• فاتحة الكتاب وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك ...

منذ 7 ساعات
• فاتحة الكتاب

وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك تتحدث إلى مولاك سبحانه، فقد جاء في الحديث القدسي أنّ الله تعالى قال: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) [رواه مسلم].

أفيجدر بك أن تلفتَ قلبك عن هذا المشهد الإيماني وتذهب بك الخواطر والشوارد ذات اليمين وذات الشمال؛ عن أنْ تُيمّم قصدك وتجمع قلبك على "أمِّ الكتاب" التي تضمنت نداء الفطرة الذي يجيش في باطن كل مسلم حين تدلهم الخطوب وتشتد الكروب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، ذلك الميثاق الذي يُجدده العبد مع خالقه كل يوم في كل صلاة، فإذا ما فرغت مِن صلاتك، فاجعل هذا الميثاق ميزانا لك تزن به أفعالك وأقوالك وأحوالك، حتى يحين موعد الصلاة الأخرى وهكذا دواليك، فضع هذا الميثاق في قلبك ونصب عينيك حتى يأتيك اليقين.


• طلب الهداية

وإنّ مِن رحمة الله بعباده أن هداهم إلى طلب الهداية في فاتحة الكتاب، فالعبد أحوج إلى الهداية من حاجته إلى الطعام والشراب، ولكن تنبّه لقلبك وليكن حاضرا منكسرا عند طلبها، فالقلب الغافل بعيد عن نيل هذه الهداية، فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) [الترمذي]، فعلى من يطلب هذه الهداية أن يطلبها بصدق وحضور قلب، فهي حقا تكتنف القلوب المنيبة المنكسرة فتحوطها بالبركات لتسير على صراط أهل التقى والإيمان، أهل السبق والإحسان، وهي عند مسيرها تتفيؤ ظلال شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتتنسم عبير رياح طيبة تدفع مراكب المؤمنين نحو برّ الهدى والنجاة.


• بين الركوع والسجود

ثم تأمل حالك وأنت تخرّ راكعا لربك، مُطأطئا هامتك متذللا خاضعا لمولاك، وكأنك تقول: يا رب ها أنا ذا أوفي لك بعهدي، ها أنا ذا قد خضعت وانقدت لك، ها أنا ذا قد ذللت واستَكَنْتُ، "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين"، ولتتذكر وأنت مطأطئ هامتك أنك لن تذل ولن تخضع إلا لله وحده، ولا ترفع رأسك قبل أن تعد العزم على أنك ستديم هذا الانقياد والخضوع لله تعالى ما حييت.

فإذا ما هويت إلى السجود، تطامنت أعضاؤك وخرّ جبينُك، فإذا سجدتْ أعضاؤك فليسجد قلبك وسائر جوارحك، فأنت في كنف السجود العظيم، وأقرب ما تكون مِن الله صاحب الكرم والجود، فأكثِر من الدعوات، فإن في السجود شرفا للمؤمن وأي شرف؟ شرف القرب من مولاه، فلتعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك، قال تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء 218-219]، وإن كان الركوع يدل على الخضوع والانقياد، فالسجود هو تمام التذلل والافتقار، ولمّا يدنو العبد دنو الكرامة فهو يسمو بروحه، فسبحان من جعل النفوس تسمو حين تدنو له، وتُعزُّ إذْ تتذلل وتفتقر إليه تعالى.


• من أعظم وسائل الثبات

وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يستعينوا بالصلاة فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45-46]، فمَن حقق الخشوع وصلّى صلاة مودّع، كانت له خير عون على معالي الأمور، ولا سيّما في ميدان الجهاد، فالصلاة من أعظم وسائل الثبات أمام جيوش الطغاة، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، ولذا، فمن ابتغى الفلاح والثبات فحري به أن يُعطي الصلاة قدرها، ويعظّم أمرها، ويقيمها إقامة القانتين الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا الله وأنهم إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ

67645820478e1

  • 1
  • 0
  • 2

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً