"واجب الوقت: كشف التضليل وتصحيح مفاهيم الجيل" لماذا يجب إعادة نشر الحقائق حول النظام السابق على ...
منذ 11 ساعة
"واجب الوقت: كشف التضليل وتصحيح مفاهيم الجيل"
لماذا يجب إعادة نشر الحقائق حول النظام السابق على الرغم من مضي مدة من الزمن على سقوط حكمهم؟
إن معرفة الإنسان لتاريخه جزءٌ أصيل من هويته، وخاصة إذا كانت هذه الوقائع ليست مجرد حدث عابر، بل نقاط تحول وتغيير تمس الدين والعقيدة.
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رحمه الله تعالى: "رحم الله امرأً عرف زمانه فاستقامت له طريقته"؛ فمعرفة الحقائق لها دور في ضبط بوصلة الإنسان، وتجعل العقل يتخذ موقفاً منصفاً تجاه الأمور، فيتبنى صحيحها ويدافع عنه إذا تطلّب الواجب ذلك.
فالعاقل عندما يعرف طريق الحق يقف معه، وإذا عرف طريق الباطل اجتنبه ولم يَنْقَدْ له مهما كَثُر سالكوه؛ فالكثرة ليست دلالة على الحقيقة، والشاهد قول الله ﷻ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاًۖ إِنَّ اَ۬لظَّنَّ لَا يُغْنِے مِنَ اَ۬لْحَقِّ شَئْاًۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفْعَلُونَۖ﴾ [يونس ٣٦]، وقال ﷻ: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِے اِ۬لْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اِ۬للَّهِۖ إِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلَّا اَ۬لظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَۖ﴾ [الأنعام ١١٧].
لذا؛ فإن الحديث عن جرائم النظام السابق ليس من باب الجدال أو الفراغ، وإنما لتصحيح المفاهيم ودفاعاً عن الدين حتى وإن مضت على ذلك السنون؛ فالأفكار تُوَرَّث كما تُوَرَّث الأملاك. وشريحة واسعة من جيل ما بعد الألفية ورثوا مناصرتهم للنظام السابق من ءابائهم؛ لأنه أولاً لم يعاصروه، وثانياً لأن أحداث البلاد المضطربة بعد الثورة عززت لديهم فكرة تبني هذا الرأي.
لم يكن الصراع مع النظام السابق سياسياً فحسب، بل كان صراعاً على هوية الأمة، فكيف نستبشر بجيل يعتقد بأن القذافي هو "الولي الصالح"، وهو الذي وضع نفسه نداً لله جل في علاه، بدءاً من مقولته الشركية: "الله ومعمر وليبيا وبس"!، أهذا هو التوحيد؟! بل وصل به الحال إلى إنكار السنة والثوابت؛ فقد شكّك في نصوص القرءان وحرّف معانيه، وفسر ءاياته بفهمه القاصر. وقد أجمع العلماء على أن من ينكر حرفاً من القرءان فهو مرتد.
لقد ادعى النبوة، واستهزأ بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأنكر شفاعته، حتى إنه قَتَل الشيخ محمد البشتي -رحمه الله- عندما خطب بالناس يوم الجمعة خطبة دافع فيها عن الرسول ﷺ وانتصر له، وكذّب وجود قبر النبي ﷺ، وحارب السنة بمحاربة سَمتِها؛ فمنع تربية اللِّحَى، ولبس النقاب، وسجن الذين يصلون الفجر في المساجد، ووصف الحج -وهو الركن الخامس من أركان الإسلام- بأنه "عبادة ساذجة"، وناقض الشريعة التي تحفظ حقوق الناس فأقر قانون "البيت لساكنه". ولم يمتثل لأوامر الله، فتعدى حرمة شهر رمضان وأعدم الأبرياء جهاراً نهاراً، وبثّ الإعدامات على شاشات التلفاز والناس على مائدة الإفطار! ولم تَنْتَهِ سلسلة إعدام الأبرياء حتى ءاخر أيام حكمه.كما جَنّد الشباب قسراً وذهب بهم إلى الصحراء ينازعون التشاديين على أرضهم، وتركهم في خلاء الصحراء بلا طعام ولا ماء،
وكل ذلك وثقه القذافي بنفسه والتاريخ شاهد، بل الله شاهد؛ وكفى به شهيداً.
فكيف لمسلم يعبد الله، عندما تُطرح عليه هذه الحقائق، أن يُوَلّي ظهره معرضاً مكذباً وكأنه لم يسمع! كحال قوم نوح عليه السلام: ﴿وَإِنِّے كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَٰبِعَهُمْ فِے ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اُ۪سْتِكْبَاراٗۖ﴾ [نوح ٧]. فَلِمَ إذن يدّعي أنه يعبد الله الذي قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَي اَ۬لذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ اُ۬لنَّارُۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَۖ ﴾ [هود ١١٣].
أما المناصرون للنظام السابق، فيتعللون بأن سبب هذه المناصرة هو "الاستقرار". صحيحٌ أن ليبيا في تلك الفترة عاشت مستقرة نوعاً ما، لكنه كان استقراراً مزيفاً.
إنه الأمان الذي يعيش فيه المرء "حياة البهائم"؛ يأكل ويشرب وينام، ويبجل القائد ويمدحه، ويا حبذا لو يعبده -إلا أن البهائم لا تعبد إلا الله-. أما من يبدي اعتراضه على شيء ما، فيُتَّهم بالخيانة والعمالة، ويُعدم أمام حشد من الناس ليكون عبرة لغيره، حتى عاش الناس في توجس دائم حتى من الحيطان، لربما يكون لها آذان!
يتحسر المناصرون للنظام السابق على" رفاهية الخبز"، فما انفكوا يُذَكِّروننا بأن أربعين رغيفاً كانت بربع دينار! لكن ذاكرتهم الانتقائية أغفلت ذلّ الوقوف في "الجمعيات الاستهلاكية " يوم كانوا يتزاحمون وتتلاطم أكتافهم لانتزاع حصتهم التموينية، في مشهدٍ مهينٍ بلغ ذروته حين زُهقت روح مواطن تحت الأقدام في تدافعٍ مميتٍ مرةً من أجل الموز!
ولم يتوقف عبثه عند حدود الدين، بل امتدت يده لتعبث بوعي الأجيال عبر تدمير ممنهج لمنظومة التعليم؛ فالمستبد يدرك أن " العلم " هو العدو الأول لعرشه؛ فحول المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية، واستبدل المآزر المدرسية ببدلات عسكرية مرقطة، وأجبر الشباب على تدريبات السلاح والزحف في الميادين بدلاً من التنافس في المختبرات، بل وعزل ليبيا عن ركب الحضارة بقراره الكارثي في الثمانينيات حين منع تدريس اللغات الأجنبية وأحرق كتبها؛ ليخلق "جيل القطيعة" المعزول عن العالم.
ولم تسلم الجامعات من ساديته؛ فحوّلها لساحات رعب بنصب المشانق لطلابها في ذكرى "السابع من أبريل"، وسلّط "اللجان الثورية" كالسياط على رقاب العلماء والأكاديميين؛ فأصبح الطالب الثوري الفاشل هو من يملك سلطة إهانة الأستاذ الجامعي وتسيير المؤسسة التعليمية وفق أهواء "الكتاب الأخضر" الذي حُشر في المناهج حشراً، ليحل محل الحقائق التاريخية والعلوم الرصينة.
وبالرغم من أن ليبيا من أغنى دول العالم لامتلاكها النفط، إلا أن ملامح الفقر كانت تظهر بوضوح على مبانيها، وبنيتها التحتية، ومرافقها الصحية، وحتى المستوى المعيشي للشعب حينها؛ حيث كانت معدلات رواتب الموظفين في البلاد زهيدة، لا تكفي لمتطلبات الحياة، ولا هي عادلة أمام غنى الدولة الفاحش.
والشعب ما كان له إلا أن يتشرب هذا الفكر ويقتنع بالقليل، أو يسكت، خشية أن ينتهي بهم الحال كحال الصادق الشويهدي، وعمر دبوب، ومحمد بن سعود، وحافظ المدني الورفلي، وغيرهم من الطلاب الذين أعدمهم القذافي في حرم الجامعات، وكحال د. الوافي محمد انبيه، ود. عمرو النامي، وشهداء مايو 1984، وشهداء انتفاضة أكتوبر 1993، وشهداء مجزرة أبو سليم، والقائمة تطول.
ولو فرضنا جدلاً أن البلاد حينها كانت تعيش قمة الرفاهية والتحضر المدني والتطور العلمي، فإن هذا لا يساوي شيئاً في ميزان الله أمام الدين: ﴿وَمَا اَ۬لْحَيَوٰةُ اُ۬لدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٞۖ وَلَلدَّارُ اُ۬لْأٓخِرَةُ خَيْرٌٞ لِّلذِينَ يَتَّقُونَۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَۖ﴾ [الأنعام ٣٣]. فما الذي يدفع المسلم الذي يؤمن بالله واليوم اءلاخر لأن يقف مع الظالمين، بل ويجادل عنهم ولا يخشى عقاب الله: .﴿هَٰا۬نتُمْ هَٰؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْيَا فَمَنْ يُّجَٰدِلُ اُ۬للَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِ أَم مَّنْ يَّكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاٗۖ﴾ [النساء ١٠٨]، اليوم يدافع من يدافع على الذين عادوا الله، فمن يدافع عنهم يوم الحساب؟ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ اُ۬لْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِۖ لِكُلِّ اِ۪مْرِےٕٖ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٖ شَأْنٞ يُغْنِيهِۖ﴾[ عبس ٣٤- ٣٧]
لهذا يجب أن نستذكر إجرام النظام السابق، لنعيد تذكير من تناسى، ويعلم الجاهلون أفعال أعداء الله، فلا عجب من جهلهم وهم يسمعون المديح للنظام السابق اليوم ويرون الاحتفالات بذكرى انقلابه على النظام الملكي بعد سقوطه منذ أكثر من عشر سنوات.
طيّب، وهل هذا دليل على أن ثورة فبراير حق أم أن هنالك رأياً آخر؟
سأجيب عن هذا السؤال في وقت لاحق إن شاء الله تعالى، وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبيّ الأمة الهادي الأمين.
١٩ شعبان ١٤٤٧، الموافق ٧ فبراير ٢٠٢٦
لماذا يجب إعادة نشر الحقائق حول النظام السابق على الرغم من مضي مدة من الزمن على سقوط حكمهم؟
إن معرفة الإنسان لتاريخه جزءٌ أصيل من هويته، وخاصة إذا كانت هذه الوقائع ليست مجرد حدث عابر، بل نقاط تحول وتغيير تمس الدين والعقيدة.
يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رحمه الله تعالى: "رحم الله امرأً عرف زمانه فاستقامت له طريقته"؛ فمعرفة الحقائق لها دور في ضبط بوصلة الإنسان، وتجعل العقل يتخذ موقفاً منصفاً تجاه الأمور، فيتبنى صحيحها ويدافع عنه إذا تطلّب الواجب ذلك.
فالعاقل عندما يعرف طريق الحق يقف معه، وإذا عرف طريق الباطل اجتنبه ولم يَنْقَدْ له مهما كَثُر سالكوه؛ فالكثرة ليست دلالة على الحقيقة، والشاهد قول الله ﷻ: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاًۖ إِنَّ اَ۬لظَّنَّ لَا يُغْنِے مِنَ اَ۬لْحَقِّ شَئْاًۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفْعَلُونَۖ﴾ [يونس ٣٦]، وقال ﷻ: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِے اِ۬لْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اِ۬للَّهِۖ إِنْ يَّتَّبِعُونَ إِلَّا اَ۬لظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَۖ﴾ [الأنعام ١١٧].
لذا؛ فإن الحديث عن جرائم النظام السابق ليس من باب الجدال أو الفراغ، وإنما لتصحيح المفاهيم ودفاعاً عن الدين حتى وإن مضت على ذلك السنون؛ فالأفكار تُوَرَّث كما تُوَرَّث الأملاك. وشريحة واسعة من جيل ما بعد الألفية ورثوا مناصرتهم للنظام السابق من ءابائهم؛ لأنه أولاً لم يعاصروه، وثانياً لأن أحداث البلاد المضطربة بعد الثورة عززت لديهم فكرة تبني هذا الرأي.
لم يكن الصراع مع النظام السابق سياسياً فحسب، بل كان صراعاً على هوية الأمة، فكيف نستبشر بجيل يعتقد بأن القذافي هو "الولي الصالح"، وهو الذي وضع نفسه نداً لله جل في علاه، بدءاً من مقولته الشركية: "الله ومعمر وليبيا وبس"!، أهذا هو التوحيد؟! بل وصل به الحال إلى إنكار السنة والثوابت؛ فقد شكّك في نصوص القرءان وحرّف معانيه، وفسر ءاياته بفهمه القاصر. وقد أجمع العلماء على أن من ينكر حرفاً من القرءان فهو مرتد.
لقد ادعى النبوة، واستهزأ بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وأنكر شفاعته، حتى إنه قَتَل الشيخ محمد البشتي -رحمه الله- عندما خطب بالناس يوم الجمعة خطبة دافع فيها عن الرسول ﷺ وانتصر له، وكذّب وجود قبر النبي ﷺ، وحارب السنة بمحاربة سَمتِها؛ فمنع تربية اللِّحَى، ولبس النقاب، وسجن الذين يصلون الفجر في المساجد، ووصف الحج -وهو الركن الخامس من أركان الإسلام- بأنه "عبادة ساذجة"، وناقض الشريعة التي تحفظ حقوق الناس فأقر قانون "البيت لساكنه". ولم يمتثل لأوامر الله، فتعدى حرمة شهر رمضان وأعدم الأبرياء جهاراً نهاراً، وبثّ الإعدامات على شاشات التلفاز والناس على مائدة الإفطار! ولم تَنْتَهِ سلسلة إعدام الأبرياء حتى ءاخر أيام حكمه.كما جَنّد الشباب قسراً وذهب بهم إلى الصحراء ينازعون التشاديين على أرضهم، وتركهم في خلاء الصحراء بلا طعام ولا ماء،
وكل ذلك وثقه القذافي بنفسه والتاريخ شاهد، بل الله شاهد؛ وكفى به شهيداً.
فكيف لمسلم يعبد الله، عندما تُطرح عليه هذه الحقائق، أن يُوَلّي ظهره معرضاً مكذباً وكأنه لم يسمع! كحال قوم نوح عليه السلام: ﴿وَإِنِّے كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَٰبِعَهُمْ فِے ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اُ۪سْتِكْبَاراٗۖ﴾ [نوح ٧]. فَلِمَ إذن يدّعي أنه يعبد الله الذي قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَي اَ۬لذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ اُ۬لنَّارُۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَۖ ﴾ [هود ١١٣].
أما المناصرون للنظام السابق، فيتعللون بأن سبب هذه المناصرة هو "الاستقرار". صحيحٌ أن ليبيا في تلك الفترة عاشت مستقرة نوعاً ما، لكنه كان استقراراً مزيفاً.
إنه الأمان الذي يعيش فيه المرء "حياة البهائم"؛ يأكل ويشرب وينام، ويبجل القائد ويمدحه، ويا حبذا لو يعبده -إلا أن البهائم لا تعبد إلا الله-. أما من يبدي اعتراضه على شيء ما، فيُتَّهم بالخيانة والعمالة، ويُعدم أمام حشد من الناس ليكون عبرة لغيره، حتى عاش الناس في توجس دائم حتى من الحيطان، لربما يكون لها آذان!
يتحسر المناصرون للنظام السابق على" رفاهية الخبز"، فما انفكوا يُذَكِّروننا بأن أربعين رغيفاً كانت بربع دينار! لكن ذاكرتهم الانتقائية أغفلت ذلّ الوقوف في "الجمعيات الاستهلاكية " يوم كانوا يتزاحمون وتتلاطم أكتافهم لانتزاع حصتهم التموينية، في مشهدٍ مهينٍ بلغ ذروته حين زُهقت روح مواطن تحت الأقدام في تدافعٍ مميتٍ مرةً من أجل الموز!
ولم يتوقف عبثه عند حدود الدين، بل امتدت يده لتعبث بوعي الأجيال عبر تدمير ممنهج لمنظومة التعليم؛ فالمستبد يدرك أن " العلم " هو العدو الأول لعرشه؛ فحول المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية، واستبدل المآزر المدرسية ببدلات عسكرية مرقطة، وأجبر الشباب على تدريبات السلاح والزحف في الميادين بدلاً من التنافس في المختبرات، بل وعزل ليبيا عن ركب الحضارة بقراره الكارثي في الثمانينيات حين منع تدريس اللغات الأجنبية وأحرق كتبها؛ ليخلق "جيل القطيعة" المعزول عن العالم.
ولم تسلم الجامعات من ساديته؛ فحوّلها لساحات رعب بنصب المشانق لطلابها في ذكرى "السابع من أبريل"، وسلّط "اللجان الثورية" كالسياط على رقاب العلماء والأكاديميين؛ فأصبح الطالب الثوري الفاشل هو من يملك سلطة إهانة الأستاذ الجامعي وتسيير المؤسسة التعليمية وفق أهواء "الكتاب الأخضر" الذي حُشر في المناهج حشراً، ليحل محل الحقائق التاريخية والعلوم الرصينة.
وبالرغم من أن ليبيا من أغنى دول العالم لامتلاكها النفط، إلا أن ملامح الفقر كانت تظهر بوضوح على مبانيها، وبنيتها التحتية، ومرافقها الصحية، وحتى المستوى المعيشي للشعب حينها؛ حيث كانت معدلات رواتب الموظفين في البلاد زهيدة، لا تكفي لمتطلبات الحياة، ولا هي عادلة أمام غنى الدولة الفاحش.
والشعب ما كان له إلا أن يتشرب هذا الفكر ويقتنع بالقليل، أو يسكت، خشية أن ينتهي بهم الحال كحال الصادق الشويهدي، وعمر دبوب، ومحمد بن سعود، وحافظ المدني الورفلي، وغيرهم من الطلاب الذين أعدمهم القذافي في حرم الجامعات، وكحال د. الوافي محمد انبيه، ود. عمرو النامي، وشهداء مايو 1984، وشهداء انتفاضة أكتوبر 1993، وشهداء مجزرة أبو سليم، والقائمة تطول.
ولو فرضنا جدلاً أن البلاد حينها كانت تعيش قمة الرفاهية والتحضر المدني والتطور العلمي، فإن هذا لا يساوي شيئاً في ميزان الله أمام الدين: ﴿وَمَا اَ۬لْحَيَوٰةُ اُ۬لدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٞۖ وَلَلدَّارُ اُ۬لْأٓخِرَةُ خَيْرٌٞ لِّلذِينَ يَتَّقُونَۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَۖ﴾ [الأنعام ٣٣]. فما الذي يدفع المسلم الذي يؤمن بالله واليوم اءلاخر لأن يقف مع الظالمين، بل ويجادل عنهم ولا يخشى عقاب الله: .﴿هَٰا۬نتُمْ هَٰؤُلَآءِ جَٰدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْيَا فَمَنْ يُّجَٰدِلُ اُ۬للَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ اَ۬لْقِيَٰمَةِ أَم مَّنْ يَّكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاٗۖ﴾ [النساء ١٠٨]، اليوم يدافع من يدافع على الذين عادوا الله، فمن يدافع عنهم يوم الحساب؟ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ اُ۬لْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِۖ لِكُلِّ اِ۪مْرِےٕٖ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٖ شَأْنٞ يُغْنِيهِۖ﴾[ عبس ٣٤- ٣٧]
لهذا يجب أن نستذكر إجرام النظام السابق، لنعيد تذكير من تناسى، ويعلم الجاهلون أفعال أعداء الله، فلا عجب من جهلهم وهم يسمعون المديح للنظام السابق اليوم ويرون الاحتفالات بذكرى انقلابه على النظام الملكي بعد سقوطه منذ أكثر من عشر سنوات.
طيّب، وهل هذا دليل على أن ثورة فبراير حق أم أن هنالك رأياً آخر؟
سأجيب عن هذا السؤال في وقت لاحق إن شاء الله تعالى، وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبيّ الأمة الهادي الأمين.
١٩ شعبان ١٤٤٧، الموافق ٧ فبراير ٢٠٢٦