تَوكَّلُّوا عَلى الله لا على عُدَدِكم لا يُجادِل مسلمان اثنان في أنَّ إعداد العُدة للجهاد في ...

منذ 8 ساعات
تَوكَّلُّوا عَلى الله لا على عُدَدِكم

لا يُجادِل مسلمان اثنان في أنَّ إعداد العُدة للجهاد في سبيل الله من الأمور الواجبةِ المطلوبة، وقد حثَّ الله سبحانه وتعالى عليها في كتابه الكريم بقوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]، ولا شكَّ أنَّ إعداد العدة من الأمور التي تُعين على النصر والظفر على الأعداء.

وقد امتثل جنود الخلافة -بفضل الله عزوجل- لهذا الأمر الإلهي، فأعدوا ما وفقهم الله له، وقد رأى العدو من ذلك شيئا يسيرا، والقادم بإذن الله أدهى وأمر، إلَّا أنَّه لا ينبغي للمسلم الموحِّد أن يجعل اعتمادَہ وتوكلَّه على ما أعدَّہ واستعدَّ به، بل عليه أن يَتبرَّأ من حوله وقوَّته إلى حول الله وقُوَّته، وألَّا تغرَّہ هذه القوة في شيء، فهي وإن كان إعدادها سببا من أسباب النصر، فإن الاغترار بها سبب من أسباب الهزيمة، ولنا في سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، ولنا فيما أصابهم يوم حنين عظة وعبرة، قال تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} [التوبة: 25-26].

قال ابن كثير في تفسيره: «ذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بِعَددهم ولا بعُدَدهم، ونبَّههم على أنَّ النَّصر من عنده، سواء قلَّ الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئا فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أنزل [الله] نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه».

فيا أيُّها المجاهد الموحد كن على علم بأن إعدادك امتثالٌ لأمر الله وأن النصر إنما يأتي من عنده سبحانه، وأنك بالتزامك طاعته وانتهائك عما نهى عنه يُكتب لك النصر والظفر، واعلم أنَّه كما أمرك بإعداد العدة فقد أمرك بالتوكل عليه وحده لا على شيئ سواه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِہِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3].

وليعلم المجاهد الموحِّد أن تزعزع النيات وتقلب القلوب أشد عليه وأخطر من الحشود مهما بلغت ومن طائرات العدو مهما كثرت وقصفت، فليحرص على هذا القلب أشد الحرص، وليحذر من إبليس ووساوسه فإن حرصه على تغيير النيات عظيم، وهو لا يسأم منه حتى تفارق الروح الجسد، وليكن قلبه دائما معلقا بالله وحده لا ينزعه عن ذلك التعلّق شيء.

وليحذر من عبارات قد تطلقها الألسنة ما يلبث أثرها أن يصل إلى القلوب، من مثل «أن الاستشهاديين -مع عظيم نكايتهم بأعداء الله- يحسمون المعارك»، أو أنه «ما دام معنا سلاح كذا، فلن نهزم أو نغلب»، أو أن «ما أعددناه من وسائل كاف لإلحاق الهزيمة بالأعداء»، وليكن لسان حال المجاهد ومقاله ومعتقد قلبه الجازم أنه لا معوّل ولا اعتماد على ما أعده -وإن عظم- إلا من جهة أنه استجاب لأمر الله به.

يا أيها المجاهد يا من خرجت لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، يا من ضحيت بكل شيء ليسود التوحيد أرجاء العالم، توحيدُك لا تكن ممن يُنقِصه أو يخرمه، فتوكل على الله حق التوكل، فهو مصرّف الأمور مسبّب الأسباب بأمره سبحانه وتعالى.


* المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 67
الخميس 11 جمادى الأولى 1438 ه‍ـ

675b0ecd560d4

  • 1
  • 0
  • 3

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً