عبــد الله بن ياسين مجدّد الشريعة في بلاد الصحراء من سنن الله -عز وجل- في خلقه أنهم كلما تاهوا ...
منذ يوم
عبــد الله بن ياسين
مجدّد الشريعة في بلاد الصحراء
من سنن الله -عز وجل- في خلقه أنهم كلما تاهوا في غيهم وضلالهم أرسل لهم من يجدد لهم أمر دينهم، فتطيعه طائفة من الناس ويزيغ عنه أكثرهم، ويُظهر الموحدون البراءة ممن خالف منهج الله -عز وجل- ويجالدونهم بالسيف حتى يُظهر الله دينه ويكون الدين كله له، من هؤلاء المجددين كان الداعية العالم المجاهد عبد الله بن ياسين.
بدأت قصته بقرار اتخذه شيخ قبيلة كدالة القاطنة في صحراء المغرب يحيى بن إبراهيم، وهو أن يبصّر قومه بشرائع الله ويعرفهم حدوده، وكان رجلا خيِّرا محبا للدين، وقد استمر بحثه عمن يخرج مغه داعبا لقومه فرفض كثير من الدعاة الخروج معه إلى الصحراء لما في ذلك من المشقة إلا الداعية المجاهد عبد الله بن ياسين، فإنه قَبِل المهمة واستعان بالله عليها.
قال السلاوي: «فانتدب لذلك رجل منهم يقال له عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان من حذاق الطلبة ومن أهل الفضل والدين والورع والسياسة، مشاركا في العلوم، فخرج مع يحيى بن إبراهيم إلى الصحراء»، وهكذا تحمّل ابن ياسين الغربة والمسير في قلب الصحراء ليحمل الدين إلى قوم تاهوا عنه.
ولمّا وصل عبد الله بن ياسين إلى مضارب قبيلة لمتونة وسألوه عما جاء به، أخبرهم بشرائع الإسلام التي جاء يعلمهم إياها ويطبق حدودها، قال ابن الأثير: «وقالوا: تذكر لنا شريعة الإسلام، فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه، فقالوا: أمّا ما ذكرت من الصلاة والزكاة، فهو قريب، وأما قولك: من قتل يُقتل، ومن سرق يُقطع، ومن زنى يُجلد أو يُرجم، فأمر لا نلتزمه، اذهب إلى غيرنا! فرحلا عنهم»، وهكذا امتنعت هذه القبيلة في بداية أمرها عن التزام الشريعة، فلم يقبل ابن ياسين بالبقاء بينهم دون التزام كامل بها.
ويمضي ابن ياسين إلى قبيلة كدالة بصحبة شيخها، قال ابن الأثير: «فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذين يجاورونهم إلى حكم الشريعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من أعرض وعصى»، ثم ألجؤوه بعد ذلك إلى الخروج عنهم لمّا ضاقوا ذرعا بأحكام الشريعة فلم يرضوا بتطبيقها، ولما لم يكن عند ابن ياسين قوة حينها لمحاربتهم أراد الخروج إلى السودان ليدعوهم، لكن شيخ كدالة أشار عليه بالمكوث في مدرسة مشهورة (يقال أنها قرب نهر السنغال). قال ابن خلدون: «فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحا في المصيف وغمرا في الشتاء، فتعود جزرا منقطعة. فدخلوا في غياضها منفردين للعبادة».
من الدعوة إلى الجهاد
ويشاء الله أن يكون هذا الداعية نواة طيبة لإقامة دولة إسلامية، قال ابن خلدون: «وتسامع بهم من في قلبه مثقال حبة من خير، فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم، ولمّا كمل معهم ألف من الرجالات، قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين: إن ألفا لن تُغلب من قلّة، وقد تعيّن علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه، فاخرجوا بنا لذلك، فخرجوا وقتلوا من استعصى عليهم من قبائل لمتونة وكدالة»، فخرج ابن ياسين مجاهدا في سبيل الله القبائل المرتدة الممتنعة عن التزام الشرائع.
ويروي ابن الأثير ذلك فيقول: «فقال ابن ياسين للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق، وأنكروا شرائع الإسلام، واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم راية، وقدموا عليكم أميرا»، وبتلك الفئة المؤمنة القليلة أخضع المرابطون الصحراء لحكم الله تعالى، قال السلاوي: «وجعل يغزو القبائل حتى ملك جميع بلاد الصحراء وذلل قبائلها... فاشتهر أمره في جميع بلاد الصحراء وما والاها من بلاد السودان وبلاد القبلة وبلاد المصامدة وسائر أقطار المغرب، وأنه قام رجل بكدالة يدعو إلى الله تعالى وإلى الصراط المستقيم ويحكم بما أنزل الله، وأنه متواضع زاهد في الدنيا، وطار له ذكر في العالم وتمكن ناموسه من القلوب وأحبته الناس»، فلما أرضى اللهَ بسخط الناس في بادئ أمره، أرضى الله عنه الناس بعد ذلك، فأحبوه ودخلوا في طاعته.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 56
الخميس 24 صفر 1438 هـ
• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
مجدّد الشريعة في بلاد الصحراء
من سنن الله -عز وجل- في خلقه أنهم كلما تاهوا في غيهم وضلالهم أرسل لهم من يجدد لهم أمر دينهم، فتطيعه طائفة من الناس ويزيغ عنه أكثرهم، ويُظهر الموحدون البراءة ممن خالف منهج الله -عز وجل- ويجالدونهم بالسيف حتى يُظهر الله دينه ويكون الدين كله له، من هؤلاء المجددين كان الداعية العالم المجاهد عبد الله بن ياسين.
بدأت قصته بقرار اتخذه شيخ قبيلة كدالة القاطنة في صحراء المغرب يحيى بن إبراهيم، وهو أن يبصّر قومه بشرائع الله ويعرفهم حدوده، وكان رجلا خيِّرا محبا للدين، وقد استمر بحثه عمن يخرج مغه داعبا لقومه فرفض كثير من الدعاة الخروج معه إلى الصحراء لما في ذلك من المشقة إلا الداعية المجاهد عبد الله بن ياسين، فإنه قَبِل المهمة واستعان بالله عليها.
قال السلاوي: «فانتدب لذلك رجل منهم يقال له عبد الله بن ياسين الجزولي، وكان من حذاق الطلبة ومن أهل الفضل والدين والورع والسياسة، مشاركا في العلوم، فخرج مع يحيى بن إبراهيم إلى الصحراء»، وهكذا تحمّل ابن ياسين الغربة والمسير في قلب الصحراء ليحمل الدين إلى قوم تاهوا عنه.
ولمّا وصل عبد الله بن ياسين إلى مضارب قبيلة لمتونة وسألوه عما جاء به، أخبرهم بشرائع الإسلام التي جاء يعلمهم إياها ويطبق حدودها، قال ابن الأثير: «وقالوا: تذكر لنا شريعة الإسلام، فعرفهم عقائد الإسلام وفرائضه، فقالوا: أمّا ما ذكرت من الصلاة والزكاة، فهو قريب، وأما قولك: من قتل يُقتل، ومن سرق يُقطع، ومن زنى يُجلد أو يُرجم، فأمر لا نلتزمه، اذهب إلى غيرنا! فرحلا عنهم»، وهكذا امتنعت هذه القبيلة في بداية أمرها عن التزام الشريعة، فلم يقبل ابن ياسين بالبقاء بينهم دون التزام كامل بها.
ويمضي ابن ياسين إلى قبيلة كدالة بصحبة شيخها، قال ابن الأثير: «فدعاهم عبد الله بن ياسين والقبائل الذين يجاورونهم إلى حكم الشريعة، فمنهم من أطاع، ومنهم من أعرض وعصى»، ثم ألجؤوه بعد ذلك إلى الخروج عنهم لمّا ضاقوا ذرعا بأحكام الشريعة فلم يرضوا بتطبيقها، ولما لم يكن عند ابن ياسين قوة حينها لمحاربتهم أراد الخروج إلى السودان ليدعوهم، لكن شيخ كدالة أشار عليه بالمكوث في مدرسة مشهورة (يقال أنها قرب نهر السنغال). قال ابن خلدون: «فنبذوا عن الناس في ربوة يحيط بحر النيل من جهاتها ضحضاحا في المصيف وغمرا في الشتاء، فتعود جزرا منقطعة. فدخلوا في غياضها منفردين للعبادة».
من الدعوة إلى الجهاد
ويشاء الله أن يكون هذا الداعية نواة طيبة لإقامة دولة إسلامية، قال ابن خلدون: «وتسامع بهم من في قلبه مثقال حبة من خير، فتسايلوا إليهم ودخلوا في دينهم وغيضتهم، ولمّا كمل معهم ألف من الرجالات، قال لهم شيخهم عبد الله بن ياسين: إن ألفا لن تُغلب من قلّة، وقد تعيّن علينا القيام بالحق والدعاء إليه وحمل الكافة عليه، فاخرجوا بنا لذلك، فخرجوا وقتلوا من استعصى عليهم من قبائل لمتونة وكدالة»، فخرج ابن ياسين مجاهدا في سبيل الله القبائل المرتدة الممتنعة عن التزام الشرائع.
ويروي ابن الأثير ذلك فيقول: «فقال ابن ياسين للذين أطاعوا: قد وجب عليكم أن تقاتلوا هؤلاء الذين خالفوا الحق، وأنكروا شرائع الإسلام، واستعدوا لقتالكم، فأقيموا لكم راية، وقدموا عليكم أميرا»، وبتلك الفئة المؤمنة القليلة أخضع المرابطون الصحراء لحكم الله تعالى، قال السلاوي: «وجعل يغزو القبائل حتى ملك جميع بلاد الصحراء وذلل قبائلها... فاشتهر أمره في جميع بلاد الصحراء وما والاها من بلاد السودان وبلاد القبلة وبلاد المصامدة وسائر أقطار المغرب، وأنه قام رجل بكدالة يدعو إلى الله تعالى وإلى الصراط المستقيم ويحكم بما أنزل الله، وأنه متواضع زاهد في الدنيا، وطار له ذكر في العالم وتمكن ناموسه من القلوب وأحبته الناس»، فلما أرضى اللهَ بسخط الناس في بادئ أمره، أرضى الله عنه الناس بعد ذلك، فأحبوه ودخلوا في طاعته.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 56
الخميس 24 صفر 1438 هـ
• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at