سجدة الغريق ​هل شعرت يوماً أن ذنوبك أثقلت خطاك حتى عجزت عن الوقوف بين يدي الله؟ لعلنا سألنا أنفسنا ...

منذ 11 ساعة
سجدة الغريق
​هل شعرت يوماً أن ذنوبك أثقلت خطاك حتى عجزت عن الوقوف بين يدي الله؟ لعلنا سألنا أنفسنا يوماً في لحظة صدق: ما الذي يربطني فعلاً بهذا الدين؟ هل تكفي كلمة "مسلم" في الهوية لتجعلني آمناً؟ نحن في هذه الدنيا نمر بموجات من التيه، نضيع في زحام المادة، وتخنقنا الهموم، وربما نغرق في وحل الشهوات. هنا تأتي الصلاة لتكون "الأكسجين" الذي يمد قلبك بالحياة، هي ليست مجرد حركات نؤديها، بل هي "موعد" خاص جداً.
​إن الإسلام بناء عظيم، شامخ، لكنه لا يقوم على مجرد التمني. لقد أخبرنا النبي ﷺ بوضوح عن القواعد التي يرتفع عليها هذا الصرح، فقال: "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ" (رواه البخاري في صحيحه، رقم 8؛ ومسلم في صحيحه، رقم 16). انظر إلى الترتيب؛ الصلاة هي هويتك اليومية، هي موعدك الذي لا يتأجل، وهي الركن الذي لا يسقط عنك أبداً ما دام فيك عرق ينبض.
​قد يهمس الشيطان في أذنك وأنت في قمة انكسارك، وأنت تشعر برائحة الذنب تفوح من ثيابك: "أنت منافق! كيف تسجد لله وأنت كنت قبل قليل تفعل كذا وكذا؟". اسمعني يا صاحبي، الشيطان لا يريدك أن تترك المعصية، بل يريدك أن تترك "المغسلة" التي تنظفك. إذا كنت تقع في الزنا، فلا تترك الصلاة. إذا كنت تشرب الخمر، فلا تترك الصلاة. إذا كنتِ لا تلبسين الحجاب وتخرجين سافرة، فلا تتركين الصلاة. تأمل معي هذا القانون الإلهي: "وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ" (سورة العنكبوت، الآية 45). الصلاة هي التي ستقوم بمهمة "النهي" يوماً ما، هي العلاج الذي سيطرد السم من جسدك تدريجياً.
​الصلاة من "الصلة"، وهي ذلك الخيط الرفيع الذي يربط غريقاً في قاع المحيط بسفينة النجاة. تدري ما الذي يحدث حين تقف وتقول "الله أكبر"؟ أنت حرفياً تفتح قناة اتصال مباشرة مع ملك الملوك. يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي العظيم: "قال اللهُ تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبينَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سأَلَ، فإذا قالَ العَبْدُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قالَ اللَّهُ تَعالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي..." (رواه مسلم في صحيحه، رقم 395). الله بذاته يرد عليك! هل هناك كرم أعظم من هذا؟ يقول الإمام ابن القيم: "لو لم يكن في الصلاة إلا أنها تطفئ نار المعاصي لكفى" (زاد المعاد، ج 4، ص 192).
​لا تنتظر أن تصبح "مثالياً" لتبدأ. ابدأ الآن بامتثال أمر الله في الفرائض، فهي أحب ما يتقرب به العبد إلى ربه. يقول الله في الحديث القدسي: "ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه" (رواه البخاري في صحيحه، رقم 6502). وإذا وجدت في نفسك قوة فزِد، وإن وجدت ثقلاً فاحمِ الفرائض وعض عليها بالنواجذ. تذكر أن الصلاة في القبر تكون "نوراً" يطرد الوحشة، وهي أول ما ستسأل عنه. يقول النبي ﷺ: "إنَّ أوَّلَ ما يُحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ من عملِهِ صلاتُهُ، فإن صلحَت فقد أفلحَ وأنجحَ، وإن فسدت فقد خابَ وخسرَ" (رواه الترمذي في سننه، رقم 413، وقال: حديث حسن).
​يا أخي.. يا من أتعبتك الذنوب، ابقَ على سجادتك، حتى وأنت تبكي خجلاً من ذنب فعلته قبل دقائق. قل له: "يا رب، هذا أنا، بذنبي، وقبحي، جئتك لأنك لا تطرد أحداً". يوماً ما، ستجد أن الصلاة بدأت فعلاً في طرد تلك الأوساخ من قلبك. لا تفرط في هويتك، ولا تحرق جسرك الوحيد للضفة الأخرى. اذهب إليه كما أنت، بضعفك، بكسرك، بذنوبك.. وسوف تجده "تواباً رحيماً".

مصعب حامد علي الفلوجي
من كتابي" سجدة الغريق"

6962c1e02a0af

  • 1
  • 0
  • 1

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً