مقال: مُضيٌّ وإقبال الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي ...
منذ ساعتين
مقال: مُضيٌّ وإقبال
الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفرار، أما بعد.
فقد خلق الله الخلق لغاية محددة، وجعل لهم أجلا هم بالغوه، وكتب لكل أمة أجلا ولكل امرئ أجله، والناس في هذه الدنيا يمرون على أطوار ومراحل حتى تنقضي بهم آجالهم، وهذا المرور مرهون بتقلب الليل والنهار فيُنتِجُ تقلبهما أياما وأسابيعَ ثم أشهرا وسنينا، يُسْلِم كلٌ منها الإنسانَ إلى ما يليه لينتهي به أجله، وكل يومٍ يدنّي للفتى الأجلَ.
تمر هذه الأزمان على أكثر الناس كمرّ الريح لا يلتفتون لها ولا تدق في قلوبهم عِبرٌ ولا يقظة، وما ذلك إلا لعُمق الغفلة وطول الضجعة، فلا يكاد أحدهم يفيق إلا على هجمة ملك الموت يخاطب روحه أن تخرج حيث لم يبقَ لها في الدنيا بقاءٌ وقد استوفت رزقها فلم يبق لها مثقال ذرة، وحينها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأعقبه الندم وتوالت عليه الحسرات، قال ابن الجوزي رحمه الله: "عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها، وساعاتكم مناهل تردونها، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار، لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامه وأوقاته" [بستان الواعظين]
• أما أولوا الألباب
غير أنّ من عباد الله من يدرك سرّ هذا التقلب ويعتبر بليله ونهاره، ويَعظُمُ عنده انقضاء عامه، أولئك أولوا الألباب والعقول الراجحة التي فقهت هدف وجودها، وتنبّهت لما يُراد بها، فراجعت نفسها كل يوم أو أسبوع أو سنة، هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقال أيضا: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]، وقد قيل: "إنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات" [العاقبة في ذكر الموت]
• أهمية الزمان
وعند مُضيِّ عام وإقبال آخر، تكون للراغب في الآخرة وقفات لا تكاد تغيب عنه، فأول ما يستوقفه تنبّهه لأهميّة الزمان، وأنه الخزينة التي تُملأ بأعمال العبد، وهي ماضية عليه ماضية، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما"، فإنْ عمل فيهما خيرا سُرّ به في نهاية المطاف، وإنْ عمل بهما سوءا أو أمضاهما هملا أصابه الغبن في النهاية، وهو ما يرشد اللبيب أن يكون عامرا لوقته كله فيما ينفع نفسه وأمته، فيكون وقته ذخرا له في الآخرة، فعندما ينتهي العام لا يبقى منه إلا ما كان نتاجا من جهاد أو دعوة وعلم، ويذهب تعب الجد والاجتهاد وتبقى الثمار يانعة، وتُهمل كل ساعات الغفلة واللهو والضياع، فيعزم العاقل على ألا يمضي عليه عامه القابل كعامه الماضي، وفي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه، إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) [النسائي]، وكانوا يندمون إذا لم يزدادوا فائدة من أيامهم، جاء عن بعض السلف: "كُلّ يوم يمر بي لا أزداد فِيه عِلماً يقربني من الله عَزَّ وَجَلَّ فلا بورك فِي طلوع شمس ذَلِكَ اليوم"، وقال الجنيد رحمه الله: "الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت". وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "أدركت أقواماً كَانُوا عَلَى أوقاتهم أشد منكمْ حرصاً عَلَى دراهمكم ودنانيركم" [شرح السنة].
• ذهاب العمر
ومما يستوقف الراغب في الآخرة أن ذهاب عمره كله كذهاب عامه المنصرم، فكما أنه جنى من عامه هذا يسيرا أو كثيرا، فكذلك يجني من عمره يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله ويحاسبه (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وكما قيل: "مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ، سِيرَ به وإن لم يَسِرْ".
• حاسبوا أنفسكم
ويقف الراغب في الآخرة أيضا موقف المُحاسب لنفسه فيما مضى عليه من الشهور في عامه الماضي، وينظر في أعماله أمِنَ الجنة تُدنيه أم إلى النار تُرديه؟ أللموت مستعد وللقاء ربه مُعِدّ؟ وهل من توبة نصوح تُمحي الذنوب المُثقلات؟ أتخذتَ خليلا مُجدّا مُعينا؟ أم رفيقا مثبّطا مُضيّعا؟ وهل تعلمتَ ما يرفعك عند ربك مقاما؟، أم جرّكَ الجهلُ لزامًا؟ … إلى غيرها من الأسئلة التي على المسلم أن يحاسب بها نفسه.
وهذه المحاسبة تحث المؤمن على الاجتهاد فيما يقدم عليه من أيام وأعوام، فإن من حاسب نفسه هو الفَطِن، جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) [الترمذي]، ومعنى (دان نفسه): أي حاسب نفسه، ومَن لم يحاسب نفسه؛ تخطفته الأماني فهو لها أسير، لا يحسن إلا الكلام، ويتقدم عليه الزمن وهو حبيس التيه والغفلة والضياع، والله المستعان.
• العام الهجري
ويذكّر العام الهجري المؤمن بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين خرج مهاجرا مفارقا ديار المشركين، وبعدها أذن الله له في جهادهم؛ إذْ الهجرة أولى خطوات ظهور الحق بقوة وسلطان، وقد اختار عمر رضي الله عنه ابتداء تاريخ المسلمين بالهجرة لأنها البداية الحقيقية للإسلام وهي تبيان الولاء والبراء، والمفاصلة بين الإسلام والجاهلية، فقال: "بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل" [الكامل في التاريخ].
فبداية العام الهجري ابتداء لتجديد النوايا والعزائم ورفع الهمم وإعادة الانطلاقة، ولفتة إلى الجد والاجتهاد، وإن الهجرة لتحيي معاني التضحية في أمة التوحيد؛ بترك الأهل والولد والدار من أجل هذا الدين، وتحيي أيضا معاني التجلّد وتحمّل الصعاب واستعذاب المرّ لبلوغ الغايات العالية، فهذا ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته للمدينة؛ دعوة وجهاد وإرشاد وتعليم وعمل بلا كلل أو ملل، وهكذا كان معه أصحابه رضي الله عنهم الذين تركوا الدنيا وراء ظهورهم طلبا لرضا الله وإعلاء لكلمته عز وجل.
ويُذكّر العام الهجري أيضا بالاعتزاز بدين الإسلام وتأريخه، والاستغناء به عمّا عند الكافرين من تأريخ أو هدي أو مظهر، فقد أغنانا الله بهذا الدين فأتمه وأكمله، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ناهيك عن أفضلية التأريخ الهجري القمري لتعلّق العبادات به، ولذلك قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وليس من هدي السلف الصالح التهاني بداية العام أو تخصيصه بكلام.
وحري بكل من يعمل لهذا الدين وخاصة المجاهد في سبيل الله أن يكون ابتداء هذا العام فرصة لرسم الخطط وتحديد الأهداف وتدارك ما فات وتعويض التقصير وتجديد العزم، حتى لا يخرج عنه هذا العام إلا بأضعاف أعمال العام الماضي، والقاعد يحدّث نفسه بالنفير، والمجاهد المقاتل يحدّث نفسه بالإثخان في أعداء الله وتكثيف جهده، والداعي -على منهاج النبوة- بزيادة نشاطه لدعوة المسلمين لمنهج الحق، والإعلامي المجاهد بإيصال أخبار المجاهدين وبيان طريقهم للمسلمين في كل مكان، وكذا كل صاحب ثغر دونه ثغره فذاك ميدانه.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـ
الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفرار، أما بعد.
فقد خلق الله الخلق لغاية محددة، وجعل لهم أجلا هم بالغوه، وكتب لكل أمة أجلا ولكل امرئ أجله، والناس في هذه الدنيا يمرون على أطوار ومراحل حتى تنقضي بهم آجالهم، وهذا المرور مرهون بتقلب الليل والنهار فيُنتِجُ تقلبهما أياما وأسابيعَ ثم أشهرا وسنينا، يُسْلِم كلٌ منها الإنسانَ إلى ما يليه لينتهي به أجله، وكل يومٍ يدنّي للفتى الأجلَ.
تمر هذه الأزمان على أكثر الناس كمرّ الريح لا يلتفتون لها ولا تدق في قلوبهم عِبرٌ ولا يقظة، وما ذلك إلا لعُمق الغفلة وطول الضجعة، فلا يكاد أحدهم يفيق إلا على هجمة ملك الموت يخاطب روحه أن تخرج حيث لم يبقَ لها في الدنيا بقاءٌ وقد استوفت رزقها فلم يبق لها مثقال ذرة، وحينها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأعقبه الندم وتوالت عليه الحسرات، قال ابن الجوزي رحمه الله: "عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها، وساعاتكم مناهل تردونها، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار، لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامه وأوقاته" [بستان الواعظين]
• أما أولوا الألباب
غير أنّ من عباد الله من يدرك سرّ هذا التقلب ويعتبر بليله ونهاره، ويَعظُمُ عنده انقضاء عامه، أولئك أولوا الألباب والعقول الراجحة التي فقهت هدف وجودها، وتنبّهت لما يُراد بها، فراجعت نفسها كل يوم أو أسبوع أو سنة، هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقال أيضا: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]، وقد قيل: "إنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات" [العاقبة في ذكر الموت]
• أهمية الزمان
وعند مُضيِّ عام وإقبال آخر، تكون للراغب في الآخرة وقفات لا تكاد تغيب عنه، فأول ما يستوقفه تنبّهه لأهميّة الزمان، وأنه الخزينة التي تُملأ بأعمال العبد، وهي ماضية عليه ماضية، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما"، فإنْ عمل فيهما خيرا سُرّ به في نهاية المطاف، وإنْ عمل بهما سوءا أو أمضاهما هملا أصابه الغبن في النهاية، وهو ما يرشد اللبيب أن يكون عامرا لوقته كله فيما ينفع نفسه وأمته، فيكون وقته ذخرا له في الآخرة، فعندما ينتهي العام لا يبقى منه إلا ما كان نتاجا من جهاد أو دعوة وعلم، ويذهب تعب الجد والاجتهاد وتبقى الثمار يانعة، وتُهمل كل ساعات الغفلة واللهو والضياع، فيعزم العاقل على ألا يمضي عليه عامه القابل كعامه الماضي، وفي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه، إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) [النسائي]، وكانوا يندمون إذا لم يزدادوا فائدة من أيامهم، جاء عن بعض السلف: "كُلّ يوم يمر بي لا أزداد فِيه عِلماً يقربني من الله عَزَّ وَجَلَّ فلا بورك فِي طلوع شمس ذَلِكَ اليوم"، وقال الجنيد رحمه الله: "الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت". وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "أدركت أقواماً كَانُوا عَلَى أوقاتهم أشد منكمْ حرصاً عَلَى دراهمكم ودنانيركم" [شرح السنة].
• ذهاب العمر
ومما يستوقف الراغب في الآخرة أن ذهاب عمره كله كذهاب عامه المنصرم، فكما أنه جنى من عامه هذا يسيرا أو كثيرا، فكذلك يجني من عمره يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله ويحاسبه (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وكما قيل: "مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ، سِيرَ به وإن لم يَسِرْ".
• حاسبوا أنفسكم
ويقف الراغب في الآخرة أيضا موقف المُحاسب لنفسه فيما مضى عليه من الشهور في عامه الماضي، وينظر في أعماله أمِنَ الجنة تُدنيه أم إلى النار تُرديه؟ أللموت مستعد وللقاء ربه مُعِدّ؟ وهل من توبة نصوح تُمحي الذنوب المُثقلات؟ أتخذتَ خليلا مُجدّا مُعينا؟ أم رفيقا مثبّطا مُضيّعا؟ وهل تعلمتَ ما يرفعك عند ربك مقاما؟، أم جرّكَ الجهلُ لزامًا؟ … إلى غيرها من الأسئلة التي على المسلم أن يحاسب بها نفسه.
وهذه المحاسبة تحث المؤمن على الاجتهاد فيما يقدم عليه من أيام وأعوام، فإن من حاسب نفسه هو الفَطِن، جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) [الترمذي]، ومعنى (دان نفسه): أي حاسب نفسه، ومَن لم يحاسب نفسه؛ تخطفته الأماني فهو لها أسير، لا يحسن إلا الكلام، ويتقدم عليه الزمن وهو حبيس التيه والغفلة والضياع، والله المستعان.
• العام الهجري
ويذكّر العام الهجري المؤمن بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين خرج مهاجرا مفارقا ديار المشركين، وبعدها أذن الله له في جهادهم؛ إذْ الهجرة أولى خطوات ظهور الحق بقوة وسلطان، وقد اختار عمر رضي الله عنه ابتداء تاريخ المسلمين بالهجرة لأنها البداية الحقيقية للإسلام وهي تبيان الولاء والبراء، والمفاصلة بين الإسلام والجاهلية، فقال: "بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل" [الكامل في التاريخ].
فبداية العام الهجري ابتداء لتجديد النوايا والعزائم ورفع الهمم وإعادة الانطلاقة، ولفتة إلى الجد والاجتهاد، وإن الهجرة لتحيي معاني التضحية في أمة التوحيد؛ بترك الأهل والولد والدار من أجل هذا الدين، وتحيي أيضا معاني التجلّد وتحمّل الصعاب واستعذاب المرّ لبلوغ الغايات العالية، فهذا ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته للمدينة؛ دعوة وجهاد وإرشاد وتعليم وعمل بلا كلل أو ملل، وهكذا كان معه أصحابه رضي الله عنهم الذين تركوا الدنيا وراء ظهورهم طلبا لرضا الله وإعلاء لكلمته عز وجل.
ويُذكّر العام الهجري أيضا بالاعتزاز بدين الإسلام وتأريخه، والاستغناء به عمّا عند الكافرين من تأريخ أو هدي أو مظهر، فقد أغنانا الله بهذا الدين فأتمه وأكمله، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ناهيك عن أفضلية التأريخ الهجري القمري لتعلّق العبادات به، ولذلك قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وليس من هدي السلف الصالح التهاني بداية العام أو تخصيصه بكلام.
وحري بكل من يعمل لهذا الدين وخاصة المجاهد في سبيل الله أن يكون ابتداء هذا العام فرصة لرسم الخطط وتحديد الأهداف وتدارك ما فات وتعويض التقصير وتجديد العزم، حتى لا يخرج عنه هذا العام إلا بأضعاف أعمال العام الماضي، والقاعد يحدّث نفسه بالنفير، والمجاهد المقاتل يحدّث نفسه بالإثخان في أعداء الله وتكثيف جهده، والداعي -على منهاج النبوة- بزيادة نشاطه لدعوة المسلمين لمنهج الحق، والإعلامي المجاهد بإيصال أخبار المجاهدين وبيان طريقهم للمسلمين في كل مكان، وكذا كل صاحب ثغر دونه ثغره فذاك ميدانه.
اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـ