مقال: معدن النفس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...

منذ 19 ساعة
مقال: معدن النفس


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.

فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.

ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.

ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]


• تحصين القلب

ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]


• مداخل الشيطان!

فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]

وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]

• حقيقة مرض القلب

وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]


• خير علاج للقلوب

وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].

وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً