مقال: سلوى الحزين الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام ...

منذ 2025-12-30
مقال: سلوى الحزين


الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فالإنسان له مواطن ضعف ومواطن قوة، وكلما رأى الشيطانُ من الإنسان ضعفا سعى لانتهاز الفرصة؛ لأنه عدوٌ لدود له، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فهو يسعى لإشغال المؤمنين عن عبادة الله بكل حيلة، فإن رآه حريصا على إتمام عباداته وعمله بالمستحبات فإنه يسعى ليصرفه عن ذلك كله، فيبدأ بصرفه عن المستحبات ثم ما يليها من كمال المفروضات من الخشوع والتدبر ثم التمادي حتى يسلبه الإيمان، فهو عدو لا يكل ولا يملُّ في حربه على عباد الله بكل وسائله وطرقه المتعددة، ومن مظاهر عداوته استغلاله بعض حالات الضعف للإنسان ليزيده ضعفا، ومن ذلك حرصه على إدخال الهموم والأحزان على العباد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره". [طريق الهجرتين]


• القرآن ينهى عن الحزن

والحزن يكون على ما مضى، والهم على الحاضر والمستقبل، وقد جاء النهي صريحا عن الحزن في القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].

بل إن من نعيم الجنة ألا حزن فيها فأهل الجنة يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34].

وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن) [متفق عليه]، فالحزن لا فائدة منه فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بل هو مشتِّت للقلب، مُشغل عن العمل، لا تستقيم معه الحال، ولا يهدأ لصاحبه بال، وهو يُضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، وهو مدخل من مداخل الشيطان ليقعد بالمرء عن عمل الصالحات.

والقَدَر الذي نتج عنه ما تكرهه النفس هو مكتوب سابقا وهو حاصل لا محالة، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل مصيبة قدرها الله فلا رادّ لها، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].

وللحزن أسباب كثيرة وأعظم ما يدفعها إدراكُ القلب أن الله تعالى لن يقدّر على عبده إلا خيرا وهو أعلم بما يصلح لعباده، وعلمُه أن ليس كل محابّ المرء صالحة وخيرا محضا لقلبه ونفسه، وليس كل ما تكرهه النفس شرا محضا قال تعالى: {فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، فالخير كل الخير فيما قدّره رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، فهنا تطيب النفس راضية بما قدره الله عليها وتستقبل المحن وكأنها منح.

ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة، فعندما توفي ابنه قال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). [البخاري] فالمؤمن وإن أصابه الحزن لمصيبة ألمّت به فإنه يسلّم لله ويرضى، وهو ما يسمى بـ"الصبر الجميل" قال النبي يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] وهو الذي لا سخط فيه ولا جزع، بتسليم وإذعان ورضى.

ولا يكونن المرء أسيرا للأحزان فيدفعه ذلك للتسخط والاعتراض على أقدار الله والجزع، وسَعِد من بثّ شكايته إلى الله وأكثر من الدعاء الصادق الخالص، فإن له في ذلك أسوة وقدوة بنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. وينبغي للمسلم ألا يجعل لليأس طريقا إلى قلبه؛ فذلك حال الغافلين البُعداء عن الله، المعرضين عن أبوابه، ولذا حذّر يعقوب عليه السلام أبناءه من ذلك وهو الذي امتلأ حزنا وأسى على فراق ابنيْه، فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87 ].

• محبة الله دواء الأحزان

والمُسَلَّم من ذلك هو المُسْلم العارف بالله تعالى، فمن عرف ربه أحبه ومن أحبه هان عليه كل شيء، ولن يجد الشيطان حينئذ مدخلا لقلب مُلئ حُبا لله، قال ابن الجوزي رحمه الله: "ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف بربه مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمه، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل ربه فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به الأقدار، بعد يقينه بحكمة الله، وثقته بحسن تدبيره، وصفة العارف بالله قلبه مراقبٌ لمعروفه، وقائمٌ بين يدي الله، ناظرٌ بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها...، فهذا الذي لا همَّ عليه في الدنيا، ولا غمَّ عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القلب، ولا خوف عليه يوم المحشر". [صيد الخاطر]

وبهذه المعرفة تحقق للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضى الله عنه الحفظ والرعاية عندما كانا في الغار وجاءهم جمع المشركين يبحثون عنهما فقال أبو بكر يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فجاءه الجواب اليقيني: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا أخبر الله تعالى عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن". [طريق الهجرتين]

وقال رحمه الله: "القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجلّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه"، وقال: "الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح". [زاد المعاد]


• الحزن منه المذموم والمحمود

والحزن لم يُذّم كله، قال ابن الصباغ الشافعي رحمه الله: "الحزن يكون على ثلاثة أضرب: واحد منها مذموم، ولا يقرب إلى الله تعالى، ولا يكفر السيئات، وهو الحزن على ما لم ينله من الدنيا وزينتها، قال الله تعالى: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}. والضرب الثاني: ما يلحق العبد من الحزن بطروق مصيبة تلحقه في أهله وماله، فذاك مما طبعه الله تعالى عليه، ولا يحصل بقصده واختياره، بخلاف الأول؛ لأنه يحصل بمحبة الدنيا واختياره لها، فهذا الضرب يكون كفارة له، وهو مندوب إلى صرفه عن نفسه، بتذكر فناء الدنيا وفنائه فيها. والضرب الثالث: هو قربة وطاعة، وهو حزنه على ما مضى من ذنوبه، وعلى ما فاته من طاعة ربه، وعلى تخلّفه عن السابقين بالدرجات في الطاعات". [الطريق السالم إلى الله]

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 1
  • 0
  • 4

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً