كواسر الجهاد (4) خطة الحرب الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على ...

منذ يوم
كواسر الجهاد (4) خطة الحرب


الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد.

ما إنْ نُقلِّبُ صفحاتِ المجد التليد لهذه الأمة حتى نرى أسماء لامعة برزت في فتوحات المسلمين شرقا وغربا، إنْ ذُكر الجهاد ذُكروا وإن طُرِقت عزة المسلمين حضرت فعالهم قبل أسمائهم في الأذهان، أُنيطت بهم تلك الديار التي حُكمت بشرع الله لقرون، ودخل الناس بها في دين الله أفواجا، أولئك كانوا للحروب رجالا، يقودونها ويديرون رحاها بإيمان راسخ، ثم بشجاعة ودهاء.

يصيغون خطّة الحرب، ويذيقون العدو المُرّ والكَرب، أعطاهم الله حسن الرأي والنظر والشورى؛ فالشورى تزيد الخيارات بين يدي القائد المحنّك، وتزيده قوة.

إذْ ليس كل شجاع تتأتّى له القيادة، وليس كل ذي رأي يلين له زمام السيادة، إنما صاحبها من اجتمعت فيه هذه الصفات جميعا، قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأَبِي عُبَيْد الثقفيٍ: "اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، ‌وَالْحَرْبُ ‌لا ‌يُصْلِحُهَا ‌إِلا ‌الرَّجُلُ ‌الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ". [تاريخ الطبري].

وكما قيل:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان
هُوَ أولٌ وهيِ المَحَلُّ الثَّاني

وإن أعظم مَن قاد معركة واستخدم أدواتها على أكمل وجه وأتى بكل أسبابها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيَّد من عِند الله سبحانه وتعالى فوق فطنته وذكائه، فلقد كان عليه الصلاة والسلام شجاعا غير هيّاب، صاحب رأيٍ ونظر، مشاورا لأصحابه، وكان الأكثر مشاورة عليه الصلاة والسلام، ويتضح ذلك جليّا في غزوة بدر، لمّا قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغورت". [سيرة ابن هشام].


• الاستفادة من التضاريس

ومن أساليب حربه عليه الصلاة والسلام الاستفادة من التضاريس الطبيعية لحماية جيشه وأن يختار هو مكان المعركة لا عدوّه، من ذلك ما كان في غزوة أحد، حيث رتّب جيشه حسب ما تقتضيه أرض المعركة، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. [سيرة ابن هشام]

أما في معركة الأحزاب فقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحرب الدفاعي إلى طريقة جديدة لم تألفها العرب، فلما سمع بالأحزاب وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فحفروه في مدة وجيزة، فأعجزت خيل المشركين وانبهروا، ثم كتب الله عليهم الهزيمة، وكفى الله المؤمنين القتال.

هكذا كانت فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنويع التخطيط للمعركة وإدارتها على وجه الخصوص، وكذلك التخطيط العام حيث إنه في سنة ثمان دخل مكة وهو على رأس جيش قوامه عشرة آلاف، يسير بهذا العدد الكبير دون أن يعلم به أحد، فما فجأهم إلا وهو على مشارف مكة، فلم تستطع قريش مواجهته فأذعنوا ودخلوا في الإسلام، وهم الذين جمعوا نفس العدد يوم الأحزاب فشتتهم الله ومزقهم.

ومن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب أنه كان إذا سمع عدوًا يجمع له فإنه يعاجله ويباغته قبل أن يقدم إليه، وهذا في الكثير من السرايا والغزوات؛ وتلك خطة محكمة في تشتيت جموع الكافرين قبل تكثّرها، وإدخال الوهن النفسي وإشعارهم بالاختراق الأمني.

• تعبئة جديدة لجيش المسلمين

وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وترك رجالا دهاة في سياسة الحرب، ذاق أعداؤهم أشد العذاب ورأوا منهم ما يسحر العقول والألباب، من حسن تدبير وحنكة ودراية في الحروب وتجديد في الخطة، ففي اليرموك خرج خالد رضي الله عنه، في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وقسم المهام على جيشه، على الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة "الأنفال" وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.

ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، قال خالد لأبي عبيدة: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أراك الله، أسمع لك وأطع. فقال له خالد: إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها من وراء الميمنة والميسرة، حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا من ورائهم. فقال له: نِعْمَ ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخّر عن القَلْبِ إلى وراءِ الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحيى منه، ورجع إلى القتال. [البداية والنهاية]، ولقد هزم الله الروم في هذه المعركة وكانت أعدادهم أضعاف أعداد المسلمين ولكن بفضل الله وتأييده ثم بحسن التخطيط والتدبير كان النصر للمؤمنين.


• لأرمين ملوك العجم بملوك العرب

ولقد كان المسلمون يَقدُرون لكل حرب قَدرها، ولقد خطط عمر بن الخطاب لمعركة القادسية وهو في المدينة وكان سعد بن أبي وقاص ينقل له الأخبار بدقائق تفاصيلها، وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد عرّف العرفاء، وأمّر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

وقال عمر لسعد: اكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكّن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها، إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. [البداية والنهاية] وكان من خطة سعد ألا يهجم جيشه حتى يكبّر أربع تكبيرات؛ لما في ذلك من القوة والشعور بعظمة تلك الكلمة، ولتكون الحملة حملة رجل واحد، فكان لتلك الخطة أثر قوي في المعركة رغم حرص الفرس على إشغال المسلمين عنها.

وكل ذلك كان لهم بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، فما لشجاع ولا لعاقل توفيقٌ إلا بأمر الله.

وقد أمرنا الله بالتزود من كل ما يقوي شأن الجهاد من أساليب الحرب وعلومها والابتكار فيها، ومع الدُّربة والتجرُبة يتولّد في الأمة القادة المجربين والأبطال الميامين، الذين لا يخلو منهم عصر بحال.

وقد حظيت دولة الإسلام بمخططين وقادة مهَرة فتح الله على أيديهم معسكرات ومدنا ومطارات، من أولئك الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي وأبو عمر الشيشاني تقبلهما الله، وغيرهم من أماجد دولة الإسلام ممن عرفهم الناس وممن لم يعرفونهم.

فهذا الميدان يا بني الإسلام فخذوا من علوم الحرب وخططها، فالحرب مع اليهود والنصارى طويلة والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ولا يموتن أحدكم ولم تغبرّ قدماه في سبيل الله، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً