مقال: و(الكاظمين الغيظ) إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن ...
منذ 13 ساعة
مقال: و(الكاظمين الغيظ)
إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن الأخلاق لتسمو بهم في الدنيا، وترفع درجاتهم يوم القيامة، فلا شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، ومن أجّل الأخلاق وأسماها كظم الغيظ والعفو عن الناس، وقد جعل الله تعالى لهم من الأجر ما لم يكن لغيرهم، فيدعوهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد جزاءً لصبرهم وكظم غيظهم وعفوهم عن إخوانهم، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتّى يخيره من أيّ الحور شاء). [أبو داود والترمذي]
• التعريف بكظم الغيظ
والمقصود بكظم الغيظ أي حبسه ومنعه من الخروج على الجوارح عند اشتداد الدافع إلى ذلك، كالغضب ونحوه مما يثير الإنسان، ولقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المتقين لحسن فعالهم ومكارم أخلاقهم، الذين لا يغضبون لأنفسهم ولا ينتصرون لها، فنالوا بذلك محبة الله وخصهم بتقواه سبحانه، قال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "وقوله: (والكاظمين الغيظ)، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال "كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها"، وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمّن أساء إليهم". فاستحقوا بذلك محبة الله.
• (ليس الشديد بالصُّرَعة)
إن التحلي بالأخلاق الفضيلة من صفات عباد الله المتقين، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا، وأرسله الله تعالى ليتمم للناس مكارم الأخلاق ويبيّن لهم محاسنها، ولاشك أن كظم الغيظ من أجل هذه الأخلاق التي جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليرسّخها بين المسلمين بما يحقق ترابط وقوة صفوف المسلمين، بل إن القوة في كظم الغيظ وحبسه، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب) [متفق عليه]، (والصُّرَعة) عند العرب: مَن يصرع الناس كثيرًا، قال النَّوويُّ في شرح الحديث: "فيه كَظْم الغَيْظ، وإمْسَاك النَّفس عند الغَضَب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة". [شرح مسلم]
وقد دلنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما يذهب عنا الغضب ومنه الوضوء وذكر الله والاستعاذة، فعن سليمان بن صرد -رضي الله عنه- قال: كنت جالسا مع النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يستبّان، وأحدهما قد احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ذهب منه ما يجد)، فقالوا له: إنّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم). [متفق عليه] فقوة النفس لا تكون بمصارعة الرجال وغلبتهم والتشفي منهم، والانتصار للنفس منهم، لكن القوة الحقيقية هي التي ينتصر بها المسلم على شيطانه ونزعات نفسه ويقهرها ويوقفها عند حدها، فيكظم غيظه وهو قادر على إطلاقه، فيعفو عن الناس ويتجاوز عن إساءتهم لا لشيء سوى طمعا في نيل مرضاة الله تعالى.
• أهمية كظم الغيظ
وإن المسارعة إلى الانتصار للنفس وإشباع شهوتها بالثأر والانتقام هي من طرق الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وإيغار صدورهم، لذلك حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تحذير أصحابه وأمته من الوقوع في مكائد الشيطان وحبائله التي يحاول أن يصطاد بها أصحاب النفوس الضعيفة الذين لم يعتادوا على كظم غيظهم ولجم أنفسهم، فصارت تسوقهم إلى أسفل الطباع والصفات.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلمّا رآه أجوف، عرف أنّه خلق خلقا لا يتمالك) [مسلم]، قال النووي في معنى (لا يتمالك) أي: "لا يملك نفسه ويحبسها عن الشّهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم". [شرح مسلم] وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "من كظم غيظه وردّ غضبه، أخزى شيطانه، وسلمت مروءته ودينه". [التمهيد]، وقال ابن حجر -رحمه الله-: "استحضار ما جاء في كَظْم الغَيْظ من الفضل، يعين على ترك الغَضَب". [فتح الباري]
• عمر يكظم غيظه!
ومن نماذج كظم الغيظ ما رواه ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرَّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير؟ فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هِيْ يا ابن الخطَّاب! فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغَضِب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله". [البخاري]
فتأمل حسن صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الموقف، وقد كان قادرا على إيقاع أشد العقوبات بهذا الرجل الذي تطاول عليه ظلما، ومع ذلك كان تذكيره بآية من آيات القرآن الكريم كفيلا أن يملك نفسه ويكظم غيظه، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن خير واعظ وزاجر للنفوس المؤمنة.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن كثير أن رجلا أغضب الخليفة عمر بن عبد العزيز، حتى همّ به عمر، ثم أمسك نفسه، وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك." [البداية والنهاية]
والنماذج على كظم الغيظ من حياة الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرة في مظانها لمن أرادها.
• فضل كظم الغيظ
ولا شك أن لكظم الغيظ أجر كبير وفضل عظيم قد عرفتَ بعضه فيما تقدم، فمن كرم الله لعباده المؤمنين أنه يثيب بالإحسان إحسانا، فكلما ازداد العبد طاعةً لربه وإحساناً لخلقه زاد إحسان الله إليه، فيزيده أجرا وتوفيقا، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، قال الطبري -رحمه الله-: "يقول جلّ ثناؤه: فمن عفا عمّن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له، ولم يعاقبه بها، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه اللّه، فأجر عفوه ذلك على اللّه، واللّه مثيبه عليه ثوابه".
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). [رواه ابن ماجه] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان سبب محبة الله للمحسنين الكاظمين الغيظ في قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: "لأن درجة الحلم والصبر على الأذى، والعفو عن الظلم، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام". [الصارم المسلول]
لذا، فحري بالمسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً أن يحرصوا على سلامة صدورهم ولا يدعوا للشيطان إلى نفوسهم سبيلا، وأن لا يغضبوا إلا لربهم ودينهم، فاكظموا غيظكم أيها المسلمون واجرعوه واكتموه، عمّن أساء إليكم من إخوانكم، واعفوا واصفحوا وأصلحوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، تسلمون في الدنيا وتؤجرون في الآخرة، والله يحب المحسنين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن الأخلاق لتسمو بهم في الدنيا، وترفع درجاتهم يوم القيامة، فلا شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، ومن أجّل الأخلاق وأسماها كظم الغيظ والعفو عن الناس، وقد جعل الله تعالى لهم من الأجر ما لم يكن لغيرهم، فيدعوهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد جزاءً لصبرهم وكظم غيظهم وعفوهم عن إخوانهم، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتّى يخيره من أيّ الحور شاء). [أبو داود والترمذي]
• التعريف بكظم الغيظ
والمقصود بكظم الغيظ أي حبسه ومنعه من الخروج على الجوارح عند اشتداد الدافع إلى ذلك، كالغضب ونحوه مما يثير الإنسان، ولقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المتقين لحسن فعالهم ومكارم أخلاقهم، الذين لا يغضبون لأنفسهم ولا ينتصرون لها، فنالوا بذلك محبة الله وخصهم بتقواه سبحانه، قال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "وقوله: (والكاظمين الغيظ)، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال "كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها"، وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمّن أساء إليهم". فاستحقوا بذلك محبة الله.
• (ليس الشديد بالصُّرَعة)
إن التحلي بالأخلاق الفضيلة من صفات عباد الله المتقين، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا، وأرسله الله تعالى ليتمم للناس مكارم الأخلاق ويبيّن لهم محاسنها، ولاشك أن كظم الغيظ من أجل هذه الأخلاق التي جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليرسّخها بين المسلمين بما يحقق ترابط وقوة صفوف المسلمين، بل إن القوة في كظم الغيظ وحبسه، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب) [متفق عليه]، (والصُّرَعة) عند العرب: مَن يصرع الناس كثيرًا، قال النَّوويُّ في شرح الحديث: "فيه كَظْم الغَيْظ، وإمْسَاك النَّفس عند الغَضَب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة". [شرح مسلم]
وقد دلنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما يذهب عنا الغضب ومنه الوضوء وذكر الله والاستعاذة، فعن سليمان بن صرد -رضي الله عنه- قال: كنت جالسا مع النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يستبّان، وأحدهما قد احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ذهب منه ما يجد)، فقالوا له: إنّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم). [متفق عليه] فقوة النفس لا تكون بمصارعة الرجال وغلبتهم والتشفي منهم، والانتصار للنفس منهم، لكن القوة الحقيقية هي التي ينتصر بها المسلم على شيطانه ونزعات نفسه ويقهرها ويوقفها عند حدها، فيكظم غيظه وهو قادر على إطلاقه، فيعفو عن الناس ويتجاوز عن إساءتهم لا لشيء سوى طمعا في نيل مرضاة الله تعالى.
• أهمية كظم الغيظ
وإن المسارعة إلى الانتصار للنفس وإشباع شهوتها بالثأر والانتقام هي من طرق الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وإيغار صدورهم، لذلك حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تحذير أصحابه وأمته من الوقوع في مكائد الشيطان وحبائله التي يحاول أن يصطاد بها أصحاب النفوس الضعيفة الذين لم يعتادوا على كظم غيظهم ولجم أنفسهم، فصارت تسوقهم إلى أسفل الطباع والصفات.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلمّا رآه أجوف، عرف أنّه خلق خلقا لا يتمالك) [مسلم]، قال النووي في معنى (لا يتمالك) أي: "لا يملك نفسه ويحبسها عن الشّهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم". [شرح مسلم] وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "من كظم غيظه وردّ غضبه، أخزى شيطانه، وسلمت مروءته ودينه". [التمهيد]، وقال ابن حجر -رحمه الله-: "استحضار ما جاء في كَظْم الغَيْظ من الفضل، يعين على ترك الغَضَب". [فتح الباري]
• عمر يكظم غيظه!
ومن نماذج كظم الغيظ ما رواه ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرَّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير؟ فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هِيْ يا ابن الخطَّاب! فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغَضِب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله". [البخاري]
فتأمل حسن صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الموقف، وقد كان قادرا على إيقاع أشد العقوبات بهذا الرجل الذي تطاول عليه ظلما، ومع ذلك كان تذكيره بآية من آيات القرآن الكريم كفيلا أن يملك نفسه ويكظم غيظه، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن خير واعظ وزاجر للنفوس المؤمنة.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن كثير أن رجلا أغضب الخليفة عمر بن عبد العزيز، حتى همّ به عمر، ثم أمسك نفسه، وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك." [البداية والنهاية]
والنماذج على كظم الغيظ من حياة الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرة في مظانها لمن أرادها.
• فضل كظم الغيظ
ولا شك أن لكظم الغيظ أجر كبير وفضل عظيم قد عرفتَ بعضه فيما تقدم، فمن كرم الله لعباده المؤمنين أنه يثيب بالإحسان إحسانا، فكلما ازداد العبد طاعةً لربه وإحساناً لخلقه زاد إحسان الله إليه، فيزيده أجرا وتوفيقا، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، قال الطبري -رحمه الله-: "يقول جلّ ثناؤه: فمن عفا عمّن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له، ولم يعاقبه بها، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه اللّه، فأجر عفوه ذلك على اللّه، واللّه مثيبه عليه ثوابه".
وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). [رواه ابن ماجه] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان سبب محبة الله للمحسنين الكاظمين الغيظ في قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: "لأن درجة الحلم والصبر على الأذى، والعفو عن الظلم، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام". [الصارم المسلول]
لذا، فحري بالمسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً أن يحرصوا على سلامة صدورهم ولا يدعوا للشيطان إلى نفوسهم سبيلا، وأن لا يغضبوا إلا لربهم ودينهم، فاكظموا غيظكم أيها المسلمون واجرعوه واكتموه، عمّن أساء إليكم من إخوانكم، واعفوا واصفحوا وأصلحوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، تسلمون في الدنيا وتؤجرون في الآخرة، والله يحب المحسنين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ