رؤى.. وأحلام قيل في شأنها الكثير، وخاض فيها من يجهل ومن يحسن التعبير، منها ما يُفرح ويبشِّر، ...

منذ 2025-04-04
رؤى.. وأحلام

قيل في شأنها الكثير، وخاض فيها من يجهل ومن يحسن التعبير، منها ما يُفرح ويبشِّر، ومنها ما يحزن ويُنفّر، إذا كانت من الله تعالى صلحت وصدقت، وإذا كانت من الشيطان فسدت وكذبت، والبشر في تلقيها ثلاثة؛ إما غالٍ فيها يبني عليها كل تفاصيل حياته ومن حوله، بل يعدها أحيانا وحيا يوحى إليه كالصوفية ومن شابههم، وإما وسط يتلقاها وفق ما دلت عليه النصوص الشرعية فيستأنس بخيرها ويستعيذ بالله من شرها، وإما منكر لها لا يرى فيها إلا هلوسات وأخلاطا كالفلاسفة وبعض المعتزلة وبعض الأطباء... وبين هذا وذاك، تبقى هي بين المبشرات الصادقة وأحاديث النفس وأضغاث الأحلام.

- الرؤيا حق:

وقد ورد ذكر الرؤى في الكتاب العزيز في أكثر من موضع؛ قال تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [الأنفال: 43]، وقال أيضا: {إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4]، وقال أيضا: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ} [الفتح: 27]، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كانت رؤيا الأنبياء وحيا»، وأول ما بُدئ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الوحي الرؤيا الصالحة.

والأحاديث والآثار الدالة على ثبوت الرؤيا وأنها حق، كثيرة وفيرة، وكما أن رؤيا الأنبياء وحي، فإن رؤيا الصالحين من مبشرات النبوة وجزء منها؛ فعن أنس بن مالك، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (الرؤيا الحسنة، من الرجل الصالح، جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة) [رواه البخاري]، وعن أبي الدرداء، قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن قوله: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ} [يونس: 63 - 64] فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له) [رواه مسلم]. ولفظ الرجل الصالح هنا ليس للحصر فقد تكون الرؤيا الحسنة من المرأة الصالحة. ولا يعني هذا أن الصالح لا يرى إلا الرؤيا الحسنة الصادقة بل قد يرى الأضغاث أيضا وإن ندر ذلك. والناس في صدق رؤاهم مختلفون وكلٌّ ومنزلة إيمانه وصلاحه.

وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: (هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ إنه ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة) [رواه أبو داود].

- التعامل مع الرؤى والأحلام:

وقد علّمَنا سيد الأولين والآخرين -عليه الصلاة والسلام- كيف نتعامل مع الرؤيا، فجعل لها ولرائيها ومعبرها آدابا، والرؤى على ثلاثة أقسام؛ رؤيا صادقة، وحديث نفس وأضغاث أحلام، وتلاعب شيطان؛ عن أبي سعيد الخدري، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمد الله عليها وليحدِّث بها، وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحد، فإنها لا تضره) [رواه البخاري].

وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- كل مسلم ومسلمة أن لا يحدِّثا أحدا بتلاعب الشيطان بهما في المنام، فتارة يحزنها وتارة يخيفهما؛ أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لأعرابي جاءه فقال: إني حلمت أن رأسي قُطع فأنا أتبعه، فزجره النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (لا تخبر بتلعّب الشيطان بك في المنام).

بل يكتفي المسلم والمسلمة بما قد أرشدَنا نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى التزامه عند رؤية ما يكره؛ فعن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثا، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) [رواه مسلم].

وتأويل الرؤى هو من العلم الشريف الذي يمنّ الله به على من يشاء من عباده، ممَّن علم التنزيل وفقه التأويل، كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6]، فهذا العلم كان يقوم عليه الأنبياء، وأتباعهم من حوارييهم وصحابتهم ومن تبع هداهم وعمل بسنتهم، ولكننا بتنا نرى اليوم من يتصدر لهذا العلم من الجهّال والأدعياء، بل ومن الفسّاق والماجنين، والسحرة والمرتدين.

فالحذر الحذر من التصدي لهذا العلم بغير هدى ولا كتاب منير، والحذر الحذر من عرض الرؤى والأحلام على كل من هب ودب من الأدعياء، الذين يسوقون بضاعتهم بتأويل الرؤى على الوجه الذي يُرضي أصحابها ليمنّوهم ويأمّلوهم، ويكسبوا بذلك وجوههم وأموالهم.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART

675b0ecd560d4

  • 1
  • 0
  • 4

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً