لماذا تخيفهم الخلافة! بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، ...

منذ 2025-12-30
لماذا تخيفهم الخلافة!



بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، فارتعد لذلك وأصدر أمرا بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، حتى شُكي إليه أنّ فعله هذا سيؤول إلى فناء مَن يخدمهم ما يعني اضطرارهم للعمل مكانهم، عندها جعل القتل عاما دون عام!، فوُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الأولاد كقدر قاهر لفرعون وأضرابه من الطغاة، وتربّى على نفقة فرعون، ثم ما هي إلا سنوات وإذْ بمُلْك فرعون ينهار ويفنى فأغرقه الله هو وجنوده، ورغم كل ما فعله فرعون مِن تدابير وقاية فإنها لم تمنع نفاذ قدر الله فيه.

قال ابن كثير رحمه الله: "وكثيرًا ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام، مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حَذر من موسى كل الحذر، فسخّره القدر أن رَبَّى هذا الذي يُحذَّر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية، وقوّى رأسه وتولّى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل،... حتى أحلّ الله بهم بأسه الذي لا يُرَد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين".

وعلى هذا يسير كل طواغيت العصر اليوم محاولين أن يمنعوا قدر الله الذي يعلمونه، ولكن هيهات هيهات، فقد قدِمت أمريكا بجيوش جرارة إلى العراق وقادت حربا شرسة ضد المجاهدين وهي تعلم أن المجاهدين يريدون إقامة الخلافة حتى قال طاغوتهم "بوش" يومها: "الإرهابيون يعدون العراق جبهة مركزية في حربهم ضد الإنسانية، ويتحتم علينا الاعتراف بكون العراق جبهة مركزية في حربنا على الإرهاب، يعتقد المسلحون بأن السيطرة على أحد البلدان سيحشد جماهير المسلمين، وذلك سيمكنهم من الإطاحة بالحكومات المعتدلة في المنطقة وتأسيس إمبراطورية إسلامية أصولية تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا".

صدق وهو الكذوب، فما هي إلا سنوات حتى أُعلنت الخلافة تحقيقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وامتدت ولاياتها إلى أصقاع من الأرض إيذانا بفتح أعظم تحظى به أمة الإسلام قريبا إن شاء الله.

فكوّنت أمريكا الصليبية تحالفا عالميا يلج إليه كل يوم ثعلب من الثعالب الطغاة؛ للقضاء على الخلافة؛ فيزداد ثباتها وتصلّبها ويظهر خيرها للمسلمين ليستبين لهم صدق منهجها وتفرّدها بحمْل دفة الصراع ضد أمم الكفر أجمعين.

وما تزال الخلافة قائمة إلى اليوم بفضل الله وتأييده، رغم أنوف طواغيت أمريكا والتحالف الصليبي، الذين يعلمون هدف الدولة الإسلامية المنوط بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها)، وبُشْراه عليه الصلاة والسلام بفتح روما، فهؤلاء الطواغيت يدفعون قدرا لا محالة واقع، وإن جيّشوا الجيوش عسكريا وإعلاميا واستخباريا وغيرها.

إذْ صارت الخلافة بالنسبة لدول التحالف الصليبي كابوسا ومصدر قلق ما فتئوا يُعربون عنه بين حين وآخر، حتى غدا أشد ما يظنون وأخوف ما يخافون، وكلما نشط أجناد الخلافة في صقع أو بلد نادى طواغيت ذلك البلد -بتباكٍ واستنجاد- العالمَ بأسرِه بدُوله ومنظماته؛ لدعمهم في حرب جنود الخلافة، ما يعني يأسهم جميعا مِن تصدي تلك الدول بمفردها لمن عندهم من مجاهدي دولة الإسلام رغم قلتهم بالنسبة للجيوش المحيطة بهم، أوَقد بلغ بهم الخوف من الخلافة إلى هذه الدرجة؟!

إن القوم يعلمون أن الخلافة حُلُمٌ كان يطلبه المسلمون من سنين، يجمع شتاتهم بإمام واحد يقودهم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

تخيفهم الخلافة؛ لأنها تفتح لأبناء المسلمين سوق الجهاد في سبيل الله الذي أوصده الطواغيت وصدوا الناس عنه لعقود طويلة.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تُنصّب خليفتها بصناديق الاقتراع، بل بصناديق الذخيرة والرصاص، ولأنها لا توقِّع على حفظ مصالح الصليبيين واليهود، إنما تحفظ أمور الدين.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تلتزم بقوانين أمم الكفر بل تضعها تحت أقدامها وتدوس بسنابك خيلها قاعات مؤتمراتها وتغزوها فاتحة إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.

وتخيفهم الخلافة؛ لوضوح مشروعها وهدفها بردِّ جميع الديار التي حُكمت يوما بشرع الله، الأمر الذي يُفقد الطواغيت هيمنتهم العالمية والغطرسة والجبروت الذي يفرحون به الآن، ويهدد طرق ملاحتهم وتجارتهم.

وإن إيصال الإرهاب إلى الكافرين أمر إلهي ومنهج نبوي قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، فهذا خطاب القرآن للمؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من القوة التي ترهب العدو وتخيفه ثم يتكفل الله سبحانه بإيصال "الرعب" إلى قلوب الكافرين، ذالكم الجندي من جنود الله يسلطه على الكافرين، وهو خصيصة خصَّ الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته مِن بعده، قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر).

وإن التمكين للمستضعفين وعدٌ لمن آمن بالله وصدَق مع الله، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وليكونن ذلك وإن حَذِر الكافرون وحذّروا، وإن قلقوا واستنفروا، قال تعالى بعدها: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.

وإن وُجد الذين يريدون أن يُغيّروا فإنّ الله وعدهم بأن يغيّر لهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وخاصة إن عملوا بأسباب التغيير من الصبر واليقين لتنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فمن لم يصبر ويحتمل الشدائد في سبيل الله أو كان شاكا في نصر الله له حُرم الإمامة في الدين والتوفيق للتمكين، ومع شدة تهديد الكافرين وأمم الصليب للموحدين وأنصارهم يزداد يقينهم بالله العظيم، فهذه سُنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فحين سمعت بنو إسرائيل تهديد فرعون شكوا ذلك لموسى عليه السلام فقال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فحتما ستكون العاقبة للمتقين، وحتما سيورث الله الأرض عباده الصالحين، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، والحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 1
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً