صفات المنافقين (3) ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، ...

منذ ساعتين
صفات المنافقين (3)


ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها.

ولقد هتك الله أستارهم! وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف، خلَفهم أمثالُهم، فذكَر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر، وبيّنها لهم فقال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هذا شأن من ثقلت عليه النصوص، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه، فهي في وجهه كالبنيان المرصوص، فباعها بمحصل من الكلام الباطل، واستبدل منها بالفصوص، فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.

أسرّوا سرائر النفاق، فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم، وفلتات اللسان! ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم، راجوا على الصيارف والنقاد. كيف؟ والناقد البصير قد كشفها لكم: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}.


• أحوالهم يوم الحشر

فكيف إذا جُمعوا ليوم التلاق، وتجلى الله -جل جلاله- للعباد وقد كشف عن ساق؟ وَدُعوا إلى السجود فلا يستطيعون {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}، أم كيف بهم إِذا حُشروا إلى جسر جهنم؟ وهو أدق من الشعرة، وأحدّ من الحسام، وهو دحض مزلة، مظلم، لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسّمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأُعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح! فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضُرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه -الذي يلي المؤمنين- فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة، ينادون مَن تقدّمهم مِن وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بُعدٍ كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد طفئت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور؛ {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}، حيث قسمت الأنوار، فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يُذكّر الغريبُ صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}، نصوم كما تصومون، ونصلي كما تصلوّن، ونقرأ كما تقرأون، ونتصدق كما تصدقون، ونحج كما تحجون؟ فما الذي فرّق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور؟ قالوا: بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد، وكل ظلوم كفور {وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.


• لئلا تستوحِشوا!

لا تستطِل أوصاف القوم، فالمتروك -والله- أكثر من المذكور! كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم!، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور.

فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: "يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك!".

• خوف السلف من النفاق

تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقّه وجلّه، وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم؟! قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا"، وقال ابن أبي مُليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل" ذكره البخاري، وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن"، ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق! قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع".

تالله لقد مُلئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدّعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل!


• أركان النفاق أربع

زَرْع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربعة، استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرُف هار، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تُبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور؛ تبيّن حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق، أن حواصله التي حصّلها كانت كالسراب؛ {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.


• أشهر أماراتهم!

قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية، وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية، وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.

فهذه -والله- أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية، إذا عاهدوا لم يفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ صَدَفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

تمّت، وصلى اللهُ وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

[صفات المنافقين/ لابن القيم رحمه الله]



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 531
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 شعبان 1447 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً