مقال: أعمالٌ جارية الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومَن ...

منذ 3 ساعات
مقال: أعمالٌ جارية


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومَن سار على هديه واقتفى أثره إلى يوم الدين، وبعد.

لقد كتب الله تعالى آجال العباد وهم صائرون إليها لا محالة، ومقبلون على ما قدموا لا مناص، والموفّق من حاسب نفسه وعمل لما بعد الموت، وترك مِن بعده أجرا جاريا يزيد في حسناته ويُبقي الأثر الطيب لأمته من بعده، والشقي مَن أتبع نفسه هواها، وأبقى بعده ما يزيد مِن ذنوبه، ويثقل ميزان سيئاته، وقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عنه عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) [رواه مسلم]، فهذه الأعمال تظل تزيد من حسنات العبد بعد رحيله عن الدنيا، عندما يرى الآخرة عين اليقين، ويعيشها حق اليقين، ويدرك حينها حاجته للحسنة الواحدة والركعة الواحدة والتسبيحة الواحدة، فتكون هذه الأعمال الجارية منحة ربانية، وفرصة لاستمرار الأجور بعد موت العبد، والسعيد من حرص على اغتنام هذه الفرصة من الآن.


• "صدقة جارية"

أصاب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أرضا في خيبر، كانت أحبّ أمواله إليه فجعلها صدقة جارية للمسلمين، لأنه يدرك قول ربه سبحانه وتعالى: {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، وذو النورين عثمان -رضي الله عنه- اشترى بئر "رومة" بعد أن كان ماؤها يُباع بيعا للمسلمين، لتكون كل شربة منها في حياته وبعد موته حسنات يثقل الله تعالى بها ميزانه، وهذا خالد -سيف الله المسلول- يحبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، ليكون كل استخدام لها ضد أعداء الله في ميزان حسناته، وما زال الموفّقون من عباد الله يُوقِفون أموالَهم في سبيل الله، ليضمنوا ألا تنقطع أعمالهم بعدهم، وتظل الحسنات تجري إليهم، فمنهم من يشتري سلاحا يقاتل به المجاهدون، ومنهم من يبني مسجدا يصلي فيه المسلمون، ومنهم من يبني البيوت ليأوي إليها المستضعفون من المسلمين، وفي المقابل نجد أن بعض الناس يوقفون من أموالهم ما يزدادون به إثما والله المستعان، كأنه لم يكْفِه ما اقترف من آثام في حياته، ليحمل معها أوزارا أخرى بعد موته، فمنهم من يبني مصنعا للمُسكرات، أو يفتح تجارة للمحرمات، أو يشتري آلات العزف والمحرمات، ليكون كل ذلك وزرا عليه من بعده، يحمله مع من يرتكب السيئات بما خلّفه وراءه مِن أسباب الذنوب، والعياذ بالله.


• "علم يُنتفع به"

ومما ينتفع الإنسان به بعد موته أيضا العلم النافع الذي يتركه لمن خلفه، وما زلنا نتعلم ونستفيد مما خلّفه لنا علماء الإسلام السابقون، مِن عهد الصحابة إلى يوم الناس هذا، وكل مسألة يستفيد منها المسلمون تعود بالأجر على مَن أفادها إلى يوم القيامة، وكما حثت نصوص الكتاب والسنة على اكتساب العلم فقد حثت كذلك على إنفاقه وتبليغه، بل قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بلغوا عني ولو آية) [البخاري]، فلا يشترط في المسلم أن يكون عالما كي يُعلّم، بل يعلّم من يستطيع ما يعلَم، ولو كانت آية واحدة أو حديثا واحدا أو مسألة واحدة، لينتشر العلم بين المسلمين، ويكون لناشره من بعده أجر جارٍ، وقد أدرك سلفنا الصالح هذا، فكانوا ملازمين للعلم والتعليم إلى نهاية أعمارهم، ليكون علمهم من بعدهم سببا في إجراء الحسنات لهم، قال تلميذ أبي يوسف القاضي -رحمه الله-: "مرض أبو يوسف، فأتيته أعوده، فوجدته مغمى عليه، فلما أفاق قال لي: يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت: في مثل هذه الحالة؟! قال: ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناج" إلى أن قال: "ثم قمتُ من عندهِ فما بلغتُ باب دارِهِ حتى سمعتُ الصراخ عليه وإذا هو قدْ مات" فتأمل حرصهم على إتيان أسباب إدامة الأجور حتى في آخر لحظة في الحياة، وفي المقابل نجد مِن الناس مَن ترك خلفه مِن الضلال ما يحمل به وزر كل مَن تبعه مِن بعده، فمنهم الأئمة المضلون، ومنهم الشعراء الغاوون، ومنهم الكتاب الفتّانون، ومنهم من ينشر المحرمات على الشبكة العنكبوتية لتبقى أوزارا تثقل ميزان سيئاته كلما رآها أحد مِن بعده، فلابد للمرء أن يتفكر بكل ما سيبقى بعده، ويحسب له حسابا.

• "ولد صالح يدعو له"

ومما ينفع الإنسان بعد انقطاع عمله، إبقاء ولد صالح يدعو له، وفي الحديث (.. أو ولد صالح يدعو له) تنبيه على أهمية تربية الولد تربية صالحة، كي ينفع نفسه بهذا الصلاح، وينفع أباه بعد موته بالدعاء له، وهذا من حق الولد على والده، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (... والرَّجلُ راعٍ على أهل بيته وهو مسؤولٌ عن رعيَّته) [متفق عليه]، فالواجب على الوالد أن يعلّم ولده ما يجب عليه تعلّمه، من العقيدة الصحيحة والصلاة والصيام والجهاد وغيرها من واجبات الإسلام، لينشأ -بإذن الله- نشأة صالحة، ويذكر فضل أبيه عليه بعد موته ويدعو له بالمغفرة والنجاة من النار.

أما الذين لا يولون لتربية أبنائهم أهمية ويتركون حبلهم على الغارب، تائهين بين أهل الضلال والفسوق، تعصف بهم الأهواء يمينا وشمالا، فلا ينتظرْ هؤلاء أن يبرهم أبناؤهم في حياتهم ولا بعد موتهم، ولا يتأملوا أن يصلهم منهم دعاء صالح، فقد أضاعوهم في الدنيا وضيعوا على أنفسهم الدعاء الصالح بعد رحيلهم للآخرة.


• الرباط الرباط

وعلى هذا، فما زالت الفرصة سانحة لنا، لنعمل لما بعد الموت، وندخر من الأعمال الصالحة في الدنيا ما يسرنا أن نرى نفعه علينا في الآخرة، ومن أرجى تلك الأعمال الصالحة أجرا، وأنفعها للعبد بعد رحيله عن الدنيا، هو الرباط في سبيل الله، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجْرِيَ عليه رزقه، وأَمِنَ الفَتَّانَ) [رواه مسلم]، والفتّان يعني فتنة القبر، نسأل الله أن يوفقنا لأحب الأعمال إليه وأن يتقبلها منّا، وأن يحفظ أجور أعمالنا ويُجريها علينا بعد مماتنا، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 346
الخميس 8 ذو الحجة 1443 هـ

69735baf13954

  • 0
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً