مقال: سلفنا في رمضان (2) قيام الليل الحمد لله الملك العلّام، والصلاة والسلام على نبينا محمد ...

منذ 4 ساعات
مقال: سلفنا في رمضان (2) قيام الليل


الحمد لله الملك العلّام، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير من صلى وصام، وعلى آله وصحبه من بلغوا في العبادة التمام، ومن تبعهم بإحسان، وبعد.

فإن ليالي رمضان أريج ومسك يحل بأهل الأرض طيلة هذا الشهر المبارك، وقيامها نور يشعّ منها عظيم، فترى الرحمات تجوب على المؤمنين القانتين، فالأقدام بين يدي باريها منتصبة والقلوب خاشعة والدموع منهمرة، ترجو القبول والفوز.

تُغفر ذنوب، وتُعتق نفوس، وتُرفع درجات، فواها لدعوات الصالحين الخالصة، وواها لأوباتهم المتوالية، أولئك {الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، وهم الذين {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ}.

فقيام الليل دأب الصالحين من هذه الأمة ومن قبلهم، وبه نور ينير الله به قلوب المتقين، وبه تهون أهوال الآخرة، قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 26 - 27]

وامتدح الله أهل القيام ووعدهم ما تقر به أعينهم، فقال تعالى واصفا حالهم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 16 - 17]


• القيام يعين على التكاليف

والقيام سر من أسرار العباد الأخفياء، ومن أسباب تثبيت القلوب وإعانتها على حمل الأمانات الثقيلة، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: 1- 5] قال عكرمة: معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: {اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} مع قوله: {إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا}؛ "تحريضا على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلّا قليلا من الليل، وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه، ومحمل التزمل عنده على المجاز، أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل". [تفسير ابن عاشور]


• حاجة المجاهدين إلى القيام

وما أحوج الموحدين الحاملين لأمانة نصرة هذا الدين، الذائدين عن حماه، لركعات في جوف الليل لينير الله لهم طريقهم ويعينهم على الثبات، ويغفر لهم الخطيئات، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وقيام الليل من أسباب تكفير الذنوب، فعن أبي أُمامةَ الباهلي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بقيام الليلِ؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة لكم إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الإثم) [أخرجه الترمذي]، وأعد الله لأصحاب القيام مساكن في الجنة يتنعمون بها فياله من فضل، فعن أبي مالك الأشعريِّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله تعالى لمن أَطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام). [رواه أحمد]

وهو أفضل نوافل الصلاة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل) [مسلم]

فإن كان القيام ممدوحا صاحبه في غير شهر رمضان فهو في رمضان آكد، فلقد ورد فيه الثواب الجزيل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) [متفق عليه]، كما حث النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة التراويح فقال: (إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة) [النسائي]

أما معنى التراويح لغة فهو: "جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، وروَّحتُ بالقوم ترويحا: صليت بهم التراويح؛ وسميت بذلك لأن الناس كانوا يطيلون القيام فيها والركوع والسجود، فإذا صلوا أربعا استراحوا، ثم استأنفوا الصلاة أربعا، ثم استراحوا، ثم صلوا ثلاثا" [لسان العرب]

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: "فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل، فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصلاة". [أخرجه مسلم]

• قيام السلف في رمضان

ولقد جاءت الأخبار عن سلفنا الصالح في صفة قيامهم في رمضان فاسمع أخبارهم واقْفُ آثارهم، فعن السائب بن يزيد قال: أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أبي بن كعب وتميما الداري -رضي الله عنهما- أن يقوما للناس في رمضان فكان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلّا في فروع الفجر. [أخرجه البيهقي]. وعن مالك عن عبد الله بن أبي بكر قال: سمعت أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فيستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر. [أخرجه مالك في الموطأ].

وعن أبي عثمان النهدي قال: أمر عمر بثلاثة قراء يقرؤون في رمضان فأمر أسرعهم أن يقرأ بثلاثين آية وأمر أوسطهم أن يقرأ بخمس وعشرين وأمر أدناهم أن يقرأ بعشرين [أخرجه عبد الرزاق في المصنف]. وعن يزيد بن خصفة عن السائب بن يزيد قال: "كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمائتين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان من شدة القيام" [أخرجه البيهقي]، وعن داود بن الحصين عن عبد الرحمن بن هرمز قال: "كان القراء يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها القراء في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف عنهم" [أخرجه البيهقي]. وقال نافع: "كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يقوم في بيته في شهر رمضان فإذا انصرف الناس من المسجد أخذ إداوة من ماء ثم يخرج إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لا يخرج منه حتى يصلي فيه الصبح" [أخرجه البيهقي]. وعن نافع بن عمر بن عبد الله قال: سمعت ابن أبي ملكية يقول: "كنت أقوم بالناس في شهر رمضان فأقرأ في الركعة {الحمد لله فاطر} ونحوها وما يبلغني أنّ أحدا يسثقل ذلك". [أخرجه ابن أبي شيبة]. وعن عبد الصمد قال حدثنا أبو الأشهب قال: "كان أبو رجاء يختم بنا في قيام رمضان لكل عشرة أيام". وكان الإمام البخاري صاحب الصحيح يختم في التراويح كل ثلاثة أيام، وذكر الحافظ الذهبي عن أبي محمد اللبان أنه "أدرك رمضان سنة سبع وعشرين وأربعمائة ببغداد فصلّى بالناس التراويح في جميع الشهر فكان إذا فرغها لا يزال يصلي في المسجد إلى الفجر، فإذا صلى درّس أصحابه. وكان يقول: لم أضع جنبي للنوم في هذا الشهر ليلاً ولا نهاراً وكان ورده لنفسه سبعا مرتلاً". [تاريخ الإسلام]

وعلى القارئ أن يتغنى بالقرآن ويسأل الله عند آيات الرحمة ويستعيذ بالله عند آيات العذاب، وأن يقف عند نهاية القصص ويراعي المعاني، عن ميمون بن مهران رحمه الله قال: "أدركت القارئ إذا قرأ خمسين آية قالوا: إنه ليخفف وأدركت القراء في رمضان يقرءون القصة كلها قصرت أو طالت. فأما اليوم فإني أقشعر من قراءة أحدهم، يقرأ: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون}، ثم يقرأ في الركعة الأخرى {غير المغضوب عليهم ولا الضالين}، {ألا إنهم هم المفسدون}". [قيام رمضان للمروزي]

إذا مررنا بهذه الأخبار فسندرك سبب تسارع الفتوحات في ذلك الجيل، وسندرك تفسير عظائم أفعالهم وأسباب تهاوي ممالك الكافرين أمامهم، فذاكم الجيل القرآني، وإن جيلا هذه عبادته في رمضان لا يقف لهم عدو مهما كبُر، فعبادة وجهاد وعلم وعمل -بعد صحة التوحيد- كفيلة بتغيير موازين كبيرة في واقع الناس.

فالبدار البدار فما هي إلا أيام قلائل ويفوز الفائزون ويتحسر النادمون، ولا يستوي المسرعون والمبطئون، قال الحسن البصري: "لا يجعل الله عبدا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه" [الزهد للإمام أحمد].

وكم من الأوقات تضيع على شباب المسلمين بفضول الكلام، والجلسات التي لا تخلو من الآثام، ويضيع الوقت بغير فائدة، قال ابن القيم رحمه الله: "إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها". [الفوائد]

فخلّ عنك ما سوى الله جانبا وأقبل على طول القيام بين يدي مولاك، فإنه لا تصحّ القلوب إلا بتعب الأبدان، فقد علمت حال سادة هذه الأمة وغيرهم، فدونك الخيار الأسمى أيها المسلم.

نسأل الله تعالى بمنّه وكرمه أن يوفقنا للاقتداء بالسلف الصالحين وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 334
الخميس 13 رمضان 1443 هـ

683b4c4f96693

  • 0
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً