إمارةُ السفارات! كلما نجحت الدولة الإسلامية في تنفيذ ضربة نوعية ضد الصليبيين؛ تساقطت أوراق ...

منذ 3 ساعات
إمارةُ السفارات!


كلما نجحت الدولة الإسلامية في تنفيذ ضربة نوعية ضد الصليبيين؛ تساقطت أوراق كثير مِن مدّعي الجهاد الذين صدّعوا رؤوس الأمة لسنوات بجدلية قتال العدو القريب والبعيد، والعدو الواضح والخفي! والعدو المُجمع على قتاله وغير المجمع، ليتضح بعد كل هذه السنوات أنه ليس عند هؤلاء عدو مجمع على قتاله ومحاربته أكثر من الدولة الإسلامية، وأن هذه الجدليات ما هي إلا عوائق تُفضي في النهاية إلى تعطيل الجهاد.

الهجوم النوعي الذي شنّه أسود الإسلام على السفارة الروسية في خراسان، كان إلى أمدٍ قريب، حدثًا يحتفي به المسلمون، وتتسابق "الجماعات الجهادية" على تنفيذ مثله، وتتقاطر الخطابات المبارِكة والمؤيّدة لمثل هذا النوع من الهجمات، والتي تستهدف "العدو القريب" -وفقا لأدبياتهم-!، وتستهدف العدو "المجمع على قتاله" المسمّى عندهم بـ"الصهيوصليبية العالمية"!، لكن بعد سنوات التراجعات السرية والعلنية، والاختراقات المنهجية الكبيرة التي ضربت هذه الجماعات والتيارات؛ أصبح الهجوم على سفارةِ دولةٍ صليبيةٍ شربت دماء المسلمين حتى تضلّعت!؛ أصبح ذلك مؤامرة على الإسلام والمسلمين! و"جهادًا مشبوهًا" من صنع وتطويع المخابرات العالمية! ولم تعد هذه السفارات "أوكارًا للتجسس" على المسلمين كما كان "الجهاديون" يسمّونها قديما، وهنا وجب التنبيه على أنّ الفرق بين "الجهاديين" و"المجاهدين" و"الإسلاميين" و"المسلمين" يصل إلى مرتبة الفرق بين الضدين والنقيضين فلا يستويان حُكما.

الإعلامُ المساند لطالبان وأخواتها عكف بعد الهجوم بكل وقاحةٍ على الحديث عن دور السفارة الروسية التاريخي في أفغانستان! وكأن السفارات الصليبية الجاثمة في بلاد المسلمين، موجودة خدمةً للمسلمين ودفاعًا عن حقوقهم.

لقد بات استهداف أوكار الجواسيس ومراكز تنسيق الحرب على الإسلام، مؤامرة لدى "الجهاديين الورديين" السائرين على منهاج "كرزاي" و"قديروف" الحالمين بالجلوس على كرسي الحكم بأي طريقة.

ولم نكن نتوقع أننا سنضطر بعد كل هذه السنوات إلى العودة للتذكير مجددا بخطورة السفارات والقنصليات الصليبية ودورها المحروق في الحرب على المسلمين، ولم نكن نتوقع أننا بحاجة إلى الحديث عن مشروعية استهداف هذه السفارات، لقد كان هذا من "البديهيات والمسلّمات" عند "جمهور الجهاديين" قديمًا؛ عوامهم وخواصهم! لكن اتضح اليوم أنه لم تعد هناك "مسلّمات" عند هؤلاء، وأنّ التفريق بين "نُخبهم" و"عامتهم" تفريق مبتذلٌ متكلفٌ، فلقد تساوت عقولهم.

أيّ مصيبة جرّها "أدعياء الجهاد" على عقول وقلوب المسلمين، ليصبح استهداف السفارات الصليبية مسألة فيها نظر؟! أي جرم اقترفه هؤلاء الضالون المضلون حتى أرجعوا أجيال المسلمين إلى قرون من التيه والريبة فصاروا يشككون في عملية تستهدف سفارة دولة قتلت من المسلمين أضعاف ما قتله اليهود منهم؟!

وما زلنا نذكر بداية الحرب "الروسية-الأوكرانية" كيف سارع بعض قادة الحركات المرتدة إلى بثّ الفتاوى للمسلمين القاطنين في أوكرانيا، بجواز القتال في صفوف الجيش الصليبي الأوكراني ضد الجيش الصليبي الروسي! بذريعة الانتقام من روسيا التي ارتكبت أبشع الجرائم بحق المسلمين في الشام، لكن أنْ ينجح المسلمون باستهداف سفارة روسيا الصليبية وقتل موظفيها، فهذا يصبح جهادا غير مشروع، وعملا مشبوها يجرّ فتنة على المسلمين؟! ألا في الفتنة سقطوا.

لقد أبقت روسيا الصليبية على سفارتها في أفغانستان طوال سنوات الحرب حتى بعد "الانسحاب السوفيتي"! وحتى بعد "الانسحاب الأمريكي"!، أيْ أنّ روسيا كانت شديدة الحرص على بقاء سفارتها نشطة تعمل وتنسّق مع أيّ طرف يحكم أفغانستان، لأنها ترى في أفغانستان بُعدًا استراتيجيًا ضروريًا لأمنها، وبقاء سفارتها ينصبّ في هذا الهدف بلا ريب، ولذا كانت نوعية الضربة ممثلة في الوصول إلى هذا الهدف السيادي الأمني مفاجئًا لكل الأطراف على المستويين المحلي والإقليمي، خصوصًا في ظلّ تكرار حديثهم المستهلَك عن القضاء على الدولة الإسلامية والحدّ من قدراتها.

وكان لافتًا للجميع عقب الهجوم، كيف سيطر القلق على تصريحات قادة طالبان، خشية أن تتضرر علاقتهم مع روسيا، وخشية أن تضطر باقي السفارات الصليبية إلى مغادرة أفغانستان، وهو ما اعتبروه خطرًا وضررًا على "إمارتهم" التي يزعم طاغوتها أنه يسعى لإقامة "نظام إسلامي مستقل"، ولا ندري أي "نظام إسلامي" هذا الذي يستجدي بقاء سفارة روسية، ويتوسّل عودة سفارة أمريكية، ويحتفي بسفارة هندوسية، ويحلم بأخرى صينية وإيرانية؟! وكأنها "إمارة سفارات" لا أكثر، ولا ندري كيف يكون "نظاما إسلاميا مستقلا" وهو لا يقدر حتى على الاستغناء عن سفارات أعداء الإسلام، الذين ما زالوا على عداوتهم وحربهم للمسلمين في كل ميدان.

إنّ صور قادة هذه الحركات والتنظيمات التي أدمنت الطواف على قصور طواغيت الشرق والغرب، والانطراح على عتبات سفاراتهم بحثا عن "الشرعية" و"الدعم"، هي حركات فاقدة للشرعية الإسلامية، وإنّ نصرًا يمرّ عبر هذه السفارات الصليبية وينطلق منها، ويستجدي دعمها، هو والهزيمة وجهان لعملة واحدة، لا تُصرف إلا في أسواق الذل والعبودية لغير الله.

إنّ الجهاد بعد صحة التوحيد مصدر عزة للمسلمين، والقائمين على أمره الثابتين عليه هم أعزّ أهل الأرض ولو أُحرقوا في الخنادق، والتاركين له المفرّطين فيه المتنكّبين سبيله، هم أذلّ الناس وأهونهم، ولو فُتحت لهم القصور والفنادق، والناظر إلى هذه الحركات والكيانات المرتدة وهي تحجّ إلى سفارات الكافرين وتطلب ودّهم، وتستجدي الفتات منهم، يعلم يقينًا أنهم بعداء عن الجهاد والتوحيد بعد المشرقين.

لقد كان من توفيق الله تعالى أنْ نجحت الدولة الإسلامية قبل عام في ضرب القوات الأمريكية وجواسيسهم في مطار (كابل) موقعةً في صفوفهم خسائر بشرية هي الأكبر منذ سنوات طويلة، ثم ها هي تنجح مجددًا في ضرب موظفي السفارة الروسية وجواسيسهم؛ لتؤكّد بذلك على أنّ الأمن حلمٌ لن يناله الصليبيون ولا حراسهم على ثرى خراسان ولو اجتمعوا، بإذن الله تعالى، وتؤكّد أيضًا أنها ماضية في قتال العدو القريب والبعيد، والكافر الأصلي والمرتد، لأن جهادها جهاد شرعي شامل لا يفرّق بين طاغوت وآخر، يستمد شرعيته من الكتاب والسنة، لا مِن سفارات الكافرين، ويتلقى دعمه من خزائن الله تعالى الملأى، ويسعى إلى إقامة شريعة الله تعالى كاملة، لا يتقيد بحدود ولا ينحسر في أقطار، ميدانه كل الأرض، وجنوده كل المسلمين السائرين على منهاج النبوة، فيا فوز السائرين، والعاقبة للمتقين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 355
الخميس 12 صفر 1444 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 7

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً