الإلحاح في الدعاء الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما ...

منذ 7 ساعات
الإلحاح في الدعاء


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إن الإلحاح على الله تعالى في الدعاء سبب من أسباب إجابة الدعاء، وهو أيضا سبب لنيل مرضاة الله تعالى ومحبته، فهو سبحانه يحب العبد اللحوح أي الذي يُكرّر الدعاء، حتى يصبح ذلك جزءا من حياته، ووردا ثابتا من أوراد يومه وليلته، فيصير إلى التلذذ بمناجاة ربه وإظهار الانكسار بين يديه وإن لم تقع الإجابة، وهو من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام.


• ما هو الإلحاح في الدعاء؟

قال الإمام المناوي -رحمه الله- في تعريف المُلح: "هو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته، اللائذ بباب كرم ربه في فاقته ومهماته، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه، ولا النعم عن الإقبال عليه؛ لأن دعاء المُلح دائم غير منقطع، فهو يسأل ولا يرى إجابة، ثم يسأل ثم يسأل فلا يرى، وهكذا، فلا يزال يُلح ولا يزال رجاؤه يتزايد، وذلك دلالة على صحة قلبه، وصدق عبوديته، واستقامة وجهته، فقلب المُلح مُعلّق دائمًا بمشيئته -تعالى-، واستعماله اللسان في الدعاء عبادة، وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة، فهو بين عبادتين سريتين، ووجهتين فاضلتين، فلذلك أحبه الله تعالى". [فيض القدير]

فيُفهم مما سبق أن الإلحاح في الدعاء هو تكرار وملازمة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، على كل حال من أحوال العبد، سواء كان في عسر أم يسر، وسواء وقعت الإجابة أم لم تقع، فهو عبادة مستمرة مستقلة بذاتها كما هو شأن الدعاء، فالمؤمن يديم الدعاء والافتقار والانكسار إلى مولاه، وبذلك استحق محبة الله تعالى.


• الإلحاح بالدعاء هدي نبوي

وقد ورد في السنة المطهرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بأن يكرر ويكثر العبد من الدعاء، كما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) [رواه مسلم]، وجاء عنه أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألِظُّوا بِـيا ذا الجلال والإكرام) [أحمد والحاكم وصحَّحه]، قال المناوي في شرح الحديث: "أي الزموا هذه الدعوة، وأكثروا منها، وفي رواية سندها قوي من حديث ابن عمر (ألِحّوا)، ومعناها متقارب.. فالمراد: دوموا على قولكم ذلك في دعائكم، واجعلوه هِجِّيراكم، لئلا تركنوا أو تطمئنوا لغيره" [فيض القدير]

وثبت الإلحاح والتكرار في الدعاء في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا؛ فاستقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه مِن ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك..." [مسلم]

كما أورد البخاري -رحمه الله- في صحيحه تحت "بَاب تَكْرِير الدُّعَاء" حديث عَائِشَة -رضي الله عنها وعن أبيها- لمّا سحر لبيد بن الأعصم اليهودي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فما كان من النبي إلا أن يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ويكرر ذلك، قالت عائشة: "حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَومٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا…"[البخاري]، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا" [مسلم].

وجاء في شعب الإيمان، عن الأوزاعي -رحمه الله- قال: "أفضل الدعاء: الإلحاح على الله عز وجل والتضرع إليه"، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة، قال مُوَرِّق: "ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة فهو يدعو: يارب، يارب، لعل الله أن ينجيه".

فكل ما تقدّم من الأحاديث والآثار يخبرك أن تكرار الدعاء هديٌ نبويٌ ثابتٌ دعا إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وطبقه في دعائه، فعليك أخي المسلم بملازمة الطلب والإكثار من الدعاء والإلحاح على الكريم المنان الذي لا يرد من سأله، ولا يُخَيِّبُ من رجاه.
• الاستعجال ينافي الإلحاح!

ومن معاني الإلحاح على الله تعالى أن لا يتعجّل العبد الإجابة، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي) [متفقٌ عَلَيْهِ]، وفي رواية :(مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ)، قِيلَ: يَا رسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْد ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ) [مسلم]، قال الزرقاني -رحمه الله- في شرح هذا الحديث: "من له ملالة من الدعاء لا يُقبل دعاؤه، لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يملَّ من العبادة، وتأخير الإجابة؛ إما لأنه لم يأت وقتها، وإما لأنه لم يُقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحب الملحين في الدعاء، مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له".[شرح الموطأ]

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه؛ أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويَدَع الدعاء، وهو بمنزلة مَن بذر بذراً أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله!". [الجواب الكافي]

فقد تتأخر إجابة الدعاء عن العبد لأن الله تعالى يُحب أن يسمع مناجاة عباده، ويحب انكسارهم وقربهم إليه سبحانه، قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "وجاء في الآثار: أن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه، قال يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}". [جامع العلوم والحكم]

فلا تترك الإلحاح والدعاء، لطول انتظار وتأخر إجابة، وكن من عباد الله القانتين لا من القانطين؛ فإن لجوءك إلى مولاك وإلحاحك عليه في الدعاء خيرٌ كله، وإنك -بإذن الله- ستحصل على ما تبغيه وترجوه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) [البخاري في الأدب المفرد]، وجاء عند الترمذي وصحَّحَه من حديث عبادة -رضي الله عنه- وزاد: "فقال رجل من القوم إذاً نُكثِر، قال: (الله أكثر)"، والمعنى: "أي: الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل: الله أكثر ثوابًا وعطاء مما في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل" [تحفة الأحوذي].

فهذه هي سعة عطاء الله، وهذا كرمه، فأكثر من دعاء مليكك، وإبداء حاجتك وافتقارك وتضرعك إليه، واخشع بين يديه وكرر دعائك كما كان يفعل نبيك -صلى الله عليه وسلم-، فإن في ذلك صلاحا لقلبك ورِقّة له، مع ما ترجوه من الإجابة، وتنتظره من الثواب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ

67951ef3d3c53

  • 0
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً