تركيا ومسيرة المصالح لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها ...
منذ 16 ساعة
تركيا ومسيرة المصالح
لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها حيث دارت، ولو كان ذلك على حساب محاربة الإسلام وأهله، وإبادة الحرث والنسل والإفساد في الأرض، ومِن أوضح النماذج على ذلك حكومة تركيا العلمانية، التي ارتكبت أبشع المجازر بحق المسلمين في الشام، وقطّعت أوصال الأطفال والنساء بصواريخها، في إطار حربها ضد الدولة الإسلامية التي رأت فيها تركيا تهديدًا لمصالحها وحدودها، ضاربةً عرض الحائط بكلّ ما تغنّت به من شعارات براقة كحماية السوريين ونصرتهم؛ ولذا لم يكن مستغرَبا أبدًا أن تُلمّح الحكومة التركية مؤخرا إلى إمكانية "المصالحة" مع النظام النصيري المرتد، طالما أن "المصلحة" تقتضي ذلك.
فقد أثبت الطاغوت التركي وحكومته مرارا كثيرة في السنوات الماضية، أنْ لا شيء يعلو عندهم فوق مصالحهم النتنة، ولا ضير عندهم -لكي يحققوها- لو انتقلوا من دور "الحليف" للفصائل المرتدة، إلى دور "الوسيط" مع النظام النصيري، بل وربما إلى دور "الحليف" له والذي كانوا يصفونه يوما ما بـ"الإرهابي".
فعلى مدار سنوات الحرب في الشام، زعمت الحكومة التركية بأنها تدعم "حقوق السوريين" وتعمل على حمايتهم وتقف إلى جانبهم، وتمنّ عليهم باستقبالهم "لاجئين" في أراضيها، رغم أنها في الحقيقة استخدمتهم ورقة ضغط وابتزاز لدول أوروبا الصليبية إن عارضوا سياستها! أما على الجانب الآخر من الحدود، فقد حرفت الحكومة التركية المعركة من قتال النظام النصيري إلى قتال المجاهدين، وذلك عبر تحويل الفصائل الموالية لها إلى مرتزقة تقاتل في سبيل تحقيق المصالح التركية وحسب، فقاتلت تركيا بهم الدولة الإسلامية قبل سنوات، وتقاتل اليوم بهم الميليشيات الكردية، وذلك بهدف إنشاء "المنطقة العازلة" التي ترى فيها تركيا "حماية" وربما "توسعة" لحدودها، ولا سبيل لإقامتها إلا عبر تطويع واستغلال المرتزقة الأذلاء العبيد كما هو حاصل اليوم، حيث صاروا مجرّد بيادق تحرّكهم تركيا أين ومتى شاءت.
وبالمحصلة، استخدمت الحكومة التركية "الملف السوري" في تحقيق مصالحها السياسية والقومية والعلمانية البحتة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بـ"القوة الناعمة" عبر ادعاء حماية "السوريين" وإيوائهم وتوزيع الفتات عليهم.
موقف فصائل "المعارضة السورية" من تلميح تركيا إمكانية "التصالح" مع النظام النصيري، كان موقفا سخيفا متناقضا، فكيف لمن لا يملك أمره مِن الحرب أو السلم، أن يزعم أنه لن يُصالح! بينما سيّده ومشغّله "الأتاتوركي" لم يُخطره أو يشاوره بذلك! بل هو لم ينتظر رأيه من قبل، يوم أعلن عودة "العلاقات" مع اليهود الكافرين، وعندها برّر هؤلاء الأتباع الأغرار هذه الخطوة بأنها "مصلحة اقتصادية"!! واليوم تعلن تركيا "عودة العلاقات الدبلوماسية بالكامل" مع اليهود، أي ما يُعدّ وفقا لمصطلحاتهم المنحرفة "تطبيعا كاملا"، وهو ما يُسمى شرعًا موالاة اليهود، فهل قدّمت معارضة العبيد أو أخّرت من المعادلة شيئا؟! وهل مَن شرعن ارتماء الطاغوت التركي في الأحضان اليهودية، سيضيره ارتماء نفس الطاغوت في الأحضان النصيرية! خصوصا إذا ما علمنا أنّ الطاغوتين "بشار وأردوغان" محسوبان على "محور المقاومة!" أي أن عودة العلاقات "التركية-السورية" يُعد شيئا "مشرّفا" إذا ما قورن بـ"العلاقات التركية-اليهودية!"، عش رجبًا ترى عجبًا.
بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي افتعلته الفصائل السورية زاعمةً أنها لن تصالح! فعلى أرض الواقع لا تلتزم هذه الفصائل المرتدة بأي قيود أو ضوابط شرعية، فخطواتها كلها تسير خلف المصلحة المتوهمة! فهم كما رأوا قديما أن مصلحتهم في "الدعم التركي" أو "السعودي" أو "القطري" سيرون أيضًا أن مصلحتهم في "المصالحة" لو تحققت أو "التسوية" كما يسمونها، فهم سِلْم لمن يسالم الداعمون، وحرب لمن يحاربون، ولا عجب، فهم منذ البداية لم يسيروا على بصيرة من أمرهم، ولم يقاتلوا إقامة للشرع ولا معاداة وبراءة من المشركين كافة، فدين الله تعالى لا فرق فيه بين المرتد السوري والمرتد التركي، ولا بين الصليبي الروسي أو الأمريكي، فدين الله واحد، ومنهجه واضح، لا يزيغ عنه إلا هالك، فلما زاغ هؤلاء عن طريق الحق واتبعوا سبل الداعمين، سلّط الله عليهم ذلا ومهانة يراها كل متابع للساحة الشامية، فلا رأي لهم ولا كرامة ولا اعتبار، بل صاروا مجرد متسولين على أبواب الداعمين، يندبون حظهم على ما صار إليه حالهم، ولا يجدون مخرجا مما هم فيه إلا تقديم مزيد من التنازلات، قال تعالى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}، قال القرطبي -رحمه الله-: "أي مَن أهانه بالشقاء والكفر، لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه". والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدا.على ما مات عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-
الحمد لله الذي أتمّ علينا نعمه، وأكمل لنا دينه، ولم يتركه عرضة لكل صاحب هوى متنطع، أو حائر تائه، وختم لنا شريعته بأفصح مَن نطق الضاد وأوتي جوامع الكلم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي لم يترك لنا ما يقربنا من الجنة إلا ودلنا عليه، وما يقربنا من النار إلا وحذرنا منه، وما قبضه الله حتى أتّم به الإسلام، فالإسلام هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمدة ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. [المائدة]
فمن أخذه فحظه وافر وتجارته رائجة رابحة، وبُشراه في كل خيرٍ يفعله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر]، ومَن ردّه أو بعضَه فخاسر، وتجارته بوار، وأرضه يباب، ومثله كمن قال تعالى فيه: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج]، أو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}. [إبراهيم]
ولن يُقبل من أحد مهما علا شأنه وارتفعت رتبته ومنزلته بين الأنام، أن يأخذ من الإسلام ما يوافق هواه ويترك منه ما خالفه؛ كمن يحتج بتمسّكه بمراحل الإسلام الأولى فيأخذ بالدعوة السرية في مكة ويترك الدعوة العلنية في المدينة! أو يأخذ بالكفّ عن القتال كما في المرحلة المكية ويترك الأمر بالقتال كما في المرحلة المدنية؛ فيأخذ ما يوافق هواه من المرحلة المكية ويترك ما خالف هواه مما نزل به الشرع في المرحلة المدنية، ويغيّب بذلك الأمة سنينَ بهذه الشبهة، فلا جهاد لأعداء الملة بزعمه أننا في المرحلة المكية! وتجاهل أو تناسى أن الإسلام كل لا يتجزأ، قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. [البقرة]
وبمثل قول المثبطين عن الجهاد وأهله الذين يحتجون بترك الجهاد في مكة؛ يحتج شُرّاب الخمر وأهل الفسق، فقد شربت في أول الإسلام والشارع ساكت عنها ليس تحليلا لها بل تدرجا في تحريمها، وما حرمت إلا وقد مضى صدر من الإسلام، أليس قد مات بعض الصحابة ولم ينزل تحريم الخمر بعد؟، أليس أول الإسلام إيمانا ولم تفرض الفرائض بعد؟، فهل يصح لأحد أن يحتج على شرب الخمر وترك الفرائض بهذا القول؟! فهل لمثل هذا القول يذهب عاقل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
فالدين إذن هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، وهذه الحقيقة التي فقهها الصحابة حتى قال شيخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أينقص الدين وأنا حي؟".
وإنك ترى مثل هؤلاء الرويبضة في هذا الزمان الكثير الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن كُلف أحدهم بجهاد الكفار ومناجزة المشركين الأشرار والذود عن الحرمات، فما أسرعه إجابة للقعود متحججا بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وغلف باطله بأدلة الحق قاصدا الباطل، مخادعا نفسه والناس؛ وحقيقة هؤلاء القوم كما بينها الله تعالى لنا في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. [النساء]
ولمن احتج بقولهم يقال: ما تفعل بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وبقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [متفق عليه]، وبما جاء في [سنن البيهقي] تحت "باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}؛ قال: فنسخ هذا العفو عن المشركين".
وهذا غيض من فيض من شبه القوم، والرد عليها كما قد علمت.
لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها حيث دارت، ولو كان ذلك على حساب محاربة الإسلام وأهله، وإبادة الحرث والنسل والإفساد في الأرض، ومِن أوضح النماذج على ذلك حكومة تركيا العلمانية، التي ارتكبت أبشع المجازر بحق المسلمين في الشام، وقطّعت أوصال الأطفال والنساء بصواريخها، في إطار حربها ضد الدولة الإسلامية التي رأت فيها تركيا تهديدًا لمصالحها وحدودها، ضاربةً عرض الحائط بكلّ ما تغنّت به من شعارات براقة كحماية السوريين ونصرتهم؛ ولذا لم يكن مستغرَبا أبدًا أن تُلمّح الحكومة التركية مؤخرا إلى إمكانية "المصالحة" مع النظام النصيري المرتد، طالما أن "المصلحة" تقتضي ذلك.
فقد أثبت الطاغوت التركي وحكومته مرارا كثيرة في السنوات الماضية، أنْ لا شيء يعلو عندهم فوق مصالحهم النتنة، ولا ضير عندهم -لكي يحققوها- لو انتقلوا من دور "الحليف" للفصائل المرتدة، إلى دور "الوسيط" مع النظام النصيري، بل وربما إلى دور "الحليف" له والذي كانوا يصفونه يوما ما بـ"الإرهابي".
فعلى مدار سنوات الحرب في الشام، زعمت الحكومة التركية بأنها تدعم "حقوق السوريين" وتعمل على حمايتهم وتقف إلى جانبهم، وتمنّ عليهم باستقبالهم "لاجئين" في أراضيها، رغم أنها في الحقيقة استخدمتهم ورقة ضغط وابتزاز لدول أوروبا الصليبية إن عارضوا سياستها! أما على الجانب الآخر من الحدود، فقد حرفت الحكومة التركية المعركة من قتال النظام النصيري إلى قتال المجاهدين، وذلك عبر تحويل الفصائل الموالية لها إلى مرتزقة تقاتل في سبيل تحقيق المصالح التركية وحسب، فقاتلت تركيا بهم الدولة الإسلامية قبل سنوات، وتقاتل اليوم بهم الميليشيات الكردية، وذلك بهدف إنشاء "المنطقة العازلة" التي ترى فيها تركيا "حماية" وربما "توسعة" لحدودها، ولا سبيل لإقامتها إلا عبر تطويع واستغلال المرتزقة الأذلاء العبيد كما هو حاصل اليوم، حيث صاروا مجرّد بيادق تحرّكهم تركيا أين ومتى شاءت.
وبالمحصلة، استخدمت الحكومة التركية "الملف السوري" في تحقيق مصالحها السياسية والقومية والعلمانية البحتة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بـ"القوة الناعمة" عبر ادعاء حماية "السوريين" وإيوائهم وتوزيع الفتات عليهم.
موقف فصائل "المعارضة السورية" من تلميح تركيا إمكانية "التصالح" مع النظام النصيري، كان موقفا سخيفا متناقضا، فكيف لمن لا يملك أمره مِن الحرب أو السلم، أن يزعم أنه لن يُصالح! بينما سيّده ومشغّله "الأتاتوركي" لم يُخطره أو يشاوره بذلك! بل هو لم ينتظر رأيه من قبل، يوم أعلن عودة "العلاقات" مع اليهود الكافرين، وعندها برّر هؤلاء الأتباع الأغرار هذه الخطوة بأنها "مصلحة اقتصادية"!! واليوم تعلن تركيا "عودة العلاقات الدبلوماسية بالكامل" مع اليهود، أي ما يُعدّ وفقا لمصطلحاتهم المنحرفة "تطبيعا كاملا"، وهو ما يُسمى شرعًا موالاة اليهود، فهل قدّمت معارضة العبيد أو أخّرت من المعادلة شيئا؟! وهل مَن شرعن ارتماء الطاغوت التركي في الأحضان اليهودية، سيضيره ارتماء نفس الطاغوت في الأحضان النصيرية! خصوصا إذا ما علمنا أنّ الطاغوتين "بشار وأردوغان" محسوبان على "محور المقاومة!" أي أن عودة العلاقات "التركية-السورية" يُعد شيئا "مشرّفا" إذا ما قورن بـ"العلاقات التركية-اليهودية!"، عش رجبًا ترى عجبًا.
بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي افتعلته الفصائل السورية زاعمةً أنها لن تصالح! فعلى أرض الواقع لا تلتزم هذه الفصائل المرتدة بأي قيود أو ضوابط شرعية، فخطواتها كلها تسير خلف المصلحة المتوهمة! فهم كما رأوا قديما أن مصلحتهم في "الدعم التركي" أو "السعودي" أو "القطري" سيرون أيضًا أن مصلحتهم في "المصالحة" لو تحققت أو "التسوية" كما يسمونها، فهم سِلْم لمن يسالم الداعمون، وحرب لمن يحاربون، ولا عجب، فهم منذ البداية لم يسيروا على بصيرة من أمرهم، ولم يقاتلوا إقامة للشرع ولا معاداة وبراءة من المشركين كافة، فدين الله تعالى لا فرق فيه بين المرتد السوري والمرتد التركي، ولا بين الصليبي الروسي أو الأمريكي، فدين الله واحد، ومنهجه واضح، لا يزيغ عنه إلا هالك، فلما زاغ هؤلاء عن طريق الحق واتبعوا سبل الداعمين، سلّط الله عليهم ذلا ومهانة يراها كل متابع للساحة الشامية، فلا رأي لهم ولا كرامة ولا اعتبار، بل صاروا مجرد متسولين على أبواب الداعمين، يندبون حظهم على ما صار إليه حالهم، ولا يجدون مخرجا مما هم فيه إلا تقديم مزيد من التنازلات، قال تعالى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}، قال القرطبي -رحمه الله-: "أي مَن أهانه بالشقاء والكفر، لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه". والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدا.على ما مات عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-
الحمد لله الذي أتمّ علينا نعمه، وأكمل لنا دينه، ولم يتركه عرضة لكل صاحب هوى متنطع، أو حائر تائه، وختم لنا شريعته بأفصح مَن نطق الضاد وأوتي جوامع الكلم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي لم يترك لنا ما يقربنا من الجنة إلا ودلنا عليه، وما يقربنا من النار إلا وحذرنا منه، وما قبضه الله حتى أتّم به الإسلام، فالإسلام هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمدة ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. [المائدة]
فمن أخذه فحظه وافر وتجارته رائجة رابحة، وبُشراه في كل خيرٍ يفعله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر]، ومَن ردّه أو بعضَه فخاسر، وتجارته بوار، وأرضه يباب، ومثله كمن قال تعالى فيه: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج]، أو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}. [إبراهيم]
ولن يُقبل من أحد مهما علا شأنه وارتفعت رتبته ومنزلته بين الأنام، أن يأخذ من الإسلام ما يوافق هواه ويترك منه ما خالفه؛ كمن يحتج بتمسّكه بمراحل الإسلام الأولى فيأخذ بالدعوة السرية في مكة ويترك الدعوة العلنية في المدينة! أو يأخذ بالكفّ عن القتال كما في المرحلة المكية ويترك الأمر بالقتال كما في المرحلة المدنية؛ فيأخذ ما يوافق هواه من المرحلة المكية ويترك ما خالف هواه مما نزل به الشرع في المرحلة المدنية، ويغيّب بذلك الأمة سنينَ بهذه الشبهة، فلا جهاد لأعداء الملة بزعمه أننا في المرحلة المكية! وتجاهل أو تناسى أن الإسلام كل لا يتجزأ، قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. [البقرة]
وبمثل قول المثبطين عن الجهاد وأهله الذين يحتجون بترك الجهاد في مكة؛ يحتج شُرّاب الخمر وأهل الفسق، فقد شربت في أول الإسلام والشارع ساكت عنها ليس تحليلا لها بل تدرجا في تحريمها، وما حرمت إلا وقد مضى صدر من الإسلام، أليس قد مات بعض الصحابة ولم ينزل تحريم الخمر بعد؟، أليس أول الإسلام إيمانا ولم تفرض الفرائض بعد؟، فهل يصح لأحد أن يحتج على شرب الخمر وترك الفرائض بهذا القول؟! فهل لمثل هذا القول يذهب عاقل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
فالدين إذن هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، وهذه الحقيقة التي فقهها الصحابة حتى قال شيخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أينقص الدين وأنا حي؟".
وإنك ترى مثل هؤلاء الرويبضة في هذا الزمان الكثير الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن كُلف أحدهم بجهاد الكفار ومناجزة المشركين الأشرار والذود عن الحرمات، فما أسرعه إجابة للقعود متحججا بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وغلف باطله بأدلة الحق قاصدا الباطل، مخادعا نفسه والناس؛ وحقيقة هؤلاء القوم كما بينها الله تعالى لنا في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. [النساء]
ولمن احتج بقولهم يقال: ما تفعل بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وبقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [متفق عليه]، وبما جاء في [سنن البيهقي] تحت "باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}؛ قال: فنسخ هذا العفو عن المشركين".
وهذا غيض من فيض من شبه القوم، والرد عليها كما قد علمت.