أدركوا أواخر رمضان ها قد بدأ زائرنا العزيز يحزم أمتعته متأهبا للرحيل بعد أن شرّفنا وسعدنا ...

منذ 8 ساعات
أدركوا أواخر رمضان



ها قد بدأ زائرنا العزيز يحزم أمتعته متأهبا للرحيل بعد أن شرّفنا وسعدنا بصحبته في أيام معدودات مرت مسرعة، وقلوب المؤمنين حزينة على دنوّ فراقه، وألسنتهم تلهج بالدعاء أن تلتقي به مرات عديدة في أزمنة مديدة، ومع ذلك ما زال هذا الزائر المودّع في ضيافتنا لأيام قليلات لكنها مزدحمة بالخيرات والبركات، وقد أخرج رمضان فيها أغلى كنوزه التي جاء محمّلا بها، إنها ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهي فرصة ثمينة ليستدرك المقصر ما فاته، ويزيد المجتهد في طاعاته، والأعمال بالخواتيم.

أيها المقصر بادر!

أخي المسلم، نستذكر معا كيف كنا قبل أيام نتبادل التهاني والبشارات بحلول شهر الخيرات، ويوصي بعضُنا بعضا بحسن استقباله واستغلال أيامه واغتنام لحظاته وعدم تضييع أوقاته، لأنه سرعان ما ينجلي هلاله، وها نحن اليوم نقاسي سرعة أفوله وقرب انقضائه، فيا فوز من اغتنمه وعمّر أوقاته بالطاعات والقربات، ويا خسارة من ضيّعه وبدّد أيامه بالتقصير والملهيات.

ومع ذلك، فإن فضل الله تعالى عظيم ورحمته واسعة، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فيا من أساء وفرّط فيما مضى من رمضان، إن لك فيما تبقّى فرصة لإصلاح ما أفسدته وتدارك ما فات، وما بقي منه فهو زبدته وثمرته وأغلى ما فيه، وإنّ الله تعالى يجازي على القليل الكثير إذا علم صدق عبده، ويأخذ بيديه إلى النجاة إذا رأى ندمه على ما فرّط في جنبه، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، فمهما قصر العبد، إن ندم وتاب وأناب يفرح الله بتوبته ويغفر له تقصيره بفضله ورحمته.

وليزجر العبد شيطانه ويستعذ بالله من مكره، فإنه يثبّطه عن طاعة ربه، ويُقنّطه من رحمته، ويصدّه عن الإنابة إلى مولاه، وليجدد المسلم النية على إصلاح ما بقي ويتوب مما سلف، فلرب دمعة ندم صادقة جبرت تقصيره وسارعت به لمقدمة الركب، وفضل المولى كبير قد يعتق عبده من النار في آخر ليلة من رمضان، فأروا الله منكم صدقا وتوبة وإخلاصا وإنابة وندما على ما فات، وأقبلوا على الله تعالى في هذه الأيام المباركة فهي أيام مضاعفة الأجور والحسنات ومحو الذنوب والسيئات، فمن تخلّف فيها متى يلحق؟، ومن لم يزهر في ربيعها متى يزهر؟

ليال ليست كغيرها

أخي المسلم، إن ليالي العشر الأواخر من رمضان ليست كغيرها، وهي خير ليالي الدهر كما قرر العلماء، وفيها ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن، من وافقها ووفق فيها إلى العبادة كانت له خيرا من عبادة ألف شهر، لقوله سبحانه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وتأمل أنه لم يقل سبحانه: كألف شهر بل خير وأعظم، والألف شهر إن حسبناها بحساباتنا فهي تزيد عن ثلاث وثمانين سنة، أي أن الأجور في هذه الليلة تضاعف كأجر من عاش يعبد الله هذه المدة كلها بل أكثر، وهذا من رحمة الله تعالى بأمة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالأمم السابقة أعمارهم طويلة، وأعمار أمتنا قصيرة لكن أجورها كبيرة، إذ تفضل الكريم علينا وعوّضنا بأعمال تُضاعف فيها الأجور أضعافا كبيرة، ومنها هذه الليلة المباركة التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [البخاري].

وقال عنها أيضا: (لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) [رواه النسائي]، فليس المحروم في ميزان النبوة من فقد الدنيا وملذاتها وزهرتها، بل المحروم الحقيقي من علم بليلةٍ الأجرُ فيها مضاعف، والخير فيها نازل، والعتق فيها جار، ثم ضيعها وبدد ساعاتها! نعوذ بالله من هذا الخسران والحرمان.

فلنحسن الختام

قال ابن القيم -رحمه الله- في المدارج: "أهل الاستقامة في نهاياتهم أشد اجتهادا منهم في بداياتهم"، والخيل في مضمار السباق حينما توشك على بلوغ النهاية؛ تزيد من طاقاتها في العدو حتى تفوز في السباق، وقد وفقنا الله لبلوغ العشر الخواتم لرمضان، فلنحسن هذا الختام ولنقتد بهدي خير الأنام -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان يحيي هذه الليالي كلها طمعا في الأجر وسعيا وراء ليلة القدر، كما في الحديث عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إذا دخل العشر شدّ مئزرَهُ وأحيا ليله وأيقظ أهله". وهو مَن هو صلوات ربي وسلامه عليه، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلنقتد به وبمن تبعه من صحابته الأطهار والسلف الأخيار.كيف نقضي هذه الليالي؟

فاقض أخي المسلم هذه الليالي المباركة بطول القيام وتلاوة القرآن وكثرة الاستغفار والدعاء، واجعل لك فيها نصيبا من الإنفاق والصدقة، فأجر الصدقة عظيم سائر الشهر بل سائر الدهر، فكيف إن وافقت ليلة هي خير من ألف شهر؟

ويُشرع في هذه الليالي الدعاء بطلب العفو منه تعالى، كما في الدعاء المأثور عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) [الترمذي]، وليضع المسلم أمام ناظريه أنه لعله آخر رمضان يدركه، فليغتنم كل ثانية مما تبقى فيه، ولا يضيعها فيندم ندم سكان القبور! ولو تكلموا لصاحوا: يا ليتنا نُرد فنعمل صالحا، يا ليت لنا فرص الأحياء، لأنهم رأوا عين اليقين حقيقة الدنيا، فلماذا يجتهد ويكد الإنسان في الحياة المؤقتة الفانية أكثر من كده للحياة الأبدية الباقية؟ فوالله لن ينفعه يومها قريب ولا حبيب، ولن يؤانسه في قبره سوى عمله الصالح، فعملك الصالح -أخي المسلم- هو الصاحب الوحيد الذي لن يخذلك أحوج ما تكون إليه، فاطرد عنك الكسل وشد مئزر العزم وانهض للقيام والدعاء والتزود بسائر القربات قبل الفوات.

أما أنت أخي المجاهد المرابط في سبيل الله على ثغور الإسلام، فهنيئا لك الظفر بهذه العبادة العظمية في أعظم الأوقات، وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناس وأبو هريرة واقف، فمر به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) [رواه ابن حبان]، فاحمد الله أيها المجاهد أن أقامك الله في هذا المقام، وسل الله الثبات والقبول وحسن الختام، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 538
السنة السابعة عشرة - الخميس 23 رمضان 1447 هـ

67645820478e1

  • 1
  • 0
  • 2

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً