مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام ...

منذ ساعتين
مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع


الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام العابدين، وعلى آله وصحبه الأوّابين الطاهرين، وبعد.

فما شيء أرقى درجة أن يحوزه المرء في رمضان من الخشوع لله تعالى، وإدراكه معاني العبودية وشعوره بعظمة ربه سبحانه وكبريائه، وغوصه في معاني القرآن التي تُجلّي جلالة هذا الكتاب الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

وتلك أعظم ثمار رمضان، التي يجدها أهل القنوت وطول الصلاة، الراكعون الساجدون المبتهلون المتبتلون.

ولا شك أن من يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، قد عملوا فيه بكل ما أطاقوه مما لا يستطيعه محبو الراحة والتسليات، حتى رأى أولئك أعمالهم في رمضان كنزا عظيما لو لم يتقبله الله لخسروا خسرانا مبينا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 60 - 61]

فحتّامَ يقسو القلب وتخنقه الأقفال؟ وحتّامَ تجفّ العين؟ وإلى متى لا يتدبر القارئ كتاب ربه؟ يمر رمضان ورمضان وتمر الآيات على القلوب وكأنّ عليها الران والأكنّة، آيات بينات وأمثال واضحات، ووعيد وقوارع تهز الجبال، وترغيب في الجنة لا يقعد بعده عن التشمير إلا محروم أو جبان، أما من خشع قلبه فقد تاب وأناب وعقد العزم على ألا يُرضي إلا الله وألا يخاف إلا من الله.


• الخشوع تجديد للإيمان

ومن المعلوم أن العبادات هي قرة أعين المحبين، فنالت قلوبهم ثمرة ذلك من الخشوع والطمأنينة والأنس بالله تعالى، فالخشوع متى حضر حرك مكنونات النفس من الإنابة والتفكر، ومن حُرم الخشوع ابتُلي بثقل العبادات وقعودِ الجوارح عن الطاعات، وتفتّح القلب للصوارف والشواغل، فلا بد للعبد مِن تعاهد قلبه حتى لا يبلى إيمانه.

وأخشع الناس قلوبا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {...وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وقال الله في زكريا وآله عليهم السلام: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "(اقرأ علي)، قلت: يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: (نعم) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان". [متفق عليه].

وأثنى الله على أهل العلم الخاشعين فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وذلك لأن الغاية من العلم الخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].


• من معاني الخشوع

قال ابن تيمية رحمه الله: "والخشوع يتضمن معنيين: أحدهما: التواضع والذل، والثاني: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته للّه وطمأنينته أيضا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون، وعن ابن عباس في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون : 2] قال: مخبتون أذلاء، وعن الحسن وقتادة: خائفون، وعن مقاتل: متواضعون، وعن علِيّ: الخشوع في القلب وأن تلِين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا، وقال مجاهد: غَضُّ البصر وخَفْض الْجناَح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة، وعن ابن سِيرِين وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الآية [المؤمنون : 1-2] فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض، وعن عطاء: هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). [مجموع الفتاوى]

ومما يعين على الخشوع في قيام رمضان أن تُحرّك القلوب بالآيات مع الوقوف على المواضع التي فيها العجائب؛ لينتبه القارئ والسامع، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تهذوا القرآن كهذِّ الشعر! ولا تنثروه نثر الدقل! وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب" [مصنف ابن أبي شيبة].


• الخشوع في الصلاة

وإن خشوع القلب يظهر على الجوارح، قال ابن القيم رحمه الله: "وأَجمع العارفون على أن الخشوع محلُه القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تُظهره" [منازل السائرين].

والخشوع في الصلاة هو رُوحها، قال ابن القيم رحمه الله: "سرُّ الصلاة وروحها ولبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها، بل يجعل الكعبة التي هي بيت الله، قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت -تبارك وتعالى- قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان، والإقبال في الصلاة على ثلاثة منازل: إقبال العبد على قلبه فيحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات المُبطلة لثواب صلاته أو المنقصة لها، وإقباله على الله بمراقبته فيها حتى يعبده كأنه يراه، وإقباله على معاني كلام الله وتفاصيله، وعبودية الصلاة ليعطيها حقها من الخشوع والطمأنينة وغير ذلك، فباستكمال هذه المراتب الثلاث يكون قد أقام الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على المصلي بحسب ذلك" [أسرار الصلاة]


• السلف والخشوع في الصلاة

أما أحوال السلف في الخشوع في الصلاة فهذه بعض أخبارهم، فقد كان العنبس بن عقبة رحمه الله يسجد حتى تقع العصافير على ظهره فكأنه جذم حائط. [الزهد للإمام أحمد]

وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء" [حلية الأولياء]، وأخبر أبو بكر بن عياش رحمه الله عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله يقول عنه: "فلو رأيته قلت ميت، -يعني من طول السجود-" [سير أعلام النبلاء]، وكان الإمام البخاري رحمه الله يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: "انظروا كم آذاني" [فتح الباري]

وفقدان الخشوع في الناس بداية ذهاب الدين، قال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة" [حلية الأولياء]، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

ولقد عاتب الله تعالى خير القرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخشع قلوبهم ولا تقسو، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد : 16]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه... عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلا أربع سنين" [التفسير]، أي أن ذلك نزل في ابتداء الإسلام يحذرهم الله صنيع أهل الكتاب الذين قست قلوبهم بعدما طالت عليهم المدة، فكيف بحالنا اليوم في عصر القسوة؟!

ومن الدعاء النافع ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" [مسلم]، فمن حرص على هذا الدعاء فحري أن يرزقه الله قلبا خاشعا. ومن خشع قلبه لمولاه وأدرك عظيم شأن ربه سبحانه وعظيم كلامه وأحكامه علم أنه لو بذل في سبيل ذلك نفسه ودمه وماله لكان يسيرا، وأن دين الله يستحق المزيد من العطاء، وبهذا يدرك المجاهد في سبيل الله صحة طريقه بقتاله الذين ساووا رب السماوات والأرض بسفهاء أهل الأرض من المشرَّعين وأهل الدساتير، وأن الجهاد من خير العبادات وله يُجبي الله خيرة عباده.

ومن فاتته هذه المنزلة في رمضان فمتى سيحصلها؟، فاحرص عليها أخي المسلم فلربما تدرك ذلك في آخر ليلة من رمضان، فيكون ختامك مسكا.

اللهم أعنا على حسن العبادة واجعلنا لك خاشعين منيبين مخبتين واجعلنا ذكّارين شكّارين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 0
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً