529 📜 【الوسطية المحرّفة】 في وقتنا الحاضر أصبح كل من هبّ ودبّ من الفرق والأحزاب، يتحدثون عن ...
منذ 16 ساعة
529 📜 【الوسطية المحرّفة】
في وقتنا الحاضر أصبح كل من هبّ ودبّ من الفرق والأحزاب، يتحدثون عن الوسطية والاعتدال في الإسلام، ينظّرون لها وينتسبون إليها ويتغنون بها ويصدّرونها محاضرهم وناصية بياناتهم، وهي منهم براء، براءة التوحيد من الغلو والإرجاء.
وأكثر هؤلاء قد حرّفوا معناها الصحيح الذي جاء به الدين الحنيف، إما لشهوة أو شبهة، وحادوا بها عن الطريق المستقيم الذي رسمه الوحي القويم، فجعلوا الوسطية بوحي شياطينهم، هي التنازل والتفريط في الولاء والبراء، والتسامح والتعايش مع الباطل والالتقاء معه في وسط الطريق، وسمّوا ذلك زورا وبهتانا "واقعية وتوازنا!"، فأعطوا الدنية في دينهم وفرّطوا في عقيدتهم باسم وسطيتهم، وفي المقابل جعلوا المجاهدين المتمسكين بدينهم القابضين على الجمر "خوارج وغلاة متنطعين!".
والحقيقة الشرعية الثابتة الناصعة أن الوسطية بمفهوم الوحي هي السير على طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقائد والشرائع والعبادات والمعاملات، لأنه أقوم الطرق وأوسطها وأعدلها، وعدم مفارقته أو الانحراف عنه مهما كانت الظروف.
ولم تكن القرون المفضلة تُصدّر مفهوم الوسطية وتطرقه كما يطرقه أدعياؤها اليوم؛ ويقدّمونها كأنها بديل مصادم للعقيدة وخصم لها!! أو كأنها باب استثنائي في الإسلام، وذلك لأن الإسلام وسط بطبعه بين الأديان كاليهودية والنصرانية، ومنهاجه وسط أصالة بين مناهج الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة، ومع ذلك لم يقل أحد من الأئمة المعتبرين بأن أهل القرون المفضلة لم يكونوا أهل وسطية واعتدال في العقيدة والجهاد مع أنهم قاتلوا المشركين كافة وفاصلوا الجاهلية مطلقا! حتى قاتل الرجلُ أخاه، وفارق الرفيقُ خلّه وقلاه!، ومع ذلك فهم أهل الوسط والاعتدال لا ينازع في ذلك إلا متنكب أو ضال.
وخلافا لما يشتهيه دعاة الوسطية المحرّفة، فإن مفهوم الوسطية في الإسلام يرتبط ارتباطا وجوديا بملة إبراهيم -عليه السلام-، التي يبغضها المنافقون على اختلاف تشكيلاتهم وهيئاتهم، وتنزل على أسماعهم كالصواعق، وعلى قلوبهم كالجبال أو أثقل!
وقد تطرق أئمة التفسير -رحمهم الله- إلى معنى الوسطية عند تفسيرهم لقول الله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فقال الطبري رحمه الله: "كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا".
وقال ابن كثير: "والوسط هاهنا: الخيار والأجود... ولمّا جعل الله هذه الأمة وسطا، خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب". ونقل البغوي في تفسيره عن الكلبي قوله في الآية: "يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين". وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآية: قال: (الوسط العدل).
وقد سرد شيخ الإسلام ابن تيمية بعض معالم وسطية الأمة وخيريتها وعدالتها، وأنها هي عين ملازمة التوحيد والتمسك به فقال رحمه الله: "خصّ الله -تبارك وتعالى- محمدا -صلى الله عليه وسلم- بخصائص ميّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا، أفضل شرعة وأكمل منهاج، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس... هداهم الله بكتابه ورسوله لِمَا اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي، والحلال والحرام" إلى أن قال: "وكذلك المسلمون وسط في الشريعة، فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيّروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى، ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلوّ النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود". [الجواب الصحيح].
ولمّا افترقت هذه الأمة إلى فرق وطوائف شتى، ميّز الله أهل السنة والجماعة بالخيرية وجعلهم وسطا بين باقي الفرق، فجعلهم كأهل الإسلام بين أهل الملل الأخرى، فهم وسط في باب صفات الله وأفعاله، بين المعطِّلة والممثِّلة، وبين القدرية والجبرية، ووسط في باب الإيمان والأحكام بين الخوارج والمرجئة، ووسط في الصحابة بين النواصب والروافض، إلى غيرها من المسائل التي حادت بها الفرق عن صراط الله المستقيم فاستحقت بذلك وعيده بالعذاب الأليم، كما أخرج ابن ماجه في سننه عن عوف بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار)، قيل يا رسول الله من هم؟ قال: (الجماعة).
ولا يظن ظان أن الجماعة هي السواد الأعظم من الناس أو "الأكثرية" كما يصفها أرباب الدساتير والمناهج الأرضية، فالحق لا يقاس بالعدد والكم والكثرة، بل الكثرة مذمومة في معظم آي القرآن الكريم، وقد يكون الفرد وحده جماعة إن وافق الحق وتسلح بالعلم والعمل كما قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. قال عمرو بن ميمون الأودي: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة... إلى أن قال: أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك". [إعلام الموقعين].
واليوم يتشدق أدعياء الضلال وفقهاء الفِرق بالوسطية، وهم أبعد الناس عنها وأكثرهم مخالفة لها؛ حتى توّهموا وأوهموا الناس أن العقيدة منافس لها!، وفي المقابل يتحسس بعض أهل الحق عند ذكر الوسطية لِمَا ارتبط بها في هذا العصر من تبديل وتفريط عند محرّفيها ومخرّفيها! فنقول وبالله التوفيق: إن أهل التوحيد والجهاد، أهل الموالاة والمعاداة في الله، أهل الشدة والغلظة على الكافرين والرحمة بالمؤمنين، هم أهل الوسط والعدل والخيرية في كل عصر، رضي من رضي وسخط من سخط.
وبعد، فهذا منهاج نبيك -صلى الله عليه وسلم- أيها المسلم، وتلك سيرته شاهدة ناطقة بذلك، وفي خضم ثورة الانحراف وأربابه وفورة الباطل وفِرقه ما عليك إلا التمسك الجاد بكتاب الله وسُنة رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولكن بفهم القرون المفضلة، وليس بفهم أدعياء الوسطية المفارقين لها نحو الباطل، المنحرفين عنها المحرّفين لمعناها بعيدا عن مشكاة النبوة ونور الوحي، فتلك وسطيتهم؛ لا وسطية الإسلام التي ندين بها ولا نتحرج منها، ونحن أولى وأحق بها، والحمد لله رب العالمين.
الخميس 19 رجب 1447هـ
في وقتنا الحاضر أصبح كل من هبّ ودبّ من الفرق والأحزاب، يتحدثون عن الوسطية والاعتدال في الإسلام، ينظّرون لها وينتسبون إليها ويتغنون بها ويصدّرونها محاضرهم وناصية بياناتهم، وهي منهم براء، براءة التوحيد من الغلو والإرجاء.
وأكثر هؤلاء قد حرّفوا معناها الصحيح الذي جاء به الدين الحنيف، إما لشهوة أو شبهة، وحادوا بها عن الطريق المستقيم الذي رسمه الوحي القويم، فجعلوا الوسطية بوحي شياطينهم، هي التنازل والتفريط في الولاء والبراء، والتسامح والتعايش مع الباطل والالتقاء معه في وسط الطريق، وسمّوا ذلك زورا وبهتانا "واقعية وتوازنا!"، فأعطوا الدنية في دينهم وفرّطوا في عقيدتهم باسم وسطيتهم، وفي المقابل جعلوا المجاهدين المتمسكين بدينهم القابضين على الجمر "خوارج وغلاة متنطعين!".
والحقيقة الشرعية الثابتة الناصعة أن الوسطية بمفهوم الوحي هي السير على طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقائد والشرائع والعبادات والمعاملات، لأنه أقوم الطرق وأوسطها وأعدلها، وعدم مفارقته أو الانحراف عنه مهما كانت الظروف.
ولم تكن القرون المفضلة تُصدّر مفهوم الوسطية وتطرقه كما يطرقه أدعياؤها اليوم؛ ويقدّمونها كأنها بديل مصادم للعقيدة وخصم لها!! أو كأنها باب استثنائي في الإسلام، وذلك لأن الإسلام وسط بطبعه بين الأديان كاليهودية والنصرانية، ومنهاجه وسط أصالة بين مناهج الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة، ومع ذلك لم يقل أحد من الأئمة المعتبرين بأن أهل القرون المفضلة لم يكونوا أهل وسطية واعتدال في العقيدة والجهاد مع أنهم قاتلوا المشركين كافة وفاصلوا الجاهلية مطلقا! حتى قاتل الرجلُ أخاه، وفارق الرفيقُ خلّه وقلاه!، ومع ذلك فهم أهل الوسط والاعتدال لا ينازع في ذلك إلا متنكب أو ضال.
وخلافا لما يشتهيه دعاة الوسطية المحرّفة، فإن مفهوم الوسطية في الإسلام يرتبط ارتباطا وجوديا بملة إبراهيم -عليه السلام-، التي يبغضها المنافقون على اختلاف تشكيلاتهم وهيئاتهم، وتنزل على أسماعهم كالصواعق، وعلى قلوبهم كالجبال أو أثقل!
وقد تطرق أئمة التفسير -رحمهم الله- إلى معنى الوسطية عند تفسيرهم لقول الله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فقال الطبري رحمه الله: "كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا".
وقال ابن كثير: "والوسط هاهنا: الخيار والأجود... ولمّا جعل الله هذه الأمة وسطا، خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب". ونقل البغوي في تفسيره عن الكلبي قوله في الآية: "يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين". وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآية: قال: (الوسط العدل).
وقد سرد شيخ الإسلام ابن تيمية بعض معالم وسطية الأمة وخيريتها وعدالتها، وأنها هي عين ملازمة التوحيد والتمسك به فقال رحمه الله: "خصّ الله -تبارك وتعالى- محمدا -صلى الله عليه وسلم- بخصائص ميّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا، أفضل شرعة وأكمل منهاج، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس... هداهم الله بكتابه ورسوله لِمَا اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي، والحلال والحرام" إلى أن قال: "وكذلك المسلمون وسط في الشريعة، فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيّروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى، ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلوّ النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود". [الجواب الصحيح].
ولمّا افترقت هذه الأمة إلى فرق وطوائف شتى، ميّز الله أهل السنة والجماعة بالخيرية وجعلهم وسطا بين باقي الفرق، فجعلهم كأهل الإسلام بين أهل الملل الأخرى، فهم وسط في باب صفات الله وأفعاله، بين المعطِّلة والممثِّلة، وبين القدرية والجبرية، ووسط في باب الإيمان والأحكام بين الخوارج والمرجئة، ووسط في الصحابة بين النواصب والروافض، إلى غيرها من المسائل التي حادت بها الفرق عن صراط الله المستقيم فاستحقت بذلك وعيده بالعذاب الأليم، كما أخرج ابن ماجه في سننه عن عوف بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار)، قيل يا رسول الله من هم؟ قال: (الجماعة).
ولا يظن ظان أن الجماعة هي السواد الأعظم من الناس أو "الأكثرية" كما يصفها أرباب الدساتير والمناهج الأرضية، فالحق لا يقاس بالعدد والكم والكثرة، بل الكثرة مذمومة في معظم آي القرآن الكريم، وقد يكون الفرد وحده جماعة إن وافق الحق وتسلح بالعلم والعمل كما قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. قال عمرو بن ميمون الأودي: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة... إلى أن قال: أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك". [إعلام الموقعين].
واليوم يتشدق أدعياء الضلال وفقهاء الفِرق بالوسطية، وهم أبعد الناس عنها وأكثرهم مخالفة لها؛ حتى توّهموا وأوهموا الناس أن العقيدة منافس لها!، وفي المقابل يتحسس بعض أهل الحق عند ذكر الوسطية لِمَا ارتبط بها في هذا العصر من تبديل وتفريط عند محرّفيها ومخرّفيها! فنقول وبالله التوفيق: إن أهل التوحيد والجهاد، أهل الموالاة والمعاداة في الله، أهل الشدة والغلظة على الكافرين والرحمة بالمؤمنين، هم أهل الوسط والعدل والخيرية في كل عصر، رضي من رضي وسخط من سخط.
وبعد، فهذا منهاج نبيك -صلى الله عليه وسلم- أيها المسلم، وتلك سيرته شاهدة ناطقة بذلك، وفي خضم ثورة الانحراف وأربابه وفورة الباطل وفِرقه ما عليك إلا التمسك الجاد بكتاب الله وسُنة رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولكن بفهم القرون المفضلة، وليس بفهم أدعياء الوسطية المفارقين لها نحو الباطل، المنحرفين عنها المحرّفين لمعناها بعيدا عن مشكاة النبوة ونور الوحي، فتلك وسطيتهم؛ لا وسطية الإسلام التي ندين بها ولا نتحرج منها، ونحن أولى وأحق بها، والحمد لله رب العالمين.
الخميس 19 رجب 1447هـ