مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت - الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما ...

منذ 2025-12-30
مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت -


الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما فيه صلاح العباد، والصلاة والسلام على نبينا محمد مَن عمَّ خيره الورى في كل سهل وواد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التناد، وبعد.

فالخطايا يركب بعضها بعضا، ومن رام اجتناب أعلاها فعليه دفع أدناها وسدّ بابها الأول، وقد جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى أحد عماله وولاته وهو الأحنف بن قيس فقال له: "مَن كثر ضحكه قلت هيبته، ومَن كثر مزاحه استخف به، ومَن أكثر من شيء عُرف به، ومَن كثر كلامه كثر سقطه، ومَن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه" [شعب الإيمان]

ومِن طرق سدّ الشر الأخذ بخلق الصمت الذي يعتبر علاجا للكثير من مصائب الكلام وسقطات اللسان، وهو سمة أهل النهى والألباب، ومنقبة للأبرار الأخيار، كما أن تركه وإكثار الكلام مذمّة ودليل جهل وخفة عقل، وباب استدراج لمعاصي الأقوال وسوءِ الأعمال، وسبب من أسباب قسوة القلب، وهو مما يكرهه الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال...) [رواه أحمد]

ونال الصمت نصيبا من التوصية به من قِبَل أخيار هذه الأمة من سلفها الصالح ومن بعدهم حتى ألّف بعضهم فيه المصنفات والأجزاء الحديثية، ترغيبا فيه وتذكيرا بفضائله؛ لما له من حضور بيّن في مقام الآداب.

أما معنى الصمت لغةً فقيل إنه مأخوذ من: "صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ، وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ، ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت، وَيُقَال: أَخذه الصُّمات، إِذا سكت فلم يتكلم". [المعجم الوسيط]، أما في الاصطلاح فقيل إنه: "إمساك عن قوله الباطل دون الحق".

قال النيسابوري: "ترك الكلام له أربعة أسماء:
1- الصمت، وهو أعمّها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد" [غرائب القرآن ورغائب الفرقان]

والقدوة في هذا الخلق هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان يوصي أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا ذر فقال له: (عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه). [شعب الإيمان]

وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن عرف مكانة الصمت وخطر اللسان، فأخذ بطرف لسانه وقال: "هذا الذي أوردني الموارد" [رواه النسائي].

وكثرة الصمت تورث الهيبة، فعن علي رضي الله عنه قال: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".

والصمت من السمت الحسن للمرء الذي ينبغي تعلمه والحرص عليه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب" -يعني إلى غير حاجة-. [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق]، وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجت الصمت ثنتي عشرة سنةً، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت". [الصمت لابن أبي الدنيا]

والصمت أعظم الحكمة فعن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: "الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس". [الصمت لابن أبي الدنيا]

وقال: أبو عمر الضرير: "سمعت رياحًا القيسي، يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول". [حلية الأولياء]

وأكثر ما يحمل الإنسان على كثرة الكلام جهله بأن كلامه من عمله، قال عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [رواه البيهقي]

والصمت وقاية من آفات اللسان، وإنْ كثر لغط العبد كثرت هفوات لسانه بكلام لا يجني منه سوى الآثام، ولقد جاء القرآن الكريم مبينا أن الكلام محسوب على العباد؛ لأن الله تعالى جعل لهم ملائكة كتبة حافظين، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]

قال ابن كثير: "{مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] [التفسير] وقال الشوكاني: أي: "ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي: على ذلك اللافظ رقيب، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال، والعتيد: الحاضر المهيأ". [فتح القدير]

وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر، قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء". [تفسير القرآن]

ومن استحضر سمع الله لكلامه وعلم أنه موقوف ومسؤول يوم القيامة عما يقول كثر صمته، فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [رواه البخاري] قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" [التمهيد]

وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" [شرح صحيح مسلم]

وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [رواه البخاري]

قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" [الاستذكار]، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" [فتح الباري]

ومن ملك لسانه فقد ملك خيرا كثيرا، وكفى نفسه شرا كثيرا، ونجّى نفسه من حُفَرٍ عديدة ومزالق شتى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [رواه الترمذي]، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا). [رواه الترمذي]

ربنا وفقنا لما تحب وترضى وارحم ضعفنا وقنا شر نفوسنا، أنت ولينا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 1
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً