مقال: "وسلوا الله العافية" الحمد لله واهب العفو والعافية، والصلاة والسلام على نبي الأمّة ...
منذ 2026-01-06
مقال: "وسلوا الله العافية"
الحمد لله واهب العفو والعافية، والصلاة والسلام على نبي الأمّة الآخرة، وعلى آله وصحبه أهل الهمم السامية، وبعد.
ليس بعد الإيمان بالله نعمة تعدِل نعمة العافية والتي لا يستشعرها مؤمن إلا تجسد الإيمان فيه، وملأ الشكر قلبه، فتلك نعمة قلّ من عرفها أن يكفرها، وندر من مضى في ربوعها أن يُفتن بغيرها، فأهلها فقهاء الشكران وحذّاق العرفان، قلوبهم مستكنّة في الطاعة، ووَجِلة أن تُسلب شعار العبودية الذي يؤنسها ولباس التقوى الذي يزيّنها.
والعافية في الدين لا يعلم فضلها إلا مَن كان مِن أهلها، والعافية في الدنيا ليس يراها إلا من كان خارجا عنها، ومن عرفها ورزقه الله شكرها فهو الموفّق في الدنيا والآخرة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت أبا بكر رضوان الله عليه على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم -عام أول- يقول، ثم استعبر أبو بكر رضوان الله عليه فبكى، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن تؤتوا شيئا بعد كلمة الإخلاص مثل العافية؛ فسلوا الله العافية). [رواه ابن حبان]
وتتبدل أحوال الناس لتظهر قيمة العافية، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وبضدها تتبين الأشياء، ولولا خلق القبيح لما عُرفت فضيلة الجمال والحسن، ولولا خلق الظلام لما عُرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عُرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عُرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا لما عُرف قدره، ولو جعل الليل سرمدًا لما عُرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الغنى من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال، لما عُرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرف قدر الإيمان والنعمة به، فتبارك من له في خلقه وأمره الحِكم البوالغ والنعم السوابغ". [شفاء العليل]
والمفلح من أدام دعاء الله أن يؤتيه العافية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من سؤال الله العافية ويوصي أصحابه بذلك، روى العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله -عز وجل-؟ قال: (سل الله العافية)، فمكثت أياما ثم جئت فقلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله؟ فقال لي: (يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة). [رواه الترمذي]، فسؤال العبد العافية من ربه جل وعلا هو أن يطلب منه العون وأن يدفع عنه كل شر في دينه ودنياه، وأن يحفظه فيهما، وهذا الحديث محفز لكل ذي بصيرة أن يكثر من سؤال الله تعالى العافية، ويستدفع العبد بهذا الدعاء أيضا كل ما أهمه وأشغله، فهو باب لدفع المضرات من آفات وفتن وبلايا ومحن وأوباء وأسقام، وبه أيضا جلب المصالح والخيرات من استقامة وصلاح وبر وتقوى.
وأعظم العافيةِ العافيةُ من طرق الغواية التي تساقط فيها فئام من الناس، فاختاروا طرقا ملتوية معوجّة يسوسها اليهود والنصارى ويوجّهون مسارها على مرأى منهم جميعا، ثم لا يشكون في ضلالهم وغوايتهم، فأولئك المحرومون من العافية حقا.
ويعظم شكر الله على نعمة العافية في أزمنة الفتن وكثرة الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه وتعدد الأحزاب التي على غير الصراط المستقيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عافاه الله منها كلها واتّبع صراط الله -وإن وجد فيه المشاق والصعاب- ثم ثبت عليه فهو الفائز إن شاء الله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلم من يدخل الإسلام حديثا الصلاة ثم بضع كلمات منها سؤال الله العافية، فعن طارق الأشجعي رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني) [رواه مسلم]، وفي رواية أخرى: (قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، وارزقني)، ويجمع أصابعه إلا الإبهام، (فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك).
ومما جاء في أدعية الصباح والمساء التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم يَدَعُ هؤلاء الدَّعَوات حين يُمسي وحين يُصبح: (اللَّهمَّ إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخرة، اللّهمّ إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمّ استر عوراتي، وآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمّ احفظني مِن بين يديَّ، ومِن خَلْفِي، وعن يميني، وعن شمالي، ومِن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغْتَالَ مِن تحتي) [أبو داود]
قال ابن القيم رحمه الله: "فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه، فجمع أمر الآخرة في كلمة، وأمر الدنيا كله في كلمة". [تحفة الذاكرين]
ومن شُكر الله على العافية ألا يغتر المؤمن بعد هدايته بدعوة من يرجو منه الركون إلى الدنيا وترك الهدى والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
ومن رأى مبتلى في أي نوع من الابتلاءات، فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم مبتلى فليقل: الحمد لله الذي فضلني عليه وعلى كثير من عباده تفضيلا، فإذا قال ذلك فقد شكر تلك النعمة). [رواه الطبراني]
ومن هنا يعلم المؤمن أن العافية فضل محض من الله ورحمة، وليست من اجتهاده، ومتى شاء الله أن ينزعها منه -إن لم يشكرها- نزعها، وعليه فلا يشمت مَن هداه الله وثبّته؛ بمن زلّ أو أخطأ، ويقع فيه ويتألّى على الله، بدافع الغرور والعجب، بل الواجب أن يدعو له بالهداية ويرجو له الرحمة ويسعى لردِّه إلى درب الهداية، ويسأل الله أن يعافيه مما ابتلى به أولئك، فإنه يُخشى على الشامتين الوقوع فيما شمتوا فيه.
والمؤمن يحب لأخيه العافية والهداية كما يحبها لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). [متفق عليه]، قال النووي رحمه الله: "قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: "وهذا قد يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسُرُ على القلب الدغل، عافانا الله وإخواننا أجمعين، والله أعلم". [شرح صحيح مسلم]
أما المجاهدون فلهم وصية خاصة من النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال الله العافية، حيث قال: (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [متفق عليه]
وفي هذا عدم الاغترار بالنفس في تمني لقاء العدو، وبعد سؤال الله العافية إذا لقي المجاهدُ عدوه فليصبر ويصابر، فإن الجنة في ذلك الموقف، تحت ظلال السيوف وقِراع الأسِنةَّ ووقْعِ الرصاص، فاصبروا أيها المجاهدون فإنما ترتعون في رياض الجنة في غزوكم ورباطكم.
نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، والصبر عند اللقاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 321
الخميس 10 جمادى الآخرة 1443 هـ
الحمد لله واهب العفو والعافية، والصلاة والسلام على نبي الأمّة الآخرة، وعلى آله وصحبه أهل الهمم السامية، وبعد.
ليس بعد الإيمان بالله نعمة تعدِل نعمة العافية والتي لا يستشعرها مؤمن إلا تجسد الإيمان فيه، وملأ الشكر قلبه، فتلك نعمة قلّ من عرفها أن يكفرها، وندر من مضى في ربوعها أن يُفتن بغيرها، فأهلها فقهاء الشكران وحذّاق العرفان، قلوبهم مستكنّة في الطاعة، ووَجِلة أن تُسلب شعار العبودية الذي يؤنسها ولباس التقوى الذي يزيّنها.
والعافية في الدين لا يعلم فضلها إلا مَن كان مِن أهلها، والعافية في الدنيا ليس يراها إلا من كان خارجا عنها، ومن عرفها ورزقه الله شكرها فهو الموفّق في الدنيا والآخرة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت أبا بكر رضوان الله عليه على هذا المنبر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم -عام أول- يقول، ثم استعبر أبو بكر رضوان الله عليه فبكى، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن تؤتوا شيئا بعد كلمة الإخلاص مثل العافية؛ فسلوا الله العافية). [رواه ابن حبان]
وتتبدل أحوال الناس لتظهر قيمة العافية، قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وبضدها تتبين الأشياء، ولولا خلق القبيح لما عُرفت فضيلة الجمال والحسن، ولولا خلق الظلام لما عُرفت فضيلة النور، ولولا خلق أنواع البلاء لما عُرف قدر العافية، ولولا الجحيم لما عُرف قدر الجنة، ولو جعل الله سبحانه النهار سرمدًا لما عُرف قدره، ولو جعل الليل سرمدًا لما عُرف قدره، وأعرف الناس بقدر النعمة من ذاق البلاء، وأعرفهم بقدر الغنى من قاسى مرائر الفقر والحاجة، ولو كان الناس كلهم على صورة واحدة من الجمال، لما عُرف قدر الجمال، وكذلك لو كانوا كلهم مؤمنين لما عُرف قدر الإيمان والنعمة به، فتبارك من له في خلقه وأمره الحِكم البوالغ والنعم السوابغ". [شفاء العليل]
والمفلح من أدام دعاء الله أن يؤتيه العافية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكثر من سؤال الله العافية ويوصي أصحابه بذلك، روى العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله -عز وجل-؟ قال: (سل الله العافية)، فمكثت أياما ثم جئت فقلت: يا رسول الله، علمني شيئا أسأله الله؟ فقال لي: (يا عباس، يا عم رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة). [رواه الترمذي]، فسؤال العبد العافية من ربه جل وعلا هو أن يطلب منه العون وأن يدفع عنه كل شر في دينه ودنياه، وأن يحفظه فيهما، وهذا الحديث محفز لكل ذي بصيرة أن يكثر من سؤال الله تعالى العافية، ويستدفع العبد بهذا الدعاء أيضا كل ما أهمه وأشغله، فهو باب لدفع المضرات من آفات وفتن وبلايا ومحن وأوباء وأسقام، وبه أيضا جلب المصالح والخيرات من استقامة وصلاح وبر وتقوى.
وأعظم العافيةِ العافيةُ من طرق الغواية التي تساقط فيها فئام من الناس، فاختاروا طرقا ملتوية معوجّة يسوسها اليهود والنصارى ويوجّهون مسارها على مرأى منهم جميعا، ثم لا يشكون في ضلالهم وغوايتهم، فأولئك المحرومون من العافية حقا.
ويعظم شكر الله على نعمة العافية في أزمنة الفتن وكثرة الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه وتعدد الأحزاب التي على غير الصراط المستقيم الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عافاه الله منها كلها واتّبع صراط الله -وإن وجد فيه المشاق والصعاب- ثم ثبت عليه فهو الفائز إن شاء الله.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعلم من يدخل الإسلام حديثا الصلاة ثم بضع كلمات منها سؤال الله العافية، فعن طارق الأشجعي رضي الله عنه قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات: (اللهم اغفر لي، وارحمني، واهدني، وعافني، وارزقني) [رواه مسلم]، وفي رواية أخرى: (قل: اللهم اغفر لي، وارحمني، وعافني، وارزقني)، ويجمع أصابعه إلا الإبهام، (فإن هؤلاء تجمع لك دنياك وآخرتك).
ومما جاء في أدعية الصباح والمساء التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم والليلة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "لم يكن رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم يَدَعُ هؤلاء الدَّعَوات حين يُمسي وحين يُصبح: (اللَّهمَّ إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخرة، اللّهمّ إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهمّ استر عوراتي، وآمِنْ رَوْعَاتِي، اللهمّ احفظني مِن بين يديَّ، ومِن خَلْفِي، وعن يميني، وعن شمالي، ومِن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغْتَالَ مِن تحتي) [أبو داود]
قال ابن القيم رحمه الله: "فجمع بين عافيتي الدين والدنيا، ولا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا في قلبه وبدنه، فجمع أمر الآخرة في كلمة، وأمر الدنيا كله في كلمة". [تحفة الذاكرين]
ومن شُكر الله على العافية ألا يغتر المؤمن بعد هدايته بدعوة من يرجو منه الركون إلى الدنيا وترك الهدى والجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 71].
ومن رأى مبتلى في أي نوع من الابتلاءات، فليتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأى أحدكم مبتلى فليقل: الحمد لله الذي فضلني عليه وعلى كثير من عباده تفضيلا، فإذا قال ذلك فقد شكر تلك النعمة). [رواه الطبراني]
ومن هنا يعلم المؤمن أن العافية فضل محض من الله ورحمة، وليست من اجتهاده، ومتى شاء الله أن ينزعها منه -إن لم يشكرها- نزعها، وعليه فلا يشمت مَن هداه الله وثبّته؛ بمن زلّ أو أخطأ، ويقع فيه ويتألّى على الله، بدافع الغرور والعجب، بل الواجب أن يدعو له بالهداية ويرجو له الرحمة ويسعى لردِّه إلى درب الهداية، ويسأل الله أن يعافيه مما ابتلى به أولئك، فإنه يُخشى على الشامتين الوقوع فيما شمتوا فيه.
والمؤمن يحب لأخيه العافية والهداية كما يحبها لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). [متفق عليه]، قال النووي رحمه الله: "قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: "وهذا قد يعد من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على القلب السليم، وإنما يعسُرُ على القلب الدغل، عافانا الله وإخواننا أجمعين، والله أعلم". [شرح صحيح مسلم]
أما المجاهدون فلهم وصية خاصة من النبي صلى الله عليه وسلم في سؤال الله العافية، حيث قال: (أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) [متفق عليه]
وفي هذا عدم الاغترار بالنفس في تمني لقاء العدو، وبعد سؤال الله العافية إذا لقي المجاهدُ عدوه فليصبر ويصابر، فإن الجنة في ذلك الموقف، تحت ظلال السيوف وقِراع الأسِنةَّ ووقْعِ الرصاص، فاصبروا أيها المجاهدون فإنما ترتعون في رياض الجنة في غزوكم ورباطكم.
نسأل الله تعالى العفو والعافية في الدنيا والآخرة، والصبر عند اللقاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 321
الخميس 10 جمادى الآخرة 1443 هـ