الجِهادُ فِي سبيلِ الله « إذا وصل الجهاد في الشريعة إلى مرتبة التعيُّن -كحال الجهاد اليوم- ...
منذ ساعتين
الجِهادُ فِي سبيلِ الله
« إذا وصل الجهاد في الشريعة إلى مرتبة التعيُّن -كحال الجهاد اليوم- فإنه ينتقل من كونه فرض كفاية إلى فرض عين، وحينئذٍ تتغير جملة من الأحكام المتعلقة به، ومن هذه الأحكام أن الاستئذان من الوالدين أو الأهل لا يكون واجبًا عند تعيُّنه؛ لأن الواجب العيني مقدم ولا يُعلق على إذن أحد، بخلاف الجهاد الذي لم يتعيَّن كجهاد الطلب "إذا قامت به الكفاية"
وقد قال الله تعالى { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ } [التوبة: ٤١] قال مجاهد: شبابا وشيوخا، وأغنياء ومساكين. وكذا قال أبو صالح، وغيره وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } يقول: انفروا نشاطا وغير نشاط. وكذا قال قتادة
وكما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال له: "أحيٌّ والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" وبيَّن أهل العلم أن هذا محمول على الجهاد غير المتعيّن ، إذ لو كان متعيّنا لما أذن له في التخلف عن الجهاد، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرخص في ترك الفرض العيني وقد نصَّ العلماء على أن تعيَّن الجهاد يكون في أحوال من أشهرها استنفار الإمام؛ أي النفير العام بأمر الإمام، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ } [التوبة: ۳۸]
ودفع الصائل أي إذا وقع الاعتداء على المسلمين أو استبيحت بيضتهم، فيتعين الدفع قال ابن تيمية رحمه الله: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وعلى هذا، فلا يجب إذن الوالدين في الجهاد المتعيّن باتفاق الفقهاء -رحمهم الله- لأن فرض العين لا يُشترط فيه إذن الوالدين، زد على ذلك أنَّ طاعة الوالدين مربوطة بطاعة الله تعالى، فإن أمرا بمعصية فلا سمع ولا طاعة لهما، وترك الجهاد المتعين معصية "قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" والله أعلم »جهاد البيان
إن الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظم القربات، بها تحيا القلوب بعد موتها، وتستبين السبل بعد التباسها، ويُعرف الحق في زمن كثرت فيه الأصوات واختلطت فيه الدعاوى
وقد جعل الله تعالى للدعوة منزلة رفيعة، ورفع شأن أهلها، لأنهم يسعون لهداية الخلق، لا لعلو في الأرض ولا لطلب جاه، وإنما ابتغاء مرضاة الله ونصرة دينه.
وفي عصر صار فيه الإعلام هو اللسان الأقوى، والكلمة هي الأسرع وصولًا: أصبح ميدان الإعلام والدعوة والبيان ميدانًا واسعًا من ميادين الجهاد؛ جهاد تقام فيه الحجة، وتُدفع فيه الشبهة، ويُبيَّن فيه المنهج، ويُحفّز فيه الشباب للالتحاق بالجهاد، ويُثبت فيه أهل الحق.
وهو جهاد لا يقوم على الصخب ولا على الانفعال، بل على العلم والحكمة وحسن الموعظة، ومعرفة مواضع الكلام، والتمسك بضوابط الشرع في كل خطاب، قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
ومن الخطأ أن يُقاس هذا الباب بعدد المتابعين أو بانتشار المقاطع، وإنما بما يحمله من صدق وإخلاص، وبما يورثه من هداية واستقامة، فكم من كلمة خرجت من قلب صادق ففتح الله بها قلوبًا، وكم من طرح خالٍ من البصيرة أحدث تشويشا وبلبلة وكان ضرره أعظم من نفعه وإن ظنُّ صاحبه أنه يحسن صنعًا.
وعلى من يسلك الجهاد الإعلامي أن يستحضر شرف الدعوة وفضلها، وأن يتزود بالعلم قبل القول والعمل، وبالإخلاص قبل الظهور، وأن يعلم أن أعظم النصرة ما كانت على بصيرة، وأن من أحب الأعمال إلى الله ما كان أنفع للناس وأقرب لهدايتهم.عام وعالم مضطرم
ويضطرم العالم اليوم بحروب وصراعات متلاحقة، أنتجت اصطفافات وتحالفات متقلبة، وولّدت حالة من انعدام الاستقرار واضطراب التوازنات وغياب الثقة بين "الشركاء الدوليين" الذين تحالفوا طويلا ضد الإسلام وتجاوزوا خلافاتهم لأجل محاربته، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على تجاوزها فضلا عن ضبط مسارها كما كان الوضع عليه في السابق، بل دبت الخلافات بين صفوفهم واشتعلت الحروب بين معسكراتهم، متجاوزةً كل الحدود التي رسموها لضبط إيقاع النزاعات فيما بينهم، لكن يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، وتفسير ذلك الواقع نجده عند الحكيم الخبير خالق الكون ومدبّر أمره القائل سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، ومكره تعالى تدبيره لأوليائه واستدراجه لأعدائه، ومن ذلك: إيقاع العداوة بينهم مصداقا لوعيده بهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 528
"عام وعالم مضطرم"
« إذا وصل الجهاد في الشريعة إلى مرتبة التعيُّن -كحال الجهاد اليوم- فإنه ينتقل من كونه فرض كفاية إلى فرض عين، وحينئذٍ تتغير جملة من الأحكام المتعلقة به، ومن هذه الأحكام أن الاستئذان من الوالدين أو الأهل لا يكون واجبًا عند تعيُّنه؛ لأن الواجب العيني مقدم ولا يُعلق على إذن أحد، بخلاف الجهاد الذي لم يتعيَّن كجهاد الطلب "إذا قامت به الكفاية"
وقد قال الله تعالى { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ } [التوبة: ٤١] قال مجاهد: شبابا وشيوخا، وأغنياء ومساكين. وكذا قال أبو صالح، وغيره وقال الحكم بن عتيبة: مشاغيل وغير مشاغيل وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: { انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } يقول: انفروا نشاطا وغير نشاط. وكذا قال قتادة
وكما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- جاء رجل للنبي -صلى الله عليه وسلم- فاستأذنه في الجهاد، فقال له: "أحيٌّ والداك؟" قال: نعم. قال: "ففيهما فجاهد" وبيَّن أهل العلم أن هذا محمول على الجهاد غير المتعيّن ، إذ لو كان متعيّنا لما أذن له في التخلف عن الجهاد، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرخص في ترك الفرض العيني وقد نصَّ العلماء على أن تعيَّن الجهاد يكون في أحوال من أشهرها استنفار الإمام؛ أي النفير العام بأمر الإمام، لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ } [التوبة: ۳۸]
ودفع الصائل أي إذا وقع الاعتداء على المسلمين أو استبيحت بيضتهم، فيتعين الدفع قال ابن تيمية رحمه الله: وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وعلى هذا، فلا يجب إذن الوالدين في الجهاد المتعيّن باتفاق الفقهاء -رحمهم الله- لأن فرض العين لا يُشترط فيه إذن الوالدين، زد على ذلك أنَّ طاعة الوالدين مربوطة بطاعة الله تعالى، فإن أمرا بمعصية فلا سمع ولا طاعة لهما، وترك الجهاد المتعين معصية "قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" والله أعلم »جهاد البيان
إن الدعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظم القربات، بها تحيا القلوب بعد موتها، وتستبين السبل بعد التباسها، ويُعرف الحق في زمن كثرت فيه الأصوات واختلطت فيه الدعاوى
وقد جعل الله تعالى للدعوة منزلة رفيعة، ورفع شأن أهلها، لأنهم يسعون لهداية الخلق، لا لعلو في الأرض ولا لطلب جاه، وإنما ابتغاء مرضاة الله ونصرة دينه.
وفي عصر صار فيه الإعلام هو اللسان الأقوى، والكلمة هي الأسرع وصولًا: أصبح ميدان الإعلام والدعوة والبيان ميدانًا واسعًا من ميادين الجهاد؛ جهاد تقام فيه الحجة، وتُدفع فيه الشبهة، ويُبيَّن فيه المنهج، ويُحفّز فيه الشباب للالتحاق بالجهاد، ويُثبت فيه أهل الحق.
وهو جهاد لا يقوم على الصخب ولا على الانفعال، بل على العلم والحكمة وحسن الموعظة، ومعرفة مواضع الكلام، والتمسك بضوابط الشرع في كل خطاب، قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125].
ومن الخطأ أن يُقاس هذا الباب بعدد المتابعين أو بانتشار المقاطع، وإنما بما يحمله من صدق وإخلاص، وبما يورثه من هداية واستقامة، فكم من كلمة خرجت من قلب صادق ففتح الله بها قلوبًا، وكم من طرح خالٍ من البصيرة أحدث تشويشا وبلبلة وكان ضرره أعظم من نفعه وإن ظنُّ صاحبه أنه يحسن صنعًا.
وعلى من يسلك الجهاد الإعلامي أن يستحضر شرف الدعوة وفضلها، وأن يتزود بالعلم قبل القول والعمل، وبالإخلاص قبل الظهور، وأن يعلم أن أعظم النصرة ما كانت على بصيرة، وأن من أحب الأعمال إلى الله ما كان أنفع للناس وأقرب لهدايتهم.عام وعالم مضطرم
ويضطرم العالم اليوم بحروب وصراعات متلاحقة، أنتجت اصطفافات وتحالفات متقلبة، وولّدت حالة من انعدام الاستقرار واضطراب التوازنات وغياب الثقة بين "الشركاء الدوليين" الذين تحالفوا طويلا ضد الإسلام وتجاوزوا خلافاتهم لأجل محاربته، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على تجاوزها فضلا عن ضبط مسارها كما كان الوضع عليه في السابق، بل دبت الخلافات بين صفوفهم واشتعلت الحروب بين معسكراتهم، متجاوزةً كل الحدود التي رسموها لضبط إيقاع النزاعات فيما بينهم، لكن يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، وتفسير ذلك الواقع نجده عند الحكيم الخبير خالق الكون ومدبّر أمره القائل سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، ومكره تعالى تدبيره لأوليائه واستدراجه لأعدائه، ومن ذلك: إيقاع العداوة بينهم مصداقا لوعيده بهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 528
"عام وعالم مضطرم"