مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة" للشيخ المجاهد أبي محمد ...

منذ 7 ساعات
مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"



مقتطف من كلمة "واها لريح الجنة"
للشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


"فاستعينوا بالله وحده، وتوكلوا عليه وحده، وأخلصوا لله نياتكم، فإنه لا عملَ بغير نية، واحتسبوا فإنه لا أجر بغير حُسبة، وأكثروا من الدعاء فإنه هديُ الأنبياء، وإياكم والعُجب فإنه لا يجتمعُ مع التوكل في قلب، واجتنبوا المعاصي، ولا تصطحبوا عاصي، فمن ارتكبها سراً فليتُب، ومن كان مصراً أو مجاهراً فلا يُصحب، وأطيعوا أمراءكم تُنصروا، وإياكم والاجتهاد فإنه من آفاتِ الجهاد، واحذروا كل الحذر من التنازع والاختلاف، وكونوا على قلب رجلٍ واحدٍ في التعاون والائتلاف، وأصلحوا ذات بينكم واحرصوا على سلامة صدوركم تجاه بعضكم، ولا تكثروا من الضحك فتذهب هيبتكم، وقللوا من المزاح فإن كثرته تُذهبُ المروءة وتُولد الضغائن وتُفسد الودَّ بينكم، ولا تغُلُّوا يسلم لكم جهادكم، واقبلوا عُذر من اعتذر إليكم، وتخلقوا بأحسنِ الأخلاق فإنكم لا تمثلون أنفسكم، واحذروا أن تُكادوا كما تكيدون، ولا تتكبروا على عدوكم فتحقروه، فإن من حقر عدوه تهاون بأمره، ومن تهاون بأمرِ عدوه قلَّ احتراسه، ومن قلَّ احتراسه سَهُل افتراسه.

ولا تصدنكم عن جهادكم كثرةُ عَددٍ ولا عُدد، فإن قوة الإيمان يتلاشى في جنبها كلُّ عَدد، فجموعهم المعسكرة مُكسَّرة، وعزَماتُهمُ المؤنثةُ مُصغَّرة، وإن كانت ذواتهم مذكرةٌ مكبرة، وقد وعدَ الله ناصره بالنصرِ والتثبيت، والعدوَّ بالتعس والتشتيت، ولا ترتدوا على أدباركم لضعفٍ من بعض أفرادكم، فإن المرء لو جاهد لله وحده لصدقَ وعده وأعز جنده، فلا تنكسرنَّ قلوبكم لقلة عدد، ولا تجبُنوا لضعفِ مدد، بل ليقاتل أحدكم ولو وحده، منتظرًا بالنصرِ وعده، فقد قال تعالى: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة- 249]

ولا تقدموا الشهادة على النصر، لا تقدموا الشهادة على النصر، فاللهَ اللهَ عباد الله، خلِّصوا أنفسكم وأعراضكم من أيدي الكفار، واغسلوا ملابس مروءتكم من العار، فابذلوا في سبيل الله النفس والمال، وثوروا، فما كذبنا.. فالآن الآن جاءَ القتال، فعاودوا الكرّ، واستحيوا من الفرّ، وطيبوا عن أنفسكم نفسًا، وامشوا إلى الموتِ مشياً، فإن لكلِّ امرئٍ منكم مِيتةٌ هو ميتٌ بها، وما من ميتةٍ والله بأفضل من الشهادة فاغتنموها، فوالله ما كلما أردتموها وجدتموها.

ودَّع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيش، جيش مؤتة، وحضر الناس يودعون الأمراء، فبكى عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فقالوا: ما يبكيك؟! فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابةٌ بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا} [مريم: 71] فلستُ أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله بالسلامة، ودفعَ عنكم، وردَّكُم إلينا صَالحين غانمين.

فقال عبد الله بن رواحة: لا والله
لكنّني أسألُ الرحمن مغفرةً
وضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا
أو طعنةً بيدي حران مجهزة
بحربةٍ تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقالَ إذا مروا على جدثي
يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

وتحرك الجيشُ الذي قوامه ثلاثة آلافٍ حتى نزلوا معانَ من أرضِ الشام، فجاءهم الخبرُ بأن هرقل نازلٌ بمآبَ من أرض البلقان في مئةِ ألفٍ من الروم، وانضم إليه مئةُ ألفٍ من قبائل العرب، فحار المسلمون وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم وينظرون ويتشاورون، فمنهم من قال نرجع، ومنهم من قال نمضي، ثم قالوا: نكتبُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبرهُ بعددِ عدوِّنا فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا فنمضي لأمره، فقام عبد الله بن رواحة يحرضُ الناس فقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون لَلَّتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدينِ الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهورٌ وإما شهادة، فقال الناس: قد واللهِ صدقَ ابنُ رواحة.

وفي ذلك الموقف يقولُ ابن رواحة:
جلبنا الخيلَ من أجأٍ وفرعٍ
تُغرُّ من الحشيش لها العكومُ
حذوناها من الصُّوان سبتاً
أزلَّ كأنَّ صفحته أديمُ
أقامت ليلتين على معانٍ
فأعقبَ بعد فترتها جمومُ
فَرُحنا والجياد مسوّماتٍ
تنفس من مناخرها السَّمومُ
فلا وأبي مآبَ لنَأتِيَنْها
وإن كانت بها عربٌ ورومُ
فعبَّأنا أعِنَّتَها فجاءت
عوابِسَ والغبارُ لها بَريمُ
بِذي لَجَبٍ كأنّ البِيضَ فيه
إذا برزت قوانِسُها النجومُ
فراضيةُ المعيشةِ طلَّقَتْها
أسنّتُنا فتَنكِحُ أو تَئِيمُ

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدتُ مؤتة، فلما دنا منا المشركون رأينا ما لا قِبَلَ لأحدٍ به من العدة والسلاح والكِراعِ والديباج والحرير والذهب، فبرَقَ بصري، فقال لي ثابت بن أرقم: يا أبا هريرة كأنك ترى جموعاً كثيرة، قلت: نعم، قال: إنك لم تشهد بدراً معنا.. إِنَّا لم نُنصر بالكثرة، ثم التقى الناسُ واقتتلوا، فقاتل زيدُ بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاطَ في رِماحِ القوم، ثم أخذها جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فقاتل بها، حتى إذا ألحمَهُ القِتالُ اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها ثم قاتل القوم حتى قُتِل وهو يقول:
يا حبّذا الجنةُ واقترابها
طيبة وبارداً شرابها
والرومُ رومٌ قد دنا عذابها
كافرةٌ بعيدةٌ أنسابها
عليَّ إن لاقيتها ضرابُها

وروى ابنُ هشام أن جعفر بن أبي طالبٍ أخذ اللواءَ بيمينه فقُطعت، فأخذهُ بشماله فقُطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قُتل، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطيرُ بهما حيث شاء، فلما قُتل جعفر أخذَ عبدُ الله بن رواحةَ الراية ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزلُ نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال:
أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنّه
مطاوعةً أو فلتكرهنّه
إن أجلبَ الناسُ وشدوا الرنّة
مالي أراكِ تكرهين الجنة
قد طالَ ما قد كنت مطمئنة
هل أنت إلا نطفة في شنّة
وقال أيضا:
يا نفسُ إن لا تقتلي تموتي
هذا حياض الموتِ قد صليتِ
وما تمنيتِ فقد أعطيتِ
إن تفعلي فعلهما هديتِ
وإن تأخرتِ فقد شقيتِ

ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عمٍ له بعظمٍ من لحمٍ فقال: شُد بها صُلبكَ فقد لقيتك أيامك هذه ما لقيت، فأخذهُ من يدهِ فانتهسَ منه نهسة، ثم سمِع الحطمة في ناحيةِ الناس فقال مخاطباً نفسه: أنتِ في الدنيا، ثم ألقاه بيده وأخذ سيفهُ فتقدم فقاتلَ حتى قُتل.

وإنا كذلك نقول: قد جاءكم ما قد تمنيتم، فإن تفعلوا فعلهم فقد هديتم، وإن تتأخروا فقد شقيتم، فقوموا إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وعليكم بتقوى اللهِ والجدِّ والحزمِ والصبر، وإنا والله لنعلم أنكم لعلى حق، وإن عدوكم لعلى باطل، فلا يغلب باطلهم حقكم، وإنا لنعلم أن الله سيعذبهم بأيديكم أو بأيدي غيركم.

والله لا يقتلُ أحدٌ منكم أحداً منهم إلا أدخل الله القاتِلَ جنات عدن، وأدخل المقتول ناراً تلظى خالداً فيها أبداً، ولا يقتلون أحداً منكم إلا أدخله الله الجنة إن شاء الله".


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 320
الخميس 3 جمادى الآخرة 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً