﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس بما تضمّنه من أحكام وتشريعات ...
منذ 8 ساعات
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾
أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس بما تضمّنه من أحكام وتشريعات وحدود تضمن لهم النجاة والسعادة في الدارين، وأمر الله تعالى بإنفاذ وتطبيق هذه الأحكام والحدود، وذمَّ وتوعّد مَن تعدّاها بالعذاب الأليم، ومدح ووعد من التزمها بالثواب والأجر العظيم.
فانقسم الناس في ذلك، فمنهم مَن آمن بها وطبّقها وامتثلها قدر استطاعته فأعذر إلى ربّه، ومنهم {الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ}: أي: "جعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه"، وأمثال هؤلاء في عصرنا أعداء حدود الله؛ الذين أرجؤوها وأخرجوها عن إطار الشريعة الإسلامية، حتى رسّخوا في أذهان العامة أن الحدود منقصة ومذمة للشريعة! وأن الشريعة هي فقط حسن الخلق والمعاملة والعدل، وكأن حدود الله تعالى هي الظلم وسوء الخلق والمعاملة! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
واتهم هؤلاء "المقتسمون الجُدد" المجاهدين بالجهل وضيق الأفق، زاعمين أن الحدود لا تمثل سوى "العشر" من أحكام الشريعة الإسلامية!، وأن المجاهدين شغلوا أنفسهم بهذا "العشر" وتركوا الأعشار الباقية، والعجيب أنّ هؤلاء الذين قزّموا الحدود وجرّموها وأعطوها نسب "العشور والكسور"، لم تقتصر مشكلتهم على الحدود وحسب، بل ظهر للعيان لاحقا أن مشكلتهم مع الشريعة بأسرها؛ أصولها وفروعها قواعدها وحدودها وقيودها، بل حتى أخلاقها وضوابطها وسمتها وجوهرها ومظهرها، وبتنا نسمعهم ينادون بعمل "مراجعات لكتب الفقه الإسلامي!" بل تجرأ أشقياؤهم وطالبوا بحرقها! متعللين بأنها "تخالف سماحة الإسلام وعدل الإسلام!" متّهمين الشريعة بالجور والظلم، وكأنها جاءت من عند غير الله الحكم العدل اللطيف الخبير.
بل والأعجب من ذلك، أن أكثر هؤلاء المعاندين المعارضين لحدود الله، لما أتيحت لهم فرصة الحكم، لم يقتصروا على تعطيل الحدود فحسب، بل عطلوا الشريعة كاملة وحاربوا أنصارها ووالوا أعداءها، بل واستبدلوها بشرائع بشرية وضعية، فجمعوا بين جرمين وكفرين: التعطيل والاستبدال، فلو عذرهم دعاة الضلالة في جرم التعطيل؛ فما هو عذرهم في جرم الاستبدال؟! ثم ماذا جنى هؤلاء من تعطيلهم واستبدالهم الشريعة غير فساد العباد والبلاد وضياع الدين والدنيا؟
ولو تأمل هؤلاء المُعطّلة للشريعة آيات القرآن العظيم، لعلموا أن شريعة الله تعالى كلها حدود بغير أعشار وكسور، فبعض الحدود أحكام، وبعضها عقوبات، وبعضها معاملات وكلها في المحصلة حدود الله التي لا يحلّ لمسلم انتهاكها أو التفريط فيها، وقد بيّن الله ذلك في آيات عديدة، فعندما ذكر الله أحكام الصيام ختمها بقوله سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: ١٨٧]، قال ابن كثير رحمه الله: "{فلا تقربوها} أي: لا تجاوزوها، وتعتدوها"، وفي أحكام الطلاق والرجعة والخلع قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٢٩]، قال ابن كثير: "أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها"، وفي الظهار وما فيه من أحكام قال سبحانه: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: ٤]، وفي المواريث وقسمتها وأنصِبة الرجال والنساء قال عز وجلّ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: ١٣]، وفي العقوبات قال عز وجلّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: ٣٨]، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢]
فهذه كلها من حدود الله التي أمر المؤمنين بتطبيقها وتوعّد من تعدّاها فقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: ١٤]، بل وصف من يفعلون ذلك بأنهم (يحادون الله ورسوله)؛ فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: ٥]، قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه، فيجعلون حدودًا غير حدوده، وذلك هو المحادّة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-".وإن الله تعالى الذي أمرنا بالصلاة والصيام والحج وبر الوالدين والإحسان إلى اليتيم وذي القربى والجيران، هو الذي أمرنا -سبحانه- بجلد ظهور القاذفين وشاربي الخمر وبرجم المحصَنين وقطع أيدي السارقين وقتل السحرة والمفسدين والمرتدين، {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥]، وكل ذلك ليحفظ على الناس دينهم ونفوسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم، فلما خالف الناس ذلك ضاع دينهم وفسدت عقولهم وسُفكت دماؤهم وانتُهكت أعراضهم وسُلبت أموالهم، فكان تعطيل الشريعة هو السبب في هذا الفساد العريض، لا كما يروّج المرتدون الذين ينكرون على المجاهدين تطبيق الشريعة، ويحاولون أن يصوروا أن تطبيق الشريعة هو "السبب في جلب الخراب والنكبات!"، فالشريعة خير مطلق لمن عاش أو قُتل تحت رايتها، والنكبة الحقيقية هي في غياب الشريعة وحكمها.
وقد بيّن الله الفرق بين المؤمنين والكافرين الذين يأنفون الشريعة وحدودها، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥] قال ابن كثير رحمه الله: "أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة".
فطلاب الشريعة وأنصارها البررة هم الذين لا يتحرجون من شيء منها، لا في ظاهرهم ولا حتى بواطنهم، وتأمل يا مسلم يا عبد الله دقة الوصف القرآني: {لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا}، وما أكثر اليوم من يزعمون الانتساب للإسلام وهم يجدون في أنفسهم حرجا مِن أحكامه وشريعته وحدوده، والله المستعان.
وإن ما يفسر سبب الحرب التي يشنها المرتدون على حدود العقوبات بالذات؛ أنها المحك الفاصل بين حكم الشريعة الإلهية وحكم القوانين البشرية الكفرية، ولذا تعاهد شياطين وطواغيت العالم اليوم على حربها وتجريمها والسعي الحثيث لإيقافها، واعتبارها "رجعية وتطرفا" لأنها تردع الظالمين والمجرمين وتغيظ الكافرين والمنافقين، وتُظهر المفاصلة بيننا وبينهم، وخصوصا حد الردة الذي يبغضونه، لأنه السياج المتين الذي يحفظ الدين ويرسم حدود المفاصلة بوضوح بين الإسلام والكفر، ولذلك ليس مستغربا أن يكون الذين حاربوا حدود الشريعة وسعوا لتعطيلها بحجج واهية، هم أنفسهم من عطل التوحيد ونقض أصله بحجج واهية أخرى.
إذن فالشريعة كلها حدود، لا يجوز العمل ببعضها وترك بعضها، أو الإقرار ببعضها وجحد بعضها، ولذا لم يقبل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- من العرب ترك الزكاة، وقال قولته الخالدة: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وعلى إثره تسير الدولة الإسلامية اليوم في كل بقعة تسيطر عليها، فإن أول ما تسعى إليه هو إقامة الشريعة كاملة؛ توحيدا وجهادا ودعوة وحسبة وحدودا، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ
أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس بما تضمّنه من أحكام وتشريعات وحدود تضمن لهم النجاة والسعادة في الدارين، وأمر الله تعالى بإنفاذ وتطبيق هذه الأحكام والحدود، وذمَّ وتوعّد مَن تعدّاها بالعذاب الأليم، ومدح ووعد من التزمها بالثواب والأجر العظيم.
فانقسم الناس في ذلك، فمنهم مَن آمن بها وطبّقها وامتثلها قدر استطاعته فأعذر إلى ربّه، ومنهم {الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ}: أي: "جعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه"، وأمثال هؤلاء في عصرنا أعداء حدود الله؛ الذين أرجؤوها وأخرجوها عن إطار الشريعة الإسلامية، حتى رسّخوا في أذهان العامة أن الحدود منقصة ومذمة للشريعة! وأن الشريعة هي فقط حسن الخلق والمعاملة والعدل، وكأن حدود الله تعالى هي الظلم وسوء الخلق والمعاملة! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
واتهم هؤلاء "المقتسمون الجُدد" المجاهدين بالجهل وضيق الأفق، زاعمين أن الحدود لا تمثل سوى "العشر" من أحكام الشريعة الإسلامية!، وأن المجاهدين شغلوا أنفسهم بهذا "العشر" وتركوا الأعشار الباقية، والعجيب أنّ هؤلاء الذين قزّموا الحدود وجرّموها وأعطوها نسب "العشور والكسور"، لم تقتصر مشكلتهم على الحدود وحسب، بل ظهر للعيان لاحقا أن مشكلتهم مع الشريعة بأسرها؛ أصولها وفروعها قواعدها وحدودها وقيودها، بل حتى أخلاقها وضوابطها وسمتها وجوهرها ومظهرها، وبتنا نسمعهم ينادون بعمل "مراجعات لكتب الفقه الإسلامي!" بل تجرأ أشقياؤهم وطالبوا بحرقها! متعللين بأنها "تخالف سماحة الإسلام وعدل الإسلام!" متّهمين الشريعة بالجور والظلم، وكأنها جاءت من عند غير الله الحكم العدل اللطيف الخبير.
بل والأعجب من ذلك، أن أكثر هؤلاء المعاندين المعارضين لحدود الله، لما أتيحت لهم فرصة الحكم، لم يقتصروا على تعطيل الحدود فحسب، بل عطلوا الشريعة كاملة وحاربوا أنصارها ووالوا أعداءها، بل واستبدلوها بشرائع بشرية وضعية، فجمعوا بين جرمين وكفرين: التعطيل والاستبدال، فلو عذرهم دعاة الضلالة في جرم التعطيل؛ فما هو عذرهم في جرم الاستبدال؟! ثم ماذا جنى هؤلاء من تعطيلهم واستبدالهم الشريعة غير فساد العباد والبلاد وضياع الدين والدنيا؟
ولو تأمل هؤلاء المُعطّلة للشريعة آيات القرآن العظيم، لعلموا أن شريعة الله تعالى كلها حدود بغير أعشار وكسور، فبعض الحدود أحكام، وبعضها عقوبات، وبعضها معاملات وكلها في المحصلة حدود الله التي لا يحلّ لمسلم انتهاكها أو التفريط فيها، وقد بيّن الله ذلك في آيات عديدة، فعندما ذكر الله أحكام الصيام ختمها بقوله سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: ١٨٧]، قال ابن كثير رحمه الله: "{فلا تقربوها} أي: لا تجاوزوها، وتعتدوها"، وفي أحكام الطلاق والرجعة والخلع قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٢٩]، قال ابن كثير: "أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها"، وفي الظهار وما فيه من أحكام قال سبحانه: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: ٤]، وفي المواريث وقسمتها وأنصِبة الرجال والنساء قال عز وجلّ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: ١٣]، وفي العقوبات قال عز وجلّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: ٣٨]، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢]
فهذه كلها من حدود الله التي أمر المؤمنين بتطبيقها وتوعّد من تعدّاها فقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: ١٤]، بل وصف من يفعلون ذلك بأنهم (يحادون الله ورسوله)؛ فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: ٥]، قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه، فيجعلون حدودًا غير حدوده، وذلك هو المحادّة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-".وإن الله تعالى الذي أمرنا بالصلاة والصيام والحج وبر الوالدين والإحسان إلى اليتيم وذي القربى والجيران، هو الذي أمرنا -سبحانه- بجلد ظهور القاذفين وشاربي الخمر وبرجم المحصَنين وقطع أيدي السارقين وقتل السحرة والمفسدين والمرتدين، {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥]، وكل ذلك ليحفظ على الناس دينهم ونفوسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم، فلما خالف الناس ذلك ضاع دينهم وفسدت عقولهم وسُفكت دماؤهم وانتُهكت أعراضهم وسُلبت أموالهم، فكان تعطيل الشريعة هو السبب في هذا الفساد العريض، لا كما يروّج المرتدون الذين ينكرون على المجاهدين تطبيق الشريعة، ويحاولون أن يصوروا أن تطبيق الشريعة هو "السبب في جلب الخراب والنكبات!"، فالشريعة خير مطلق لمن عاش أو قُتل تحت رايتها، والنكبة الحقيقية هي في غياب الشريعة وحكمها.
وقد بيّن الله الفرق بين المؤمنين والكافرين الذين يأنفون الشريعة وحدودها، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥] قال ابن كثير رحمه الله: "أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة".
فطلاب الشريعة وأنصارها البررة هم الذين لا يتحرجون من شيء منها، لا في ظاهرهم ولا حتى بواطنهم، وتأمل يا مسلم يا عبد الله دقة الوصف القرآني: {لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا}، وما أكثر اليوم من يزعمون الانتساب للإسلام وهم يجدون في أنفسهم حرجا مِن أحكامه وشريعته وحدوده، والله المستعان.
وإن ما يفسر سبب الحرب التي يشنها المرتدون على حدود العقوبات بالذات؛ أنها المحك الفاصل بين حكم الشريعة الإلهية وحكم القوانين البشرية الكفرية، ولذا تعاهد شياطين وطواغيت العالم اليوم على حربها وتجريمها والسعي الحثيث لإيقافها، واعتبارها "رجعية وتطرفا" لأنها تردع الظالمين والمجرمين وتغيظ الكافرين والمنافقين، وتُظهر المفاصلة بيننا وبينهم، وخصوصا حد الردة الذي يبغضونه، لأنه السياج المتين الذي يحفظ الدين ويرسم حدود المفاصلة بوضوح بين الإسلام والكفر، ولذلك ليس مستغربا أن يكون الذين حاربوا حدود الشريعة وسعوا لتعطيلها بحجج واهية، هم أنفسهم من عطل التوحيد ونقض أصله بحجج واهية أخرى.
إذن فالشريعة كلها حدود، لا يجوز العمل ببعضها وترك بعضها، أو الإقرار ببعضها وجحد بعضها، ولذا لم يقبل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- من العرب ترك الزكاة، وقال قولته الخالدة: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وعلى إثره تسير الدولة الإسلامية اليوم في كل بقعة تسيطر عليها، فإن أول ما تسعى إليه هو إقامة الشريعة كاملة؛ توحيدا وجهادا ودعوة وحسبة وحدودا، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ