أفلا يتدبرون القرآن بقلم الباحث و المفكر الإسلامى حازم محمود آيات القتال في القرآن: بين الفهم ...

منذ 2026-02-26
أفلا يتدبرون القرآن
بقلم الباحث و المفكر الإسلامى حازم محمود

آيات القتال في القرآن: بين الفهم السياقي والتوظيف الخاطئ

ليس صحيحًا – كما يحلو للبعض أن يزعم – أن آيات القتال في القرآن «آيات تاريخية» انتهى مفعولها بانتهاء زمن نزولها، ولا يصح بحالٍ من الأحوال تحويل ألفاظ القرآن إلى وقائع جامدة تُحبس في الماضي؛ فالقرآن كتاب هداية متجددة، يخاطب الإنسان في كل زمان ومكان، بآياتٍ محكومة بالسياق، لا منزوعة عنه.

فالقرآن لا يدعو إلى القتال على إطلاقه، ولا يشرعن العنف لمجرد الاختلاف في العقيدة، وإنما يضع أخلاقًا وقوانين للحرب حين تقع، ويفصل بينها وبين قيم السلم والعفو حين يكون السلم هو الأصل.

فعلى سبيل المثال، يقول تعالى في سورة محمد:

{فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ… حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا}

هذه الآية لا تُنزل في فراغ، ولا تُفهم خارج سياقها؛ فهي تتحدث عن حال الحرب الفعلية، حين يواجه المسلم عدوًا رافعًا سيفه، لا عن علاقة المسلم بغيره في حال السلم. فليس من الحكمة – ولا من الأخلاق – أن يُقابل المحارب المعتدي بالابتسامات أو الورود، بل للحرب قوانينها، وللدفاع شروطه.

وعلى الجانب الآخر، تتجلّى أخلاق الإسلام في حال السلم بوضوح، كما في قوله تعالى في سورة الجاثية:

{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ}

وهي آية نزلت في مكة، حين شُتم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أحد المشركين، فَهَمَّ أن يبطش به، فجاء التوجيه الإلهي بالصفح والتجاوز. وهذا وحده كافٍ لإبطال دعوى أن القتال هو الأصل في العلاقة مع غير المسلمين.

وحتى آيات القتال في سورة التوبة – التي يكثر الجدل حولها – لم تُفصل عن الرحمة، ولا عن العدل، ولا عن حماية الإنسان، بل جاءت دقيقة في توصيف الحالات:

{فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ…}
ثم مباشرة:
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ… ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ}

فالقرآن هنا يفرّق بوضوح بين:

مشركٍ مصرّ على القتال ونقض العهود

وآخرٍ طلب الأمان ليفهم الدعوة

بل ويختم ذلك بقوله:

{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ}

وكأن القرآن يعذرهم بجهلهم، ويفتح لهم باب الفهم قبل أي حكم أو مواجهة.

ومن الخطأ الفادح أن تُقرأ هذه الآيات بمعزل عن سبب نزولها؛ فهي نزلت في مشركين خانوا العهود، وسعوا لإعادة الشرك إلى المسجد الحرام، وبدؤوا العدوان، فكان القتال ردًّا على عدوانٍ قائم، لا فرضًا دائمًا.

ثم يأتي القرآن ليؤكد مبدأ حرمة الدم الإنساني مطلقًا، فيقول:

{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا}

وهنا الحديث عن النفس الإنسانية، لا عن المسلم وحده، ويؤكد ذلك تشريع الدية في القتل الخطأ، حيث لم يفرّق بين مسلم وغير مسلم إذا كان بينه وبين المسلمين ميثاق.

وعليه، فلا قتال في القرآن على طول الخط، ولا قتال بلا حرب، ولا حرب بلا عدوان.
ولكل مقامٍ مقام، ولكل حدثٍ حديث، وأي خلل في الفهم – سواء عند المتشدد الذي استباح دماء الأبرياء، أو عند من يدعو إلى تفريغ القرآن من أحكامه بزعم “التاريخية” – إنما هو نتيجة الجهل بالنص، أو اتباع الهوى، لا عيب في القرآن ولا في هدايته.

فالقرآن هدى ورحمة، ومنهج عدل، لا كتاب عنف
  • 0
  • 0
  • 46

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً