكم إذ9 الموت لا يشك فيه.
__________
1 لم يتبين لي قائله.
2 الكهف آية (23) .
3 تقدم تخريجه ص 750 وبين أنه حديث موضع.
4 الفتح آية (27) .
5 ما بين القوسين ساقط من الأصل وهو في - ح -.
6 في الأصل (فقال) .
7 في - ح - (عن قريب بكم....) .
8 أخرجه م. كتاب الجنائز (ب ما يقال عند دخول القبور) 2/670 من حديث عائشة - رضي الله عنها -، وأخرجه حم 2/300، جه كتاب الجنائز (ب ذكر الحوض) 2/1439 كلاهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
9 في الأصل جملة (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه) وليست في - ح - وإنما هي الموضع المتقدم، ومعنى كلامه هنا أن الاستثناء في الحديث هو في اللحوق بهم على الإيمان، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: "الاستثناء هنا على البقاع لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليهم فيه أو غيره"، وقيل: إنها على سبيل التبرك والامتثال لأمر الله. انظر: كتاب الإيمان للإمام أحمد ورقة 100/أ، شرح السنة للبغوي 5/470.
الَّذِي يَقِلُّ سَالِكُهُ، فَأَكْثَرُ النَّاسِ يَنْكَبُّونَ عَنْهُ فِي التَّمَتُّعِ إِلَى جَانِبِ الْإِفْرَاطِ وَالْإِسْرَافِ، فَيَكُونُونَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ لِمَا يَجْنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَحْفِرُونَ قُبُورَهُمْ بِأَسْنَانِهِمْ، يَعْنِي أَنَّهُمْ لِإِسْرَافِهِمْ فِي الطَّعَامِ يُصَابُونَ بِأَمْرَاضٍ تَكُونُ سَبَبًا لِقِصَرِ آجَالِهِمْ، وَإِسْرَاعِ الْهَرَمِ فِيهِمْ، وَالْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ يَنْحَرِفُونَ عَنْهُ إِلَى جَانِبِ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ، إِمَّا اضْطِرَارًا كَالْمُقَتِّرِينَ الْبَائِسِينَ، وَإِمَّا اخْتِيَارًا كَالزُّهَّادِ الْمُتَقَشِّفِينَ، وَالْتِزَامُ صِرَاطِ الِاعْتِدَالِ الْمُسْتَقِيمِ أَعْسَرُ وَأَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ، وَأَدَلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْعَقْلِ، وَكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.
لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ الْمُسْرِفِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ مُتَّبِعُ هَدْيِ الدِّينِ فِي إِسْرَافِهِ، وَقُصَارَى مَا يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ إِذَا عُذِلَ وَعِيبَ عَلَيْهِ إِسْرَافُهُ شَرْعًا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ لَمْ يَتَجَاوَزْ
حَدَّ مَا أَبَاحَهُ اللهُ لَهُ، وَإِذَا قَصَدَ الْمُعْتَدِلُ اتِّبَاعَ الشَّرْعِ بِإِقَامَةِ سُنَّةِ الْفِطْرَةِ وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِنْ جَسَدِهِ وَنَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَشَكَرَ اللهَ عَلَى نِعَمِهِ بِاسْتِعْمَالِهَا كَمَا يَنْبَغِي، فَقَلَّمَا يَفْطُنُ النَّاسُ لِذَلِكَ مِنْهُ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعُدُّهُ بِهِ كَامِلَ الدِّينِ مُعْتَصِمًا بِالْفَضِيلَةِ، فَهِيَ فَضِيلَةٌ لَا رِيَاءٌ فِيهَا وَلَا سُمْعَةٌ، وَإِنَّمَا الْمُفْرِطُونَ بِتَعَمُّدِ التَّقَشُّفِ هُمُ الَّذِينَ كَثِيرًا مَا يَغْتَرُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ وَيَغْتَرُّ النَّاسُ بِهِمْ، فَهُمْ عَلَى انْحِرَافِهِمْ عَنْ صِرَاطِ الدِّينِ يَدَّعُونَ أَوْ يُدَّعَى فِيهِمْ أَنَّهُمْ أَكْمَلُ النَّاسِ فِي اتِّبَاعِ الدِّينِ.
أَعْوَزَ هَؤُلَاءِ النَّصَّ عَلَى دَعْوَى كَوْنِ الْغُلُوِّ فِي التَّقَشُّفِ مِنَ الدِّينِ، فَتَعَلَّقُوا بِبَعْضِ وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مِنْ سِيرَةِ فُقَرَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ عَلَى تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ وَقَائِعَ الْأَحْوَالِ فِي السُّنَّةِ لَا يُسْتَدَلُّ بِهَا لِإِجْمَالِهَا وَتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إِلَيْهَا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ وَقَائِعُ مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَفْعَلُهُ؟
عَقَدَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي إِحْيَائِهِ كِتَابًا سَمَّاهُ (كِتَابَ كَسْرِ الشَّهْوَتَيْنِ) شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَشَهْوَةِ الْفَرْجِ، وَطَرِيقَتُهُ أَنْ يَبْدَأَ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ بِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ فَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ فَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، وَنَرَاهُ لَمْ يَجِدْ آيَةً يَبْدَأُ بِهَا مَوْضُوعَ (بَيَانِ فَضِيلَةِ الْجُوعِ وَذَمِّ التَّشَبُّعِ) فَبَدَأَهُ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا لَا يَعْرِفُ الْمُحَدِّثُونَ لَهُ أَصْلًا قَطُّ، وَبَعْضُهَا ضَعِيفٌ أَوْ مَوْضُوعٌ فَمِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا نَذْكُرُهُ غَيْرَ مُسْنَدٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ:
(1) جَاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ بِالْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَإِنَّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ كَأَجْرِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مَنْ جُوعٍ وَعَطَشٍ، (2) لَا يَدْخُلُ مَلَكُوتُ السَّمَاءِ مَنْ مَلَأَ بَطْنَهُ. (3) قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ مَنْ قَلَّ مَطْعَمُهُ وَضَحِكُهُ وَرَضِيَ بِمَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ. (4) سَيِّدُ الْأَعْمَالِ الْجُوعُ، وَذُلُّ النَّفْسِ لِبْسُ الصُّوفِ، (5) الْبَسُوا وَاشْرَبُوا وَكُلُوا فِي أَنْصَافِ الْبُطُونِ فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ. (6) الْفِكْرُ نِصْفُ الْعِبَادَةِ، وَقِلَّةُ الطَّعَامِ هِيَ الْعِبَادَةُ، (7) أَفْضَلُكُمْ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُكُمْ جُوعًا وَتَفَكُّرًا،
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
t4t
وقيل لبعض الحكماء: ما الصدق القبيح قال: "ثناء الإنسان على نفسه"1.
والإيمان من أعلى صفات الحمد، وإطلاق القول به تزكية مطلقة، والاستثناء فيه خروج من التزكية كما يقال للإنسان: أنت فقير أو مفسر؟ فيقول: نعم إن شاء الله لا في معرض الشك ولكن الإخراج نفسه عن التزكية.
والمعنى الثاني في الاستثناء: التأدب بذكر الله في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة الله تعالى، وقد أدب الله نبيه فقال: {وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً، إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 2، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من تمام إيمان المرء استثناؤه في كل كلام "3.
وقال الله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} 4 والله سبحانه عالم بأنهم يدخلون لا محالة، وأنه شاء دخولهم، وقوله إن شاء الله ليس على سبيل الشك، ولكن أدب الله نبيه والمؤمن في أن لا يتركوا الاستثناء ورد المشيئة إليه، فتأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) 5 دخل المقبرة في البقيع قال6: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله7 بكم لاحقون" 8.فالاستثناء منه صلى الله عليه وسلم عائد إلى الإيمان أي على الإيمان بكم إذ9 الموت لا يشك فيه.
__________
1 لم يتبين لي قائله.
2 الكهف آية (23) .
3 تقدم تخريجه ص 750 وبين أنه حديث موضع.
4 الفتح آية (27) .
5 ما بين القوسين ساقط من الأصل وهو في - ح -.
6 في الأصل (فقال) .
7 في - ح - (عن قريب بكم....) .
8 أخرجه م. كتاب الجنائز (ب ما يقال عند دخول القبور) 2/670 من حديث عائشة - رضي الله عنها -، وأخرجه حم 2/300، جه كتاب الجنائز (ب ذكر الحوض) 2/1439 كلاهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
9 في الأصل جملة (بما أدبه الله من ذكر الاستثناء في كلامه) وليست في - ح - وإنما هي الموضع المتقدم، ومعنى كلامه هنا أن الاستثناء في الحديث هو في اللحوق بهم على الإيمان، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: "الاستثناء هنا على البقاع لا يدري أيدفن في الموضع الذي سلم عليهم فيه أو غيره"، وقيل: إنها على سبيل التبرك والامتثال لأمر الله. انظر: كتاب الإيمان للإمام أحمد ورقة 100/أ، شرح السنة للبغوي 5/470.