مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر) الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على ...
منذ ساعتين
مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر)
الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واتباع للحق في قليل أو كثير، وبعد.
فإننا في زمن تلاطمت فيه الفتن وتفنّن الطواغيت في إفساد دين العباد، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [رواه مسلم]، ويصبح البُعداء من الفتن غرباء كما قال عليه الصلاة والسلام: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) [رواه مسلم].
ومِن الغربة التي نعيشها اليوم؛ مسارعة كثير من المنتسبين للإسلام إلى إرضاء الكافرين علنًا والتحالف معهم لمحاربة كل من يريد إقامة شرع الله؛ كرها لشرع الله ومحبة للكافرين، وقد قال الله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
وهناك من يزعم أنه مسلم ويصلي ويصوم ويحسب أنه من المؤمنين ومن المحبين لدين الله؛ لكنه يقول للذين كرهوا ما نزل الله "سنطيعكم في بعض الأمر"، "سنعاونكم في بعض الشيء"! فما حال ومآل هؤلاء؟ قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28]
قال ابن كثير رحمه الله: "{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، {مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي: زين لهم ذلك وحسنه، {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: غرهم وخدعهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي: يعلم ما يسرون وما يخفون، الله مطّلع عليه وعالم به، كقوله: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، ثم قال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} الآية [الأنفال: 50]". [التفسير]
فمن تأمل هذه الآيات وتدبرها علِم الوعيد الشديد لمن اتبع الطواغيت في أحكامهم الكفرية وقوانينهم الجاهلية، أو في معاونتهم في حربهم على المسلمين في أي مكان، وكفى بحالهم شرا ما حكاه الله عن خاتمتهم السيئة بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم والعياذ بالله.
وقد حذر العلماء قديما وحديثا من اتباع سبيل الطواغيت ومؤازرتهم على الباطل وطاعتهم فيما يخالف دين الله.
وهذا حكم الله فيمن قال: سنطيعكم في البعض، فكيف بمن قال لهم: سنطيعكم في كل الأمر؟!
وسبب هذا المنزلق الذي وقعوا فيه هو تسويل الشيطان لهم، فهو الذي زيّن لهم الكفر والردة، ومنّاهم بطول الأعمار {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}؛ لأن طول الأمل يقود الإنسان إلى التعلق بالدنيا والافتتان بها والوقوع في المعاصي والكفر، وبعضهم يقول: إنا لا نريد الكفر ونعرف أن هذه الحكومات على باطل، لكن فقط نحتاج إلى راتبهم وأموالهم من دخولنا معهم أو انتسابنا إليهم، وبعضهم يقول: هم يلزموننا بالتجنّد معهم ونحن نخاف منهم وسيضيقون علينا في أمور المعيشة والخدمات.
وهذا كله ليس عذرا لهم؛ لأن أنظمة الكفر والردة وأحكامهم الجاهلية وحربهم لشرع الله ما قام إلا على أكتاف هؤلاء الجنود والمعاونين، قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم: أنهم من بعد ما تبين لهم، ارتدوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة: غرهم الشيطان وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيراً من المشركين يعرفون الحق، ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به؛ محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرياسات، ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فأخبر تعالى: أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر". [الدلائل]
وبعضهم إذا قيل لهم انفروا للجهاد وانصروا المجاهدين وحكّموا شرع الله يأبون، وإذا جاءهم الطاغوت دخلوا معه واحتجوا بالاستضعاف، وهذا أيضا ليس بعذر لهم، قال الشيخ سليمان أيضا: في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} "أي: في أي فريق كنتم، أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين: "بالاستضعاف" فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ولا يشك عاقل: أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، صاروا مع المشركين وفي فريقهم وجماعتهم.
هذا مع أن الآية نزلت: في أناس من أهل مكة أسلموا، واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر؛ فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطّؤوهم، وظهر فيهم: سبهم، وشتمهم، وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؛ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. [الدلائل]
وكأنما يخاطب الشيخ -رحمه الله- أهل زماننا هذا، ولا عجب فطريق الشيطان واحدة وأسلوب أوليائه واحد وحججهم واحدة؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53]، وهذه فتوى أئمة التوحيد من القديم، فإياك إياك أخي المسلم وفتاوى دعاة السوء أحباب الطواغيت، فيذهب دينك لدنيا غيرك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واتباع للحق في قليل أو كثير، وبعد.
فإننا في زمن تلاطمت فيه الفتن وتفنّن الطواغيت في إفساد دين العباد، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [رواه مسلم]، ويصبح البُعداء من الفتن غرباء كما قال عليه الصلاة والسلام: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) [رواه مسلم].
ومِن الغربة التي نعيشها اليوم؛ مسارعة كثير من المنتسبين للإسلام إلى إرضاء الكافرين علنًا والتحالف معهم لمحاربة كل من يريد إقامة شرع الله؛ كرها لشرع الله ومحبة للكافرين، وقد قال الله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
وهناك من يزعم أنه مسلم ويصلي ويصوم ويحسب أنه من المؤمنين ومن المحبين لدين الله؛ لكنه يقول للذين كرهوا ما نزل الله "سنطيعكم في بعض الأمر"، "سنعاونكم في بعض الشيء"! فما حال ومآل هؤلاء؟ قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28]
قال ابن كثير رحمه الله: "{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، {مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي: زين لهم ذلك وحسنه، {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: غرهم وخدعهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي: يعلم ما يسرون وما يخفون، الله مطّلع عليه وعالم به، كقوله: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، ثم قال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} الآية [الأنفال: 50]". [التفسير]
فمن تأمل هذه الآيات وتدبرها علِم الوعيد الشديد لمن اتبع الطواغيت في أحكامهم الكفرية وقوانينهم الجاهلية، أو في معاونتهم في حربهم على المسلمين في أي مكان، وكفى بحالهم شرا ما حكاه الله عن خاتمتهم السيئة بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم والعياذ بالله.
وقد حذر العلماء قديما وحديثا من اتباع سبيل الطواغيت ومؤازرتهم على الباطل وطاعتهم فيما يخالف دين الله.
وهذا حكم الله فيمن قال: سنطيعكم في البعض، فكيف بمن قال لهم: سنطيعكم في كل الأمر؟!
وسبب هذا المنزلق الذي وقعوا فيه هو تسويل الشيطان لهم، فهو الذي زيّن لهم الكفر والردة، ومنّاهم بطول الأعمار {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}؛ لأن طول الأمل يقود الإنسان إلى التعلق بالدنيا والافتتان بها والوقوع في المعاصي والكفر، وبعضهم يقول: إنا لا نريد الكفر ونعرف أن هذه الحكومات على باطل، لكن فقط نحتاج إلى راتبهم وأموالهم من دخولنا معهم أو انتسابنا إليهم، وبعضهم يقول: هم يلزموننا بالتجنّد معهم ونحن نخاف منهم وسيضيقون علينا في أمور المعيشة والخدمات.
وهذا كله ليس عذرا لهم؛ لأن أنظمة الكفر والردة وأحكامهم الجاهلية وحربهم لشرع الله ما قام إلا على أكتاف هؤلاء الجنود والمعاونين، قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم: أنهم من بعد ما تبين لهم، ارتدوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة: غرهم الشيطان وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيراً من المشركين يعرفون الحق، ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به؛ محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرياسات، ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فأخبر تعالى: أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر". [الدلائل]
وبعضهم إذا قيل لهم انفروا للجهاد وانصروا المجاهدين وحكّموا شرع الله يأبون، وإذا جاءهم الطاغوت دخلوا معه واحتجوا بالاستضعاف، وهذا أيضا ليس بعذر لهم، قال الشيخ سليمان أيضا: في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} "أي: في أي فريق كنتم، أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين: "بالاستضعاف" فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ولا يشك عاقل: أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، صاروا مع المشركين وفي فريقهم وجماعتهم.
هذا مع أن الآية نزلت: في أناس من أهل مكة أسلموا، واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر؛ فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطّؤوهم، وظهر فيهم: سبهم، وشتمهم، وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؛ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. [الدلائل]
وكأنما يخاطب الشيخ -رحمه الله- أهل زماننا هذا، ولا عجب فطريق الشيطان واحدة وأسلوب أوليائه واحد وحججهم واحدة؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53]، وهذه فتوى أئمة التوحيد من القديم، فإياك إياك أخي المسلم وفتاوى دعاة السوء أحباب الطواغيت، فيذهب دينك لدنيا غيرك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ