مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على ...

منذ يوم
مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي


الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه فرسان الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

لما كتب الله على المؤمنين القتال، وأمر بالحضّ والتحريض عليه؛ لم يترك سبحانه وتعالى عباده دون توجيه، بل دلّهم على أقوى طرق الجهاد وأنجع سبل الحرب؛ لتعظُمَ النكاية في أعدائهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:٦٠]، وبيّن جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن القوة إنما هي الرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على المنبر- يقول: ({وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ}، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [مسلم]

وبالرغم من الأمور الكثيرة التي يحتاج إليها الجهاد ويلزم فيها الإعداد إلا أنه لم يُخصص الرمي إلا لما فيه من عظيم النكاية في العدو، قال الطبري: "قال عبدالرحمن الفزاري: أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصنعة). [الفروسية لابن القيم]

الرمي قوة أيّما قوة، وقد كان في الأنبياء رماة كالنبي إسماعيل عليه السلام، ولقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فعن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رمى عَن قوسه يَوم أحد حَتَّى اندقت سيتها -أي طرفها-. [سيرة ابن إسحاق]

وقد ندب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحثّ عليه في كثير من الأحاديث، منها ما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون -أي: يتسابقون في الرمي- فقال: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول اللّه! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم).

ومن نعم الله علينا في الجهاد، ما جعله الله في الرماية من الأجر العظيم، فثوابها جزيل ومتعدٍ، لا يقتصر على الرامي وحده، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة، صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر، والرامي بِهِ، والممد بِهِ، فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا) [مسند أحمد]

ومما جاء في فضل الرمي أيضا حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، فسمعته يقول: (من رمى بسهم في سبيل اللّه، فله عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومن بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة)، قال: فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً. [النسائي]، فسهم ترميه يكن لك أجر عتق رقبة، ودرجة تعلوها في الجنة، فذاك أجر عظيم بفعل يسير، يجده المجاهد في سبيل الله.

وتعلم الرماية شرف وفضيلة، وتركها ونسيانها ذنب وإثم، فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى). [مسلم]

ولقد كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهم في الإسلام، فحاز على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له فقال: (اللهم سدد رميته وأجب دعوته). [الحاكم]

وفي يوم أحد قام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه مقاما عاليا، ورمى رميا شديدا على أعداء الله، قال أنس رضي الله عنه: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي مجوب عليه بحجفة له -أي متترس بالترس-، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة). [متفق عليه]، وفي هذا الحديث دعم للحذاق والبارعين في الرماية وتشجيعهم؛ لأهمية موقفهم في المعركة.

وكان من أشهر الرماة يوم أحد أيضا الصحابي سهل بن حنيف العوفي فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت، وجعل ينضح يومئذ بالنبل عن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نبلوا سهلا فإنه سهل). [الحاكم]

وفي هذه الغزوة تبيّنت أهمية ثغر الرُّماة، حيث أنه كان في الجبل خمسون راميا، وكانوا يحمون ظهر الجيش كله وهم قرابة 650 رجلا، فلما نزل الرماة من موقعهم الذي اختاره لهم النبي صلى الله عليه وسلم استطاع المشركون الالتفاف عليهم وتغيير ميزان المعركة.

وقد يبلغ بالرامي الماهر أن يرد كتيبة بأكملها ويوقف جيشا عن التقدم، حيث أنه يكون في مأمنٍ منهم وهم تحت رميه، ويستطيع أن يسقط بكل سهم يطلقه رجلا منهم بإذن الله، ويشهد لهذا قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، فعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته، ونثل كنانته، وقال لقد علمتم أني من أرماكم، واْيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم سبيلي؟ قالوا: نفعل فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع أبا يحيى)، ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:٢٠٧]. [حلية الأولياء]

وربما كان الرامي كتيبة بنفسه، يُنهِك العدو ويُنكِي به لوحده، كما فعله الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي يُعد من أمهر الصحابة في الرماية، ومن أعجب مواقفه حين لحق بالمشركين من غطفان في غزوة ذي قرد وكان يرميهم بسهامه ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع.. واليوم يوم الرضع حتى أسقطوا كثيرا من متاعهم ليتمكنوا من الهروب منه. [متفق عليه]

وتشتد الحاجة للرماة حين يحمى الوطيس وتقِل الحيل، فتبرز بطولاتهم ودقة إصاباتهم، ففي القادسية عندما جاء الفرس بالفيلة التي لم يعتد المسلمون على قتالها، فأرسل سعد بن أبي وقاص إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، حتى قتلوا من كان على متنها واستطاعوا تحييدها. [تاريخ الطبري]

ويعظُم أثر الرماية لرؤوس الكفر وأئمتهم، ففي حروب الردةّ يوم اليمامة لما قام محكم اليمامة المرتد -وهو أحد جناحي مسيلمة الكذاب-، يخطب في قومه ويحثهم على قتال المؤمنين؛ حمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قوسه فرماه بسهم فوقع في نحره فقتله، وكفى الله المؤمنين شره. [تاريخ خليفة خياط]

فهذا نزرٌ من أثر الرماة في المعارك في ماضي تاريخنا المجيد، وفي هذا الزمان قد تطورت آلة الحرب، وأصبحت تعتمد بشكل كبير اليوم على الرماية التي تنوعت أساليبها وتغيرت أدواتها بين البنادق والقناصات والرشاشات والمدافع والصواريخ، وعلى المجاهدين إتقان هذه الفنون وبذل قصارى الجهد في تعلّم جديدها واستخدام حديدها، فبها تفلق الهام وتُهشّم العظام؛ وهي من القوة التي أمر الله بالإعداد بها، قال ابن تيمية رحمه الله في قتال الترك: "فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية... لم تغن شيئاً". [الفتاوى]

فثابروا أيها المجاهدون، واضربوا حيث تكثر المواجع، وإن للقناصات الدور الأكبر في مجال الرماية، فحسن التموضع واختيار المكان المناسب إذا اجتمع مع حذاقة في الرماية فإنه أعظم في النكاية، وأخلع لقلوب الأعداء، وهو أقرب لمفهوم الرماية بالنبل ومشابه لدوره في المعركة، فسددوا في الرؤوس والقلوب وأماكن العطب، فإن لم يكن قتلا حصلت إصابة تحيّد أحد جنود الطاغوت عن المعركة، فانثروا الرصاص وانتقوا السهام الحارقة، وارموا متوكلين على الله، فالله هو الرامي وهو المسدد سبحانه، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:١٧]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الآل والأصحاب، والحمد لله رب العالمين



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 0
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً