تأملات في أكناف الصلاة إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن ...

منذ 4 ساعات
تأملات في أكناف الصلاة


إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، ولا سبيل إلى تزكيتها إلا بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، ولا شك أن مِن أعظم الطاعات تزكيةً للنفوس هي الصلاة التي فرضها الله في السماء السابعة ليلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}، قال ابن كثير: "أي: أقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله".

وقد أمرنا الله تعالى بالمحافظة على الصلاة والخشوع فيها، فقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وأثنى الله على الذين يقيمونها إقامة تليق بعِظم الموقف وجلال الأمر، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ}، والمُتدبر في هذه الآيات يجد أنّ مدار الصلاة يدور حول المداومة عليها والقنوت والخشوع والوجل والإخبات والصبر؛ وكل ذلك وغيره من معاني وأسرار الصلاة التي على المسلم أن يتأملها ويستحضرها قبل وأثناء وبعد الصلاة، لتغدو سراجًا منيرًا له في طريقه نحو تحقيق الفلاح المنشود.

وإن في الصلاة مِن التذكرة ما يجعلها وازعًا إيمانيًا وزاجرًا للنفوس عن داعي الفحشاء والمنكر لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "في الآية بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار، فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه -لا سيما على وجه الخصوص- أكسبها ذلك صبغة صالحة تنهاها عن الفحشاء والمنكر كما يحسه الإنسان من نفسه، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} فإن القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة العين ما يغنيه عن اللذات المكروهة، ويحصل له من الخشية والتعظيم لله والمهابة" [مجموع الفتاوى].


• الوقوف بين يدي الله

فإذا ما نادى المنادي: الله أكبر.. حيّ على الصلاة، فعليك أخي المسلم أن تسارع إلى قطع علائق الحياة والاستجابة لنداء الإيمان، وأن تتأمل حالك وأنت في وضوئك كحال مَن غسلوه وسجوه بالكفن، وقد أزف لقاؤه مع مولاه، ولذا رُوي أنّ عليا بن الحسين كان "إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته؛ أخذته رعدة ونفضة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى مَن أقوم، ومن أريد أن أناجي" [حلية الأولياء].

وعندما تنصب قدم العبودية وتقف بين يدي مولاك للصلاة، فجدير بك أن تستشعر ضعفك وفقرك وحاجتك إليه تعالى، وأن تتذكر يوم قدومك على الله فردا، بلا أنيس ولا حبيب، ولا صديق ولا قريب، ما خلا نفسك وما كسبت يداك، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول؛ هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه؛ شدد عليه ذلك الموقف" [الفوائد].


• تكبيرة الإحرام

وعندما ترفع يديك لتكبيرة الإحرام، عليك أن تستشعر بقلبك أنك أسلمت أمرك واستسلمت لمولاك خاضعا ذليلا منقادا له وحده، فتكون تكبيرة الإحرام إيذانا بانقطاع العبد بكليته عن كل ما سوى الله تعالى، تاركا الدنيا خلف ظهره، مقبلا على ربه، فالله أكبر ظاهرا وباطنا، والله أكبر من كل معبود ومطلوب، والله أكبر هي الزاجر الذي يحوط النفس أن تسنح وترتع في الخواطر والشوارد، والله أكبر في قلوب الخاشعين غاية ورغبة ورهبة وخشية ومحبة وشوقا، فحقّ لهذا التكبير والتعظيم أن تتلاشى أمامه كل النوازع والصوارف والشواغل، وأن يتملك قلوب المصلين الخاشعين، فيكون مقام الله تعالى عندهم أكبر وأعظم من كل مقام، عندها تصبح تكبيرة الإحرام واقعا لا شعارا.

• فاتحة الكتاب

وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك تتحدث إلى مولاك سبحانه، فقد جاء في الحديث القدسي أنّ الله تعالى قال: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) [رواه مسلم].

أفيجدر بك أن تلفتَ قلبك عن هذا المشهد الإيماني وتذهب بك الخواطر والشوارد ذات اليمين وذات الشمال؛ عن أنْ تُيمّم قصدك وتجمع قلبك على "أمِّ الكتاب" التي تضمنت نداء الفطرة الذي يجيش في باطن كل مسلم حين تدلهم الخطوب وتشتد الكروب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، ذلك الميثاق الذي يُجدده العبد مع خالقه كل يوم في كل صلاة، فإذا ما فرغت مِن صلاتك، فاجعل هذا الميثاق ميزانا لك تزن به أفعالك وأقوالك وأحوالك، حتى يحين موعد الصلاة الأخرى وهكذا دواليك، فضع هذا الميثاق في قلبك ونصب عينيك حتى يأتيك اليقين.


• طلب الهداية

وإنّ مِن رحمة الله بعباده أن هداهم إلى طلب الهداية في فاتحة الكتاب، فالعبد أحوج إلى الهداية من حاجته إلى الطعام والشراب، ولكن تنبّه لقلبك وليكن حاضرا منكسرا عند طلبها، فالقلب الغافل بعيد عن نيل هذه الهداية، فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) [الترمذي]، فعلى من يطلب هذه الهداية أن يطلبها بصدق وحضور قلب، فهي حقا تكتنف القلوب المنيبة المنكسرة فتحوطها بالبركات لتسير على صراط أهل التقى والإيمان، أهل السبق والإحسان، وهي عند مسيرها تتفيؤ ظلال شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتتنسم عبير رياح طيبة تدفع مراكب المؤمنين نحو برّ الهدى والنجاة.


• بين الركوع والسجود

ثم تأمل حالك وأنت تخرّ راكعا لربك، مُطأطئا هامتك متذللا خاضعا لمولاك، وكأنك تقول: يا رب ها أنا ذا أوفي لك بعهدي، ها أنا ذا قد خضعت وانقدت لك، ها أنا ذا قد ذللت واستَكَنْتُ، "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين"، ولتتذكر وأنت مطأطئ هامتك أنك لن تذل ولن تخضع إلا لله وحده، ولا ترفع رأسك قبل أن تعد العزم على أنك ستديم هذا الانقياد والخضوع لله تعالى ما حييت.

فإذا ما هويت إلى السجود، تطامنت أعضاؤك وخرّ جبينُك، فإذا سجدتْ أعضاؤك فليسجد قلبك وسائر جوارحك، فأنت في كنف السجود العظيم، وأقرب ما تكون مِن الله صاحب الكرم والجود، فأكثِر من الدعوات، فإن في السجود شرفا للمؤمن وأي شرف؟ شرف القرب من مولاه، فلتعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك، قال تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء 218-219]، وإن كان الركوع يدل على الخضوع والانقياد، فالسجود هو تمام التذلل والافتقار، ولمّا يدنو العبد دنو الكرامة فهو يسمو بروحه، فسبحان من جعل النفوس تسمو حين تدنو له، وتُعزُّ إذْ تتذلل وتفتقر إليه تعالى.


• من أعظم وسائل الثبات

وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يستعينوا بالصلاة فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45-46]، فمَن حقق الخشوع وصلّى صلاة مودّع، كانت له خير عون على معالي الأمور، ولا سيّما في ميدان الجهاد، فالصلاة من أعظم وسائل الثبات أمام جيوش الطغاة، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، ولذا، فمن ابتغى الفلاح والثبات فحري به أن يُعطي الصلاة قدرها، ويعظّم أمرها، ويقيمها إقامة القانتين الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا الله وأنهم إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ

69735baf13954

  • 0
  • 0
  • 4

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً