الخوف من الله - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ نشيد: بآي الكتاب المجيد الموقر يزال غبار ...

منذ 2026-03-26
الخوف من الله - هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ


نشيد:
بآي الكتاب المجيد الموقر
يزال غبار المعاصي ويلقى
إذا ما على قلب عبد توالت
فيبقى الفؤاد مزكى...


• أبو أنس النيجري

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ الأمين، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن تبعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين؛ أما بعد:

فالخوفُ مِن اللهِ تعالى هو اللِّجامُ القامعُ عن المعاصي، والباعثُ على امتثالِ الأوامر، والمثيرُ للبكاءِ والانكسار، والباعثُ للعبدِ على الرُّجوعِ إلى اللهِ تعالى، وسببُ خوفِ اللهِ تعالى معرفةُ شدةِ عذابِ الله، ويُسمَّى خشيةً ورهبةً وتقوى.

ومِن ثمراتِ مخافةِ اللهِ تعالى ونتائجها الانتفاعُ بالإنذار؛ لقولِهِ تعالى: {وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)} [الأنعام]، وقولِهِ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)} [الأنبياء]، وقولِهِ: {إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: 18]، وقولِهِ: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)} [يس]، وقولِهِ: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45]، وقولِهِ عن قريةِ قومِ لوطٍ -عليه السَّلام- بعد إهلاكِها: {وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37)} [الذاريات]، وقولِهِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45)} [النازعات].

وإنما خصَّصَ على الخائفينَ منه بالإنذارِ في الآياتِ السَّابقة، مع أنَّ أصلَ الإنذارِ عامٌّ شاملٌ لهم ولغيرِهم كما يدلُّ عليه قولُهُ تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} [الفرقان]؛ لأنَّهم هم الـمُنتفعون به، لأنَّ مَن لم ينتفع بالإنذارِ ومَن لم يُنذَر أصلًا سواءٌ في عدمِ الانتفاع، كما قالَ تعالى: {وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10)} [يس].

ومن ثمراتِ مخافةِ اللهِ تعالى أيضًا المسارعةُ إلى امتثالِ أوامرِ اللهِ والدَّعوة إلى ذلك واليقينُ بتحققِ وعدِ اللهِ تعالى، قالَ تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)} [المائدة].

وقال: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61)} [المؤمنون]، وقال: {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)} [النور].

ومن ثمراتِ مخافةِ اللهِ أيضًا الابتعادُ عن المعاصي والمُوبقات؛ قال تعالى حاكيًا عن ابنِ آدمَ الصَّالحِ يُخاطبُ أخاه الذي يريدُ قتلَه: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)} [المائدة].

ومن ثوابِ مخافةِ اللهِ تعالى وتقواه أولًا: الهُدى لقولِهِ تعالى: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة].

ومنه الفرقانُ بين الحقِّ والباطلِ؛ لقولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} [الأنفال].

ومنه كذلك ولايةُ اللِه تعالى؛ لقولِهِ تعالى: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 19].

ومنهُ كذلكَ محبتُهُ سبحانَهُ؛ لقولِهِ تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)} [آل عمران]، وقولِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 7].

ومنهُ كذلكَ نصرتُهُ ومعيَّتُهُ؛ لقولِهِ تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]، وقولِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)} [النحل].

ومنهُ كذلكَ غفرانُ الذُّنوبِ؛ لقولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} [الأنفال].

ومنهُ كذلكَ تفريجُ الكُروبِ؛ لقولِهِ تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]، ومنهُ كذلكَ الرِّزقُ مِن حيثُ لا يحتسبُ؛ لقولِهِ تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2-3].

ومنهُ كذلك البُشرى في الدُّنيا والآخرة، قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)} [يونس].

ومنهُ كذلك تقبُّلُ الأعمال؛ لقولِهِ تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)} [المائدة].

ومنهُ كذلك تكفيرُ السَّيئاتِ؛ لقولِهِ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)} [الأنفال].

ومنهُ كذلك تيسيرُ الأمور؛ لقولِهِ تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4].

ومنهُ كذلك إعظامُ الأجور؛ لقولِهِ تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5].
ومنهُ كذلك الفلاح؛ لقولِهِ تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

ومنهُ كذلك دخولُ الجنة؛ لقولِهِ تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)} [الرحمن]، وقولِهِ: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34)} [القلم]، وقولِهِ: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ (41)} [النازعات].

ومنهُ كذلك النَّجاةُ مِن النَّار؛ لقولِهِ تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)} [مريم].

وقال أبو القاسمِ ابنُ جزي في التَّسهيل لعلومِ التَّنزيل: "البواعثُ على التَّقوى عشرة: خوفُ العقابِ الأخروي، وخوفُ العقابِ الدُّنيوي، ورجاءُ الثَّوابِ الدُّنيوي، ورجاءُ الثَّوابِ الأخروي، وخوفُ الحساب، والحياءُ مِن نظرِ اللهِ وهو مقامُ المراقبة، والشُّكرُ على نعمِهِ بطاعتِه، والعلمُ لقولِهِ: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، وتعظيمُ جلالِ اللهِ وهو مقامُ الهيبة، وصدقُ المحبةِ لقولِ القائل:

تعصي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُ
هذا لعمري في القياسِ بديعُ!
لو كان حبُّك صادقًا لأطعتَهُ
إنَّ المحبَّ لمَن يحبُّ مُطيعُ"

وقال أيضًا: "درجاتُ التَّقوى خمس: أن يتقي العبدُ الكفر، وذلك مقامُ الإسلام، وأن يتقي المعاصيَ والحرمات، وهو مقامُ التَّوبة، وأن يتقي الشُّبهات، وهو مقامُ الورع، وأن يتقي المباحات، وهو مقامُ الزهد، وأن يتقي حضورَ غيرِ اللهِ على قلبِه، وهو مقامُ المشاهدة"، انتهى.

نسألُ اللهَ أن ينفعنا بما سمعنا، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.



• المصدر:
تفريغ للإصدار المرئي هُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (الخوف من الله) الصادر عن ولاية غرب إفريقية رمضان 1447هـ

683b4c4f96693

  • 1
  • 0
  • 9

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً