مقال: سلفنا في رمضان (1) قراءة القرآن الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين ...

منذ 4 ساعات
مقال: سلفنا في رمضان (1) قراءة القرآن


الحمد لله الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على من جعله الله سراجا منيرا، وعلى آله وصحبه الهداة الأحسن نفيرا، أما بعد..

فإن من كان يدعو ستة أشهر أن يبلغه الله شهر رمضان، لا يدخل عليه هذا الشهر إلا وقد أعد عدته وحزم حزمته لجدٍ وتشمير، ولن يفرط في أوقات رمضان ولو باليسير؛ لأنه أيام معدودة والأنفاس محدودة والآجال تفاجئ أصحابها.

ومن أعظم قربات رمضان، قراءة آيات الله البينات، فهو شهر تنزيل القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} [سورة البقرة: 185]، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك وقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء". [التفسير]


• الرسولان يتدارسان

وأعلم الخلق بالقرآن الرسولان الأمينان جبريل ونبينا محمد عليهما الصلاة والسلام، فجبريل الروح الأمين الذي نزل به، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبلغه للناس، وهما أكثر الخلق اهتماما بالقرآن، فكانت لهما مجالس المدارسة كل ليلة في رمضان، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، كان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيُدارسه القرآن، فلَرسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريلُ أجودُ بالخير مِن الريحِ المُرسَلة". [متفق عليه]، وقال ابن حجر: "وفي الحديث من الفوائد... تعظيم شهر رمضان لاختصاصه بابتداء نزول القرآن فيه، ثم معارضته ما نزل منه فيه، ويلزم من ذلك كثرة نزول جبريل فيه، وفي كثرة نزوله من توارد الخيرات والبركات ما لا يحصى، ويستفاد منه أن فضل الزمان إنما يحصل بزيادة العبادة، وفيه أن مداومة التلاوة توجب زيادة الخير. وفيه استحباب تكثير العبادة في آخر العمر، ومذاكرة الفاضل بالخير والعلم وإن كان هو لا يخفى عليه ذلك لزيادة التذكرة والاتعاظ، وفيه أن ليل رمضان أفضل من نهاره، وأن المقصود من التلاوة الحضور والفهم؛ لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية" [فتح الباري]

وفي الحديث الانتفاع من القرآن بعد قراءته وإن كان الشخص على خلق حسن فإنه يزيده القرآن حسنا ويعطيه فضلا، وهذا من كرم القرآن، {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} [الواقعة: 77]، وهو مع ذلك عزيز لا يعطي كنوزه لمن لم يشرح له صدرا أو كان يعطيه فضول وقته أو يهجره، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ} [فصلت: 41]

وهو خير أنيس لكل مهموم ومغموم، وأطيب جليس، وكفى أنه كلام الله تعالى، فبه الراحة والطمأنينة، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]

وأسعد الناس في رمضان من صار لسانه رطبا بالقرآن، فعن عبد الله بن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف) [أخرجه الترمذي]، وأولى الناس بهذا هم أهل القرآن وحملته، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون" [فضائل القرآن للقاسم بن سلام]

لذا أيقن الصالحون عظيم الأجر ولم يفوتهم، لأنهم علموا أن من استطاع أن يجمع بين عبادتين ولم يفعل كان مغبوناً، فجمع العلماء منهم بين مدارسة العلم وبين ورده من القرآن وجمع الآخرون بين القيام بمصالح الناس وحظه من قراءة كتاب الله العزيز.


• صور مشرقة

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لم تشغله إدارة شؤون أمته عن حظه من القرآن، وكان قتادة رضي الله عنه: يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام. وقال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفرّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. [لطائف المعارف]

وقد حفظت لنا كتب التراجم والسير صورا مشرقة من اجتهاد السلف رحمهم الله، فمن ذلك ما قاله سلام بن أبي مطيع: كان قتادة يختم القرآن في سبع، وإذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث، فإذا جاء العشر ختم كل ليلة. [السير للذهبي]، وقال محمد بن زهير بن محمد بن قمير: كان أبي يجمعنا في وقت ختمه للقرآن في شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث مرات، يختم تسعين ختمة في رمضان. [السير للذهبي]، وقال مسبِّح بن سعيد: كان محمد بن إسماعيل البخاري يختم في رمضان في النهار كل يوم ختمة، ويقوم بعد التراويح كل ثلاث ليالٍ بختمة. [السير للذهبي]، قال محمد بن علي بن حبيش: كان لأحمد بن عطاء البغدادي في كل يوم ختمة، وفي رمضان تسعون ختمة، وبقي في ختمةٍ مفردةٍ بضع عشرة سنة يتفهَّم ويتدبر. [السير للذهبي] فكانت له ختمات يسرد فيها القرآن وختمة أخرى للتدبر رحمه الله.

وقال الربيع بن سليمان سمعت الشافعي يقول كنت أختم في رمضان ستين مرة. [حلية الأولياء] قيل ختمة في النهار وختمة في الليل.

وهذا ممكن لأهل القلوب المتعلقة بالقرآن، والألسن التي لا تنقطع عن القرآن، وقد وُجد في هذا الزمان من يستطيع إتمام القرآن من الفجر إلى العصر أو إلى الظهر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

وهذا كله استغلالا لبركة رمضان وهو من عمل السلف رحمهم الله، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك، فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره". [لطائف المعارف]


• لمن انشغل بمصالح المسلمين

ومن شُغِل بالجهاد في سبيل الله تعالى أو بالعلم ومصالح المسلمين، فليجتهد في ذلك من غير تقصير وأحوال الناس تختلف، قال الإمام النووي حين حديثه عن حال السلف مع القرآن وختمه: "والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر ما يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة". [التبيان في آداب حملة القرآن]

وللقراءة آداب ذكرها ابن القيم رحمه الله فقال: "فصل: في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن، واستماعه، وخشوعه، وبكائه عند قراءته واستماعه، وتحسين صوته به، وتوابع ذلك. كان له صلى الله عليه وسلم حِزب يقرؤه ولا يُخِلُّ به، وكانت قراءتُه ترتيلاً لا هذَّا ولا عجلة، بل قِراءةً مفسَّرة حرفاً حرفاً، وكان يُقَطِّع قراءته آية آية، وكان يمدُّ عند حروف المد، فيمد (الرحمن)، ويمد (الرحيم)". [زاد المعاد]

"واستحب بعضهم إذا ختم بالنهار أن يختم في ركعتي الفجر أو بعدهما، وإذا ختم بالليل أن يختم في ركعتي المغرب أو بعدهما ليستقبل بالختمة أول الليل وأول النهار. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: من ختم القرآن فله دعوة مستجابة. وكان أنس رضى الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا". [مختصر منهاج القاصدين]

فالبدار البدار لصالح الأعمال، يقول ابن الجوزي رحمه الله واعظا: "فبادروا إخواني شهركم بأفعال الخير، وأفردوها عن الخطايا لتكون وحدها لا غير، واعلموا أن شهركم هذا شهر إنعام ومَيْر، تعرف حرمته الملائكة والجن والطير، واها لأوقاته من زواهر ما أشرفها، ولساعاته التي كالجواهر ما أظرفها، أشرقت لياليها بصلاة التراويح، وأنارت أيامها بالصلاة والتسبيح، حليتها الإخلاص والصدق، وثمرتها الخلاص والعتق. تيقظ يا غافل وانهض ببدارك، فمالك لأهلك وأنت ضيف بدارك، واستدرك قديمك وأصلح بالتقى حديثك، وامنع لسانك اللغو واجعل الذكر حديثك، وصحح بمجانبة الهوى إيمانك ويقينك" [التبصرة]

اللهم ارزقنا إيمانا كاملا ويقينا صادقا وافتح علينا من رحماتك، وهب لنا صلاحا وإخلاصا، وتقبل دعاءنا يا كريم.
والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 333
الخميس 6 رمضان 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً