مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه ...

منذ يوم
مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه بالله تعالى ويقينه بموعوده، فإن غلَب الإيمان في قلب المؤمن دفعه إلى فعل أمور لا تقيسها مقاييس البشر، ومِن أعظم هذه الدوافع تبشير المؤمنين، فهو عبادة عظيمة، حثّ الله عليها أنبياءه وأولياءه المؤمنين، وهي تقوم على دعائم مِن أهمها أمران: أما الأول فهو تبشير المؤمنين باستعلائهم بالله تعالى، فقد أكّده الله للمؤمنين كيفما كان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

ومن معاني الاستعلاء؛ الشعور بالرفعة والعزة التي ضمِنها الله لمن آمن به وجاهد في سبيله لإعلاء كلمته، فالمؤمن في رفعة دائما؛ لأن رفعته وعزته بعزة الله تعالى والله هو العليّ العزيز، قال الله تعالى في نصره للنبي صلى الله عليه وسلم على قريش حينما كانت تطلبه وهو في الغار: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40]، فذكر سبحانه أنه سيجعل كلمة الذين كفروا السفلى وذلك لأنهم مهما بغوا وعلوا فسيخفضهم الله بحوله وقوته، فقال: {كَلِمَةَ} وهي منصوبة إعرابا بفعل {جَعَلَ}، أما {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} فهي مرفوعة إعرابا وأبديّة، فلم يجعلها عالية في ذلك الموطن بل هي كانت قبله وما زالت، وبهذا فليبشر المؤمنون أنّ رايتهم عالية دائما وأبدا ولن تُنكّس.

وقال سبحانه في أمر العزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، وما أذل اللهُ قوما اعتصموا به وعادوا وفاصلوا جميع المشركين لأجله سبحانه.

أما الأمر الثاني: فهو تبشير المؤمنين بمعيّة الله لهم، فذاك دافعهم وحاملهم على الإصرار لتحقيق ما يُرضيه سبحانه وتعالى، وإن حسب الناس أنّ ما يرنوا إليه المؤمنون جنونا وخرقا للعادة.

وبهذا طَمْأن الله المجاهدين في القرآن في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. [التوبة:123]، وقد جمع الله بين بشرى الاستعلاء وبشرى المعيّة في موطن واحد فقال سبحانه: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}. [محمد:35]

والتبشير للمؤمنين في كل حال، في السراء والضراء وقت النصر وغيره وفي بداية الدعوة ووقت ظهورها، أو كثرة الأتباع أو تعدد الأعداء؛ وذلك لتعلوَ همم المؤمنين ويثبتوا وتحترق قلوب الكافرين ويغتاظوا، فقد أمر الله موسى عليه السلام بتبشير المؤمنين أيامَ طغيان فرعون، فقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. [يونس:87]

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبشّر المؤمنين يوم الأحزاب بفتح العراق والشام واليمن وهو يحفر الخندق ويضرب على حجر استعصى عليهم ويقول: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)، تبشير وتكبير في أحلك الظروف، وأعجب من هذا قوله صلى الله عليه وسلم بيقين بلغ المنتهى لمّا قيل له إنّ بني قريظة نقضت العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين).

وإن قلب المؤمن ليتسع للأقدار الكونية من ابتلاء أو استضعاف أو غيره مع الأوامر الشرعية بلزوم أمر الله والصبر عليه وتبشير المؤمنين، أما المنافق فلا يسع قلبه ذلك، لذلك كان المنافقون يوم الخندق يقولون بقلوب فاسدةٍ وألسنة نتنةٍ مِلؤها الإرجاف والتخذيل وسوء ظن بالله: "يعِدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يأمن على خلائه"

والتبشير مُكمِّل للتحريض، فكلاهما أمران ربانيان يؤثّران في الجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمنِينَ}ِ، وقال: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}.

وحيثما أمر الله بالجهاد بشّر عباده المؤمنين، إما بالولاية لهم، وإما بالنصرة، وإما بالجنة؛ ليكون لهم الدافع الأول لتقوية قلوبهم وزيادة عزمهم وتجديد هممهم، كقوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39-40].

وقد بشر الله هذه الأمة بالنصر والغلبة والظهور والسناء، فقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقال جل وعلا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]، وقال أيضا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]

وأعظم البشرى هي البشرى بالنجاة من النار ودخول الجنة وحصول رضوان الله على عبده، فقال الله لمن شرى نفسه وباعها لله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ... وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111-112]، وقال عز وجل: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. [النساء:74]

وقد بشّر الله بها مَن جانَبَ الطاغوت وحاربه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17]، قال الطبري رحمه الله: "لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة".

وتبشير المؤمنين بما وعد الله هو تبشير بحقائق كائنة ولابد، وليس ما يبشر به المجاهدون من قبيل الغرور كما يدّعيه المنافقون القائلون: {غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ}. [الأنفال:49]

وما تباشيرهم شعارات جوفاء ولا وعودهم عبثية هوجاء، بل إن وعود المجاهدين صادقة، وتهديداتهم إن شاء الله نافذة، وقد أدركها العدو قبل الصديق؛ لأنها نابعة من يقينهم بالله تعالى ووعده الحق.

وإننا نبشر المسلمين بفتح ودكّ جميع حصون الطواغيت وفتح جزيرة العرب وفلسطين والقسطنطينية من جديد وروما إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فتأهّبوا يا عباد الله للقادمات، وتزوّدوا لصادق الموعودات، فذاك وعد الله والله لا يخلف الميعاد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 0
  • 0
  • 7

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً