مقال: وسحروا أعين الناس! ما يزال سحرة الطواغيت منذ عصر فرعون وإلى يومنا هذا يمارسون نفس الدور ...

منذ يوم
مقال: وسحروا أعين الناس!


ما يزال سحرة الطواغيت منذ عصر فرعون وإلى يومنا هذا يمارسون نفس الدور الخبيث المتمثل في محاولة صرف قلوب الناس عن الإيمان بالحق، وحجب أبصارهم عن إدراك الحقيقة، طاعةً للطاغوت وخدمةً لمصالحه، وهم لأجل هذا المأرب سخّروا كلّ طاقاتهم وحشدوا كلّ صفوفهم على مدار الساعة حربًا على منهاج النبوة وحمَلته.

قال تعالى واصفا مشهد سحرة فرعون بالأمس لمّا أراد منهم فرعون أن يصدّوا الناس عن دعوة موسى -عليه السلام- فقال تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116]، قال المفسّرون: "أي صرفوا أعينهم عن إدراك حقيقة ما فعلوه من التمويه والتخييل". وقالوا: "أي خيّلوا إلى الأبصار أنّ ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة وخيال". وقالوا: "أي خيّلوا لهم وقلبوها عن صحة إدراكها" وقالوا: "خيّلوا إلى أعين الناس بما أحدثوا من التخييل والخُدَع".

وما زال سحرة الإعلام اليوم يتّبعون نفس الأساليب من التخييل والخداع وقلب الحقائق، إلا أنهم فاقوا سحرة الأمس في الإضلال والخداع فلم يسحروا أعين الناس وحسب، بل سحروا عقولهم وقلوبهم واستطاعوا تأطير ملايين الناس في إطارات ضيقة لا يخرجون عن مساراتها التي رسمها لهم طواغيت الغرب والشرق، وباتوا يتحكمون في مشاعر الناس واتجاهاتهم وميولهم واختياراتهم، بل حتى متى يفرحون ومتى يبكون، ولأي شيء يغضبون أو يحزنون! يرضون أو يسخطون، وكل ذلك يجري بعيدا عن ميزان الشريعة.

ولقد أوضح القرآن الكريم السبب الحقيقي الذي دفع سحرة الأمس واليوم إلى إعلان الحرب على أتباع الرسل، فقال تعالى حاكيًا عن فرعون: {إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، قال الطبري رحمه الله: "أي أمركم الذي أنتم عليه، والفساد عنده أن يعمل بطاعة الله"، وقال ابن كثير: "يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغيّر رسومهم وعاداتهم، وهذا كما يُقال في المثل: "صار فرعون مذكرا" يعني: واعظا، يشفق على الناس من موسى -عليه السلام-". وعلّق آخرون على الآية فقالوا: "وهذا من أعجب ما يكون، أن يكون شر الخلق ينصح الناس عن اتباع خير الخلق!، هذا من التمويه والترويج الذي لا يدخل إلا عقل من قال الله فيهم: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}".

وهو عين ما يجري اليوم في وسائل الإعلام التي يديرها طواغيت العرب سيرا على شرعة طواغيت العجم مِن اليهود والنصارى الذين يتحكمون فعليًّا في هذه المنصّات والمحرّكات، فيحركونها وفقا لما يخدم مصالحهم في الحرب على الإسلام، ويسترون ذلك غالبا تحت ستار "الإنسانية" والشفقة والخوف على مصير الناس تماما كما كان يزعم فرعون.

لقد استطاع سحرة الإعلام اليوم قوْلبة العالم في قوالب جاهزة صار الناس فيها كرجال آليين ينطقون -إنْ نطقوا- بعبارات متشابهة يتشاركون كلّ يوم نفس الغثاء بنفس الطريقة، يعيشون موتى لا حراك لهم إلا مِن نقرات أصابعهم المتيبّسة على أيقونات منصات التواصل كأعلى سقف يتحركون في متاهاته دون مخرج.

في عصر القسوة والجمود أصبح كثير من الناس يعكفون على صور وأصنام لهم، يتقربون إليها بالإعجاب أو الحب في مشهد مملّ متكرر يوميا، يقلّبهم سحرة الطاغوت يمنة ويسرة بحسب الحاجة والمصلحة، كما حدث مؤخرا عندما تفاعل الناس بشكل كبير مع طفلٍ سقط في بئر وتجاهلوا أطفالا آخرين قُتلوا قصفا داخل منازلهم بالطائرات الأمريكية في مشهد تقاطعت فيه "الرغبة الأمريكية" في التكتم على المجزرة مع "الاهتمام العالمي" الذي انصبّ فجأة داخل البئر! وحشد طواغيت العرب والعجم كلّ سحرتهم ليصرفوا الناس عن "مجزرة أمريكا" التي حرص الطاغوت "بايدن" على إخفائها في هذا الوقت الذي يريد فيه "إنجازا بغير أخطاء" يدعم مسيرته السياسية المتعثرة، فلا عجب أن تتماهى اهتمامات "القطيع" مع المصلحة الأمريكية.

فهل أبصرت عيون ملايين الناس طفل البئر فرقّت قلوبهم لذلك، بينما عميت أبصارهم وقست قلوبهم -فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة- عن آلاف الأطفال الذين يقتلهم البرد والجوع والإعياء كل يوم في مخيمات الأهوال في العراق والشام وغيرها؟!، أم أنّ الملايين سقطوا في بئر الهوان والطفل وحده الذي خرج؟!

كم كان تكلّفا سخيفا أن يُطلق السفهاء على ما جرى أوصافا مِن قبيل "وحدة الأمة" ولا ندري أي وحدة وأي أمة تلك التي يختار لها اهتماماتها "خبراء الإعلام في البيت الأبيض!" ليصرفوها عن بطولات أمة التوحيد في سجن غويران.

جولة قصيرة في المنصات والمواقع الإعلامية، تنبئك عن حجم الاختراق الذي حققه اليهود والنصارى، ولا نتحدث هنا عن الاختراق الأمني بل الاختراق العقدي والأخلاقي، أما الاختراق الأمني فهو تحصيل حاصل، فمَن بطلت عقيدته وفسدت أخلاقه ماذا بقي له؟! والله تعالى يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] ففاقد التوحيد فقدَ كل شيء وليس الأمن فحسب.

لقد أصبحت الجيوش الرقمية اليوم لليهود والنصارى تتقدم ساحات الحروب وهي تنفّذ بدقة مخططات شياطين الإنس والجن في صدّ الناس عن الإيمان بالله تعالى وإشغالهم بقضايا تصنعها غرف الأخبار وتخرجها عدسات الفضائيات استجابة لتوصيات "الخبراء والمستشارين الإعلاميين" الذين باتوا أقرب إلى دوائر صنع القرار في الدول الصليبية من الخبراء والمستشارين العسكريين.

كل ذلك يحتّم على أتباع المرسلين وفرسان البلاغ العاملين في ميدان الإعلام أن يضاعفوا جهودهم لمواجهة حشود السحرة الذين جمعهم فراعنة اليوم، لصدّ عاديتهم عن الإسلام وعقيدته وإنقاذ شبابه وأبنائه من حبال السحرة ومؤامراتهم المتواصلة.

وليعلم جنود الإعلام المجاهد أنّ على كاهلهم مسؤولية عظيمة في مواجهة هذا الكمّ الهائل مِن وسائل الإعلام المحاربة للإيمان، ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص والاحتساب والمصابرة واليقين بأن التوفيق من عند الله تعالى وأن النصر في المعركة الإعلامية يسير جنبا إلى جنب مع المعركة الميدانية، وكلاهما يحتاج إلى بذل تضحيات كبيرة تفلّ جموع الكافرين وتبطل كيد سحرتهم، ولا يفلح الساحر حيث أتى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 325
الخميس 9 رجب 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 2
  • 0
  • 8

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً