قيام الليل.. أجرٌ وعون إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ...

منذ ساعتين
قيام الليل.. أجرٌ وعون


إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ولذتهم في مناجاته، إذا جنّ عليهم الليل، ونام الغافلون في هدأته، صفّوا أقدامهم وقاموا بين يدي مولاهم، فتراهم سُجّدًا وقيامًا، خوفًا من عذاب ربهم وطمعًا في جنته، تجافت جنوبهم عن مضاجعهم، فلا ينعمون بها وقد علموا أن ربهم -جلّ في علاه- ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، ويقول: (من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرُني فأغفر له؟) [البخاري]، ففارق النومُ عيونَهم، وأسهروا ليلهم، تركوا الدنيا وهجروها، وابتعدوا عن اللذات وجانبوها، وطردوا الشهوات وفارقوها، جعلوا الليل ستارًا لهم يتقربون فيه إلى ربهم، فكانوا كما وصفهم سبحانه: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة".


• فضل قيام الليل في القرآن

إنّ لقيام الليل فضائل عظيمة قد ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ووصف المحافظين عليه، بأنهم من أهل العلم والألباب فقال سبحانه عنهم: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر]، وعدّ الله تعالى القيام مِن صفات عباد الرحمن فقال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الطبري: "والذين يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام".

ورغّب الله تعالى عباده المؤمنين في هذا الفضل العظيم، وشوّقهم إليه في آياته، ووصفهم بالمتقين المحسنين، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال مجاهد -رحمه الله-: "قليل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون" [الطبري]، وقال تعالى واصفًا أحوالهم وما أعدّه لهم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فأي فضل هذا الذي يمتدح فيه العظيم الجليل سبحانه أهل القيام ليجزيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.


• فضل قيام الليل في السُّنة

وقد جاء في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على فضل هذه العبادة العظيمة، التي حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عليها، وشحذ هممهم لكي ينالوا فضلها، ويظفروا بأجرها، ومن ذلك ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل)، قال سالم: "فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً" [متفق عليه]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قالَ لي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل!) [البخاري]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم]، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على هذه العبادة حتى وإن تعذّر ذلك في ليله، فيقضيه في النهار، لحديث عائشة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا فاتتْه الصّلاة من اللّيل من وجع، أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة" [مسلم].

• حتى تتفطر قدماه!

إن الرفعة والعزة التي ينالها العبد في الدنيا لا تأتي بالتمني والخمول، بل لا بد من بذل الجهد وجهاد النفس وتقويمها وترويضها على طاعة الله سبحانه، ومصابرتها وأطرها على ذلك حتى تستطيع تحمل التكاليف والأوامر الربانية، لذلك أمر ربنا -تبارك وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}، قال ابن كثير في تفسيره: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يترك التّزمّل، وهو: التّغطّي في اللّيل، وينهض إلى القيام لربّه عزّ وجلّ، والمقصود أنّ قيام اللّيل هو أشدّ مواطأة بين القلب واللّسان، وأجمع على التّلاوة؛ ولهذا قال: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهّمها من قيام النّهار؛ لأنّه وقت انتشار النّاس ولغط الأصوات وأوقات المعاش".

وقد كانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- یقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: "لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟" قال: (أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا)" [البخاري]، فنال بذلك المنزلة العظيمة والمقام المحمود، لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء].


• طبقات السلف في قيام الليل

وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- أحوال السلف في قيام الليل وطبقاتهم في ذلك فقال: "واعلم أنّ السّلف كانوا في قيام اللّيل على سبع طبقات؛ الطّبقة الأولى: كانوا يحيون كلّ اللّيل، وفيهم من كان يصلّي الصّبح بوضوء العشاء، الطّبقة الثّانية: كانوا يقومون شطر اللّيل، الطّبقة الثّالثة: كانوا يقومون ثلث اللّيل، وفي الصّحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (أحبّ الصّلاة إلى الله عزّ وجلّ صلاة داود، كان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، الطّبقة الرّابعة: كانوا يقومون سدس اللّيل أو خمسه، الطّبقة الخامسة: كانوا لا يراعون التّقدير، وإنّما كان أحدهم يقوم إلى أن يغلبه النّوم فينام، فإذا انتبه قام، قال سفيان الثّوريّ: إنّما هي أوّل نومة فإذا انتبهت فلا أقيلها، الطّبقة السّادسة: قوم كانوا يصلّون من اللّيل أربع ركعات أو ركعتين، الطّبقة السّابعة: قوم يحيون ما بين العشاءين -يعني المغرب والعشاء- ويصلّون في السّحر، فيجمعون بين الطّرفين". [التبصرة]

فإذا عرفت أخي المجاهد فضل قيام الليل وشرفه، وحرص النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته عليه، وطبقات السلف وتنافسهم فيه، ورمتَ أن تكون مثلهم وتسلك دربهم، فانهل من معينهم وقمْ لربك كما قاموا، ودع عنك النوم والرقاد، واسجد واقترب، فهو عونك على نوائب الدهر، ونجاتك يوم العرض الأكبر، فهنيئا لمن اغتنم أوقاته بالقيام، وتقرب إلى ربه بالمناجاة في جنح الظلام، شوقا إليه سبحانه، ورغبة فيما عنده، والله الموفق والمستعان وعليه التكلان.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ

69735baf13954

  • 0
  • 0
  • 4

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً