بقلم: حازم محمود عبد الفتاح الباحث والمفكر الإسلامى لماذا فى سورة الأعراف ورد قوله ...

منذ 2026-03-04
بقلم: حازم محمود عبد الفتاح
الباحث والمفكر الإسلامى

لماذا فى سورة الأعراف ورد قوله تعالى
وأخذ برأس أخيه يجره إليه
ولم يرد هذا المعنى فى سورة طه
وكان المشهد مختلف بقوله تعالى
يا ابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسي
تعالى نتعرف على الفرق وهل يصح أن نبدل آية سورة الاعراف مكان آية سورة طه أو العكس


دلالة السياق في اختلاف التعبير القرآني

بين قوله تعالى: ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ فى سورة الاعراف
و*﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾* فى سورة طه
من القواعد الكبرى في البيان القرآني أن اللفظ لا يُفهم منفصلًا عن سياقه، وأن القصة الواحدة قد تتعدد صورها اللفظية لا لاختلاف الحدث، بل لاختلاف المقام والمقصد. ومن أظهر الأمثلة على ذلك اختلاف التعبير في مشهد غضب موسى عليه السلام على أخيه هارون بين سورتي الأعراف وطه.

أولًا: سياق سورة الأعراف… مقام التكليف والمحاسبة
قال تعالى:
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾
[الأعراف: 142]

هذه الآية تمثّل وصية صريحة واستخلافًا مباشرًا، جمعت بين:

التفويض: اخلفني في قومي

الأمر: وأصلح

التحذير: ولا تتبع سبيل المفسدين

فلما عاد موسى عليه السلام ووجد قومه قد عبدوا العجل، جاء التعبير:
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾
[الأعراف: 150]

وهنا يبرز المعنى البلاغي:

الفعل مختصر شديد، يخلو من الحوار.

التركيز على الفعل لا القول.

الأخذ بالرأس يدل على المساءلة القيادية لا مجرد الانفعال العاطفي.

فالغضب هنا غضب نبيٍّ على مَن استخلفه ووصّاه، لا غضب أخٍ على أخ فحسب. ولذلك ناسب السياقَ التشديدُ في التصوير، لأن الإخلال جاء بعد تكليف واضح.

ثانيًا: سياق سورة طه… مقام الحوار والتبرير
أما في سورة طه، فالقصة تُساق مساقًا مختلفًا؛ إذ لا يَرِد ذكر وصية الاستخلاف صراحة، بل ينتقل السياق سريعًا إلى الحوار النفسي والإنساني.

قال تعالى:
﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾
[طه: 94]

ويُلاحظ هنا:

تحوّل المشهد من الفعل إلى القول.

توسّع التعبير بذكر اللحية مع الرأس.

افتتاح الخطاب بنداء عاطفي: يا ابن أم.

فاللحية موضع الوقار والهيبة، والأخذ بها يحمل معنى الإذلال، فجاء النهي عنها ليعبّر عن الألم النفسي لا عن مجرد الأذى الجسدي. والمقام هنا مقام دفاع واستعطاف، لا مقام محاسبة أو تقريع.

ثالثًا: التناسب بين الوصية وشدة العتاب
من خلال الجمع بين الموضعين يتضح مبدأ بلاغي دقيق:

كلما ذُكر التكليف صراحة، اشتدّ التعبير عن العتاب،
وكلما غاب التكليف وحضر الحوار، لانَ الأسلوب وتفصّل الخطاب.

في الأعراف:
وصية → إخلال ظاهر → فعل عنيف موجز.

في طه:
لا وصية مذكورة → عذر مفصّل → خطاب إنساني لطيف.

وهذا يؤكد أن القرآن لا يكرر القصة، بل يعيد بناءها لغويًا بحسب المقصد التربوي.

خاتمة
إن اختلاف التعبير بين قوله تعالى ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ وقوله ﴿لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ ليس اختلاف رواية، بل اختلاف مقام؛ فحيث حضر الاستخلاف والوصية، جاء التصوير على هيئة محاسبة شديدة، وحيث غاب ذكر الوصية وحضر الحوار، جاء التعبير مشبعًا بالعاطفة والتبرير. وهكذا يظل السياق هو الحاكم الأول على اختيار اللفظ في البيان القرآني، في دقةٍ تعجز عنها طاقة البشر
  • 0
  • 0
  • 7

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً