"أدومها وإن قل" ها قد مضت بنا أيام شهر رمضان سريعا كما أخبر ربنا سبحانه في كتابه: {أَيَّامًا ...

منذ 2025-03-29
"أدومها وإن قل"

ها قد مضت بنا أيام شهر رمضان سريعا كما أخبر ربنا سبحانه في كتابه: {أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ}، وعما قريب تنقضي آخر ساعاته وينفض سوقه وينادي المنادي: ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، نسأل الله أن يجعلنا فيه من الرابحين.

فنود في هذه المناسبة أن نذكّر عموم المسلمين بأن الغاية من الصيام كما هو معلوم تحقيق التقوى لله تعالى، يعني طاعة أمره واجتناب نهيه وتحصيل خشيته في السر والعلن، ولا شك أن هذا مقصد جميع العبادات في سائر العام، وليس فقط في رمضان.

وإن العباد يشتركون في الإمساك عن الحلال من الطعام والشراب في رمضان، لكنهم يتفاوتون في الإمساك عن الحرام؛ فهذا ممسك، وذاك مفرط وهنا يحصل التفاوت بين صائم وآخر.

وإن من لطائف رمضان أن الله تعالى أوجب الإمساك عن المفطرات في أيام رمضان، بينما أوجب الإمساك عن المحرمات طوال العمر، وهذا هو الذي عليه التعويل وهو مقياس الإيمان وبه تفاضل وامتاز المؤمنون.

ولا شك أن المؤمن يجتهد في رمضان في الطاعات والقربات ما لا يجتهد في غيره من الشهور اقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا أمر طبيعي وهو المطلوب، ولكن يعاني البعض من انتكاسة وفتور بعد انقضاء رمضان بسبب بعد المسافة بين حد الطاعة في رمضان وحد الطاعة بعده، أي أن ورده من الصلاة والقيام والذكر وتلاوة القرآن في رمضان يفوق بأضعاف ورده بعد رمضان، والذي يقل عند الكثيرين حتى يضمحل أو يكاد.

وللتغلب على هذه الآفة التي تعتري العباد في زمن ضعف الإيمان وطغيان الملهيات والشهوات، عليك أيها المؤمن بالتوجيه النبوي العميق الذي نقلته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (أدومها وإن قل)، وقال: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون) [رواه البخاري]

وليتأمل المسلم أن هذه الوصية النبوية صدرت عمّن كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه -صلى الله عليه وسلم-، وكان خير من جدّ واجتهد في عبادة مولاه، ومع ذلك فهو يبين لأتباعه أن أحب الأعمال أدومها وإن قل، لأن العبرة بالمواظبة على الطاعة فقليل دائم خير من كثير منقطع.

ولا يعني هذا بحال عدم الاجتهاد في الطاعة والمسارعة والمسابقة إليها والتنافس فيها كما نصت عليه نصوص القرآن والسنة المطهرة، وإنما مقصد التوجيه النبوي السابق بيّنه شطر الحديث في قوله: (اكلفوا من الأعمال ما تطيقون) أي ليكن اجتهادك أيها العبد في الطاعة على النحو الذي تقدر عليه وتحتمله، دون أن يؤدي بك إلى تفويت واجب أو يفضي بك إلى ملل ينقلك من الجد إلى التقصير في الطاعات وهو ما بيّنه الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في شرحه للحديث السابق فقال: "(ما تطيقون): أي قدر طاقتكم، والحاصل أنه أمر بالجد في العبادة والإبلاغ بها إلى حد النهاية، لكن بقيد؛ ما لا تقع معه المشقة المفضية إلى السآمة والملال". [فتح الباري]

ولذلك ينبغي للمسلم أن يضبط مساره التعبدي بعد رمضان بما يناسب قدراته وطاقته وكل أدرى بنفسه، على أن تكون النتيجة هي مواصلة الطاعة لا هجرها، فمن كان يقيم معظم الليل فليحرص على المواظبة على أقله ولو ركعتين، ومن كان يعدد الختمات كل ثلاثة أو أقل أو أكثر، فليحافظ على ختم القرآن كل سبعة أو عشرة، ومن كان ورد تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وحوقلته... بالآلاف أو المئات فليداوم على ورده ولو بالعشرات، وهكذا فليحرص المسلم على طاعته بالحد الذي يحقق له الدوام عليها وانشراح الصدر لها ولا شك أن هذا لن يخلو من مجاهدة النفس وإرغامها وإلزامها فإما تقودها إلى نجاتك، أو تقودك إلى حتفك، فانتبه.

وختاما نسأله تعالى أن يتقبل منا طاعاتنا وأن يرزقنا حسن الاتباع لهدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يتوفانا على الإيمان ويختم لنا بالحسنى، والحمد لله رب العالمين.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 488
السنة السادسة عشرة - الخميس 27 رمضان 1446 هـ

مقال:
"أدومها وإن قل"

671c2d4603ce0

  • 0
  • 0
  • 9

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً