الدولة الإسلامية - مقال: الثابتون في زمن الخذلان إن من سنن الله تعالى في عباده الدّاعين إليه ...
منذ 2026-01-06
الدولة الإسلامية - مقال: الثابتون في زمن الخذلان
إن من سنن الله تعالى في عباده الدّاعين إليه أن لا تُصقلَ مَعَادنُهم وألا تزكوَ نفوسهم وينالوا ما عند الله من الخير إلا بالابتلاء والتمحيص، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، فبه يظهر جوهر النفوس العظيمة ويسقط زيف النفوس اللئيمة، وبه يتمايز الصادقون عن المنافقين والكاذبين، فتأتي المحنُ تتلوها المحن لتَعجُم عيدان الرجال فتخرج أشدها وأصلبها، فإن نصرة دين الله سبحانه وتعالى لا تكون إلا على أيدي المخلصين الصابرين، الذين سمت هممهم وترفعت نفوسهم عن سفاسف الدنيا وتفاهات الأمور.
وإن اللاهثين وراء حطام الدنيا الراكضين خلف شهواتها الدنيئة، الذين آثروا السلامة المتوهمة ينظرون إلى الابتلاءات التي تصيب المجاهدين في سبيل الله على أنها عذاب وعقاب! ويحسبون أنهم نجَوا بأنفسهم منها بفطنتهم! ووقع فيها المجاهدون لطيشهم، كلا والله إن العين التي ينظرون بها لعوراء لا ترى إلا سواد نواياهم ودناءة نفوسهم، وإن المجاهدين بفضل الله سبحانه وتعالى يرون هذه الابتلاءات كما بينها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّة خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة) [الدارمي].
ولقد ابتلي الأنبياء وهم أكرم الخلق على الله بكل أنواع البلاء وأشدِّه، فابتلوا في أجسادهم وأعراضهم وأهليهم وأموالهم؛ فما زادهم ذلك إلا ثباتا على دعوتهم وتثبيتا لمن معهم وتصبيرا لهم، وابتلي بعدهم الخلّصُ من عباد الله أصحاب الأنبياء ومن تبعهم بإحسان فصبروا على ما أوذوا متيقنين بموعود الله وعظيم أجره، وما زالت الابتلاءات تنزل بالطائفة المنصورة تنقّي صفوفها وتنفي خبثها، فيتساقط المترددون ويتمكّن من لجامها الصادقون حتى أتى هذا الزمان الذي نحن فيه فظهر الفساد في البر والبحر واستمرأ الكثيرون الذل واستسلم أصحاب الهمم الضعيفة وتهيّبوا ركوب البحر اللجّي فَتَفَرعَنَ طواغيتُ العصر وجاؤوا بشتى أنواع الكفر.
فانبرى أسد الشرى رجالُ الملة أبناءُ دولة الإسلام فوقفوا في وجه طواغيتِ الأرض قاطبة، وأعلنوها حربا حتى يعبد الله وحده فأرغموا أنوف المشركين والكفار وأهل البدع والأهواء، فراحوا يفكّون عُقَد الكفر والشرك والضلال ويُوثِقُون عرى التوحيد والإيمان، يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، فكان لزاما عليهم الابتلاء، فابتُلوا كما ابتُلي أسلافهم بالأنفس والأهل والمال فكانوا خير خلف لخير سلف، فثبتوا في الحرب وصبروا في الكرب فلم يجتمع الأعداء إلا على حربهم، فوا عجبا لثباتهم وصبرهم لقد أتعبت هممهم العالية أجسادهم وضاقت أجسامهم على نفوسهم العظيمة فمُزِّقت في القتال وعُذِّبت في الأسر في سبيل الله، وشُرِّدت تحت الحرّ والقرّ وعاشت بين الكرّ والفرّ وما يزالون يراغمون أعداء الله بالسنان واللسان، بالرغم من عظيم ما نزل بهم من ابتلاءات لو نزلت بالجبال الراسيات لهاضتها، ولكن هيهات.
فكيف يثني القتلُ عزائمَهم وهو مِن أسمى غاياتهم، وهو ما تمناه قدوتهم ونبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم، وناله زكريا ويحيى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وأنّى للأسر أن يُضعِف هممهم وهم يقرؤون في كتاب الله قصة نبيه يوسف عليه السلام وكيف حوّل سجنَه إلى مدرسة للتوحيد ومكان للدعوة إلى الله، وهل سيوهنهم إيذاءُ نسائِهم وأطفالِهم بالأسرِ والتشريد وهم يستذكرون قصة سارة -زوج نبي الله إبراهيم عليه السلام- مع ملك مصر الظالم، وقصة ماشطة بنت فرعون وغيرها من قصص الصالحين الأول.
فكيف لا يحسنون صبرا وكلُّ ابتلاء يَنزِل بهم كان قد نزل بخيرة سلفهم من جنسِهِ ما هو أشدُّ منه فأحسنوا فيه صنعا.
وإن من الابتلاء تكالب الأعداء وتحالف المرتدين المنتسبين زورا وبهتانا إلى الإسلام مع الكفار على المجاهدين، لكنّ ذلك بات أمرا مفروغا منه وغير مستغربٍ، ولكن الابتلاء الأشد هو خذلان أهل الإسلام للمجاهدين فهذا ما يُدمي القلب ويغص الروح، فلا هم نصروا المجاهدين ولا هم خَلَفُوهم في أهلهم وذراريهم خيرا، ولا هم كفّوا ألسنتهم عنهم، لقد كان هذا الخذلان أشد أنواع الابتلاء على المجاهدين قديما وحديثا، ولكنهم لما علموا أن الكل يفنى ويبقى الواحد القهار وأن الأجر من الله وحده، وأنه سيؤتي كل ذي حق حقه، وأن كل من في السماوات والأرض ناصيته بيده سبحانه؛ اطمأنت نفوسهم وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلم يبالوا بخذلان القريب وعدوان البعيد وواصلوا طريقهم والحمد لله.
فيا جنود التوحيد وحراس العقيدة تحت أي ابتلاء كنتم، أسرى أو مطاردين أو مقاتلين في الميادين… لا تكلّوا ولا تملّوا من مراغمة أعداء الله ومصابرتهم على إظهار دين الله ونصرته بالإعداد والجهاد سنانًا ولسانًا، فعما قريب تنجلي عنكم هذه الغمة بإذن الله تعالى كما انجلت غيرها من قبل.
واعلموا أن هذا الطريق كتب الله على سالكيه الابتلاء حتى يلقوه سبحانه، تمييزا وتمحيصا واصطفاءً فكونوا كما يحب الله أن تكونوا صابرين محسنين مسترجعين، وأكثروا من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، فكونوا على يقين أن العاقبة للمتقين وأن النصر للمؤمنين، وأنّ رضى الله وجنَّتَه لا تُنال بالآمال بل بصالح الأعمال، فهذا وعد الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 321
الخميس 10 جمادى الآخرة 1443 هـ
إن من سنن الله تعالى في عباده الدّاعين إليه أن لا تُصقلَ مَعَادنُهم وألا تزكوَ نفوسهم وينالوا ما عند الله من الخير إلا بالابتلاء والتمحيص، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، فبه يظهر جوهر النفوس العظيمة ويسقط زيف النفوس اللئيمة، وبه يتمايز الصادقون عن المنافقين والكاذبين، فتأتي المحنُ تتلوها المحن لتَعجُم عيدان الرجال فتخرج أشدها وأصلبها، فإن نصرة دين الله سبحانه وتعالى لا تكون إلا على أيدي المخلصين الصابرين، الذين سمت هممهم وترفعت نفوسهم عن سفاسف الدنيا وتفاهات الأمور.
وإن اللاهثين وراء حطام الدنيا الراكضين خلف شهواتها الدنيئة، الذين آثروا السلامة المتوهمة ينظرون إلى الابتلاءات التي تصيب المجاهدين في سبيل الله على أنها عذاب وعقاب! ويحسبون أنهم نجَوا بأنفسهم منها بفطنتهم! ووقع فيها المجاهدون لطيشهم، كلا والله إن العين التي ينظرون بها لعوراء لا ترى إلا سواد نواياهم ودناءة نفوسهم، وإن المجاهدين بفضل الله سبحانه وتعالى يرون هذه الابتلاءات كما بينها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّة خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة) [الدارمي].
ولقد ابتلي الأنبياء وهم أكرم الخلق على الله بكل أنواع البلاء وأشدِّه، فابتلوا في أجسادهم وأعراضهم وأهليهم وأموالهم؛ فما زادهم ذلك إلا ثباتا على دعوتهم وتثبيتا لمن معهم وتصبيرا لهم، وابتلي بعدهم الخلّصُ من عباد الله أصحاب الأنبياء ومن تبعهم بإحسان فصبروا على ما أوذوا متيقنين بموعود الله وعظيم أجره، وما زالت الابتلاءات تنزل بالطائفة المنصورة تنقّي صفوفها وتنفي خبثها، فيتساقط المترددون ويتمكّن من لجامها الصادقون حتى أتى هذا الزمان الذي نحن فيه فظهر الفساد في البر والبحر واستمرأ الكثيرون الذل واستسلم أصحاب الهمم الضعيفة وتهيّبوا ركوب البحر اللجّي فَتَفَرعَنَ طواغيتُ العصر وجاؤوا بشتى أنواع الكفر.
فانبرى أسد الشرى رجالُ الملة أبناءُ دولة الإسلام فوقفوا في وجه طواغيتِ الأرض قاطبة، وأعلنوها حربا حتى يعبد الله وحده فأرغموا أنوف المشركين والكفار وأهل البدع والأهواء، فراحوا يفكّون عُقَد الكفر والشرك والضلال ويُوثِقُون عرى التوحيد والإيمان، يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، فكان لزاما عليهم الابتلاء، فابتُلوا كما ابتُلي أسلافهم بالأنفس والأهل والمال فكانوا خير خلف لخير سلف، فثبتوا في الحرب وصبروا في الكرب فلم يجتمع الأعداء إلا على حربهم، فوا عجبا لثباتهم وصبرهم لقد أتعبت هممهم العالية أجسادهم وضاقت أجسامهم على نفوسهم العظيمة فمُزِّقت في القتال وعُذِّبت في الأسر في سبيل الله، وشُرِّدت تحت الحرّ والقرّ وعاشت بين الكرّ والفرّ وما يزالون يراغمون أعداء الله بالسنان واللسان، بالرغم من عظيم ما نزل بهم من ابتلاءات لو نزلت بالجبال الراسيات لهاضتها، ولكن هيهات.
فكيف يثني القتلُ عزائمَهم وهو مِن أسمى غاياتهم، وهو ما تمناه قدوتهم ونبيُّهم محمد صلى الله عليه وسلم، وناله زكريا ويحيى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام، وأنّى للأسر أن يُضعِف هممهم وهم يقرؤون في كتاب الله قصة نبيه يوسف عليه السلام وكيف حوّل سجنَه إلى مدرسة للتوحيد ومكان للدعوة إلى الله، وهل سيوهنهم إيذاءُ نسائِهم وأطفالِهم بالأسرِ والتشريد وهم يستذكرون قصة سارة -زوج نبي الله إبراهيم عليه السلام- مع ملك مصر الظالم، وقصة ماشطة بنت فرعون وغيرها من قصص الصالحين الأول.
فكيف لا يحسنون صبرا وكلُّ ابتلاء يَنزِل بهم كان قد نزل بخيرة سلفهم من جنسِهِ ما هو أشدُّ منه فأحسنوا فيه صنعا.
وإن من الابتلاء تكالب الأعداء وتحالف المرتدين المنتسبين زورا وبهتانا إلى الإسلام مع الكفار على المجاهدين، لكنّ ذلك بات أمرا مفروغا منه وغير مستغربٍ، ولكن الابتلاء الأشد هو خذلان أهل الإسلام للمجاهدين فهذا ما يُدمي القلب ويغص الروح، فلا هم نصروا المجاهدين ولا هم خَلَفُوهم في أهلهم وذراريهم خيرا، ولا هم كفّوا ألسنتهم عنهم، لقد كان هذا الخذلان أشد أنواع الابتلاء على المجاهدين قديما وحديثا، ولكنهم لما علموا أن الكل يفنى ويبقى الواحد القهار وأن الأجر من الله وحده، وأنه سيؤتي كل ذي حق حقه، وأن كل من في السماوات والأرض ناصيته بيده سبحانه؛ اطمأنت نفوسهم وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فلم يبالوا بخذلان القريب وعدوان البعيد وواصلوا طريقهم والحمد لله.
فيا جنود التوحيد وحراس العقيدة تحت أي ابتلاء كنتم، أسرى أو مطاردين أو مقاتلين في الميادين… لا تكلّوا ولا تملّوا من مراغمة أعداء الله ومصابرتهم على إظهار دين الله ونصرته بالإعداد والجهاد سنانًا ولسانًا، فعما قريب تنجلي عنكم هذه الغمة بإذن الله تعالى كما انجلت غيرها من قبل.
واعلموا أن هذا الطريق كتب الله على سالكيه الابتلاء حتى يلقوه سبحانه، تمييزا وتمحيصا واصطفاءً فكونوا كما يحب الله أن تكونوا صابرين محسنين مسترجعين، وأكثروا من قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157]، فكونوا على يقين أن العاقبة للمتقين وأن النصر للمؤمنين، وأنّ رضى الله وجنَّتَه لا تُنال بالآمال بل بصالح الأعمال، فهذا وعد الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 321
الخميس 10 جمادى الآخرة 1443 هـ