صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ...

منذ يوم
صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب


قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ويفضّل بعضهم على بعض، فجعل الخيرية لهذه الأمة على باقي الأمم، وفضّل نبيها محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وكان مِن معالم تفضيل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنْ خصّه بمزايا وأُعطيات لم يُعطها لغيره من الأنبياء، ومنها النصر بالرعب، حيث ورد في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي؛ نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر... )، فكان الرعب ينزل بقلوب الكافرين قبل نزول جيش النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم على بعد مسافة شهر! فكفى بدبيبه ارتجاجا في خفقات صدورهم.

والنصر بالرعب ميزة أعطيت لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مِن بعده، فكان الرعب يسبق تحرّك جيوش المسلمين ويضرب نفوسَ عدوهم قبل أن تضربها سيوفُهم، وشواهد ذلك في غزوات الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرة معروفة في كتب السير والمغازي.

غير أنّ هذه العطية والنصرة لا تُعطى إلا لمن سار على طريق النبي صلى الله عليه وسلم واتبع هداه، فكان التوحيد منهجه والجهاد سبيله قولا وعملا، فامتثل أمر الله تعالى بالإعداد والجهاد، فعندها وحسب يكون إرهاب الكافرين ثمرة لذلك الامتثال، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، فمن لم يمتثل لأمر الله تعالى بالجهاد -بعد تحقيق التوحيد- لن يتحقق له النصر بالرعب.

بل إنّ مَن حاد عن نهج النبوة وتخلّف عن الجهاد في سبيل الله تعالى وأخلد إلى الأرض؛ انقلبت هذه العطية ضدّه، فقذف الله في قلبه الوهن وسلّط عليه الذل! يؤكد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت). [رواه أحمد].

وقد أيّد الله تعالى عباده المؤمنين قديمًا بالرعب في مواطن كثيرة سطّرها القرآن الكريم، منها يوم بدر إذْ قال الله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، ويوم أحد حيث قال سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ}، ويوم إجلاء بني النضير إذْ قال المَلِك الجليل: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}، فهؤلاء اليهود قد بلغ بهم الرعب مبلغًا حتى خلّعوا أبواب بيوتهم وسقوفها!، وقال جلّ جلاله في يوم الأحزاب في يهود بني قريظة: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}، وهذا وقع فيهم بعد غدرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحالفهم مع المشركين ضد المسلمين، والأمثلة سوى ذلك كثيرة.

وقد وصف المفسّرون عند تناولهم لهذه الآيات الرعب بقولهم: "هو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة". وما يزال الرعب مددا إلهيّا يمدُّ الله به عباده المؤمنين حتى يومنا هذا، ويشهد لحضور جندي الرعب اليوم في معارك المجاهدين؛ تتابع التصريحات والتحذيرات التي تكثر على ألسنة قادة الصليبيين والمرتدين عقب كل هجوم أو تقدّم ميداني جديد يحرزه جنود الخلافة في أيّ بقعة من بقاع الأرض، وقد رأينا كيف دبّ الرعب والهلع في قلوب الكافرين يوم اقتحم الأسود (سجن غويران) رغم أنف أمريكا في ملحمة عمّ صداها أرجاء المعمورة، فأسرع المرتدون إلى تحصين سجونهم واستنفار قواتهم خارج الشام في العراق، فكان الضرب في (غويران) والرعب في كل مكان!

وكم عاش الصليبيون أياما وليالي سود بفعل الهجمات المباركة التي شنّها أبطال الإسلام في قلب أوروبا الصليبية في ذروة اشتداد الحملة الصليبية على دار الخلافة، وكيف حققت تلك العمليات المباركة إلى جانب النكاية؛ خسائر اقتصادية واستنزافا أمنيا كبيرا فرضه عليهم الرعب الذي حاولوا دفعه بدفع ملايين الدولارات لرفع الجهوزية الأمنية لقواتهم وتحصين مطاراتهم ومراكز مدنهم وأجهزة استخباراتهم.

هذا مع أنّ الرعب جندي واحد فقط من جنود الله تعالى، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح: 4]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛ ولهذا قال: {وكان الله عليما حكيما}"، فإن كان هذا صنيع جندي واحد من جنود الله بهم فكيف بغيره؟!

وفي هذا إشارةٌ وتسليةٌ مِن القويّ المنّان لأهل الإيمان أنْ يمضوا في طريقهم ويواصلوا جهادهم على كل حال مهما أصابهم من المحن والجراح، ومهما تأخر نزول النصر عليهم؛ فهو قادر -سبحانه- أن ينصر دينه بجندي واحد من جنوده، لكنها حكمته تعالى وسُنّة الابتلاء التي قدّرها على جميع خلقه ليختبرهم، فمنهم مَن آمن ومنهم مَن كفر!.

ولعل أيضا في الرعب عِوَض للقلة المؤمنة عن كثرة الغثاء المتخلفين عن أمر الله تعالى، وهذا مِن رحمة الله تعالى بعباده المجاهدين الذين سلكوا طريقا قلّ سالكوه، فأبدلهم الله تعالى خيرا من ذلك؛ ولايته ومعيّته التي يشعرون بها في كل مسلك يسلكونه وكل واد ينزلونه، تلك المعيّة التي جعلت المجاهدين يستعذبون العذاب ويستسهلون الصعاب وهم يدفعون ضريبة العزّ والثبات مِن دمائهم راضين محتسبين مطمئنين، بينما يدفع غيرهم كلّ يوم ضريبة الذلّ والنكوص أضعافا وأضعافا.

وكما أنّ الرعب تأييدٌ إلهيٌ لعباده الذين وحّدوه حقّ التوحيد، فهو أيضا سلاح من أسلحة الحروب المعاصرة ينبغي على المجاهدين أن يسعوا في تطويره وتصويبه نحو صدور عدوهم بشتى الوسائل في الميدان العسكري والأمني، لما له مِن نتائج لا تخفى على معنويات العدو الذي بات يعيش الرعب والاستنفار الدائم -بفضل الله تعالى- في كل نقاط التماس والاشتباك مع مجاهدي الدولة الإسلامية! فهاتوا لنا ساحة واحدة يأمن فيها جنود العدو على أنفسهم! أو ينامون آمنين طيلة ليلهم؟! والمجاهدون يتربصون بهم ويقعدون لهم كل مرصد.

وللمجاهد الإعلامي أيضا دور وسهم في إرهاب الكافرين وبثّ الرعب في صدورهم إذا ما أحسن استغلال ما في يديه مِن الوسائل، فالحرب الإعلامية وسلاح الرعب قرينان لا ينفكان، وبالإخلاص يُهدى المسلم إلى سبل النجاح والتوفيق في سائر أعماله وعلى رأسها الجهاد، وتأملّ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، قال المفسرون: أي "بالعون والنصر والهداية"، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 2
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً