أذلةٍ على المؤمنين مع عزة نفس المسلم واستعلائه بالإيمان، فإنه لا يرى في الذلّة لإخوانه ...

منذ 2026-05-06
أذلةٍ على المؤمنين


مع عزة نفس المسلم واستعلائه بالإيمان، فإنه لا يرى في الذلّة لإخوانه المسلمين ما يحُطّ من قدره، بل هي مما يزيده رفعةً وعزّة؛ لأن هذه الذلّة من التواضُعِ لله تعالى، الذي يرفع الله به قدر صاحبه، فالجزاء من جنس العمل، وهي أيضا عبادة يؤجر عليها، ويفعلها قُرْبة لله تعالى، يرجو بها رضاه سبحانه، وفي هذه العبادة من زيادة الألفة بين المسلمين وجمع صفهم وصفاء مجتمعهم ما يدفع المؤمن للحرص عليها، والمبادرة إليها، وفي هذا المقال نسلط الضوء على شيء من ذلك، إن شاء الله تعالى.


"رحماء بينهم"

لقد جاءت نصوص الكتاب والسنة تحث على الرحمة بين المسلمين والذلة عليهم والتواضع لهم، ولين الجانب والخطاب معهم، بل أمر الله تعالى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بذلك في قوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر]، قال الطبري -رحمه الله-: "وقوله {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} يقول تعالى ذكره لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: وألِنْ لمن آمن بك، واتبعك واتبع كلامك، وقرِّبهم منك، ولا تجف بهم، ولا تَغْلُظ عليهم، يأمره تعالى ذكره بالرفق بالمؤمنين، والجناحان من بني آدم: جنباه، والجناحان: الناحيتان" [التفسير].

وقد امتثل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر ربه، وأنِس به المسلمون، لما وجدوا منه من رقة القلب ولين الجانب والرحمة بهم، قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ..} [آل عمران]، وقد صار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة للمسلمين في ذلك، وقد ذكر الله تعالى صفات مَن يحملون رسالته بحقها، في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ..} [المائدة] قال ابن القيم -رحمه الله-: "لما كان الذُّل منهم ذلَّ رحمة وعطف وشفقة وإخبات، عدَّاه بأداة "على" تضمينًا لمعاني هذه الأفعال، فإنَّه لم يرد به ذلَّ الهوان الذي صاحبه ذليل، وإنما هو ذلُّ اللين والانقياد". [مدارج السالكين].

إذن فمن صفات المؤمنين المجاهدين الذين يحبهم الله ويحبونه: أنهم أذلة فيما بينهم، يتواضع أحدهم لأخيه، ويرحمه ويعطف عليه ويكون في حاجته، ويحب له ما يحب لنفسه، وليس في هذا معنى الذلة والانكسار والضعف بل هو من جنس الذُّل للأبوين، الذي يزيد الله به البار بهما رفعة ومقاما، قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ...} [الإسراء].


- نماذج من حياة الصحابة والسلف:

لقد كان هذا المعنى حاضرا في حياة الصحابة والسلف الصالح -رضي الله عنهم-، لا يمنعهم الجاه ولا المال من التذلل لبعضهم، فتأمل في حال الصدّيق أبي بكر -رضي الله عنه-، حين كان يحلب أغنام المسلمين قبل أن يكون خليفة، فلمّا صار خليفة للمسلمين ودخل السوق سمع جارية تقول: "الآن لا يحلب لنا"، فقال خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بلى لأحلبنَّها لكم، وإنِّي لأرجو ألَّا يغيِّرني ما دخلت فيه" [تاريخ دمشق].

ومن ذلك أيضا أن عمر الفاروق ذهب وهو أمير المؤمنين إلى زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- "فاستأذن عليه، فأذن له، ورأسه في يد جارية له ترجّله (تمشط شعره)، فنزع رأسه، فقال له عمر: دعْها ترجلْك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو أرسلت إليّ جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي" [الأدب المفرد]، مع أن الفاروق أكبر عمرا من زيد بن ثابت -رضي الله عنهما- بما يقرب من 30 عاما فتأمّل! وقد أخذ ابنه عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- هذا الخلق السامي، قال مجاهد: "صحبت عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- لأخدمه، فكان هو يخدمني!" [السنة للخلال].

وقال إسماعيل بن إسحاق الثَّقفي عن الإمام أحمد ابن حنبل -رحمهما الله-: "قلت لأبي عبد الله أوَّل ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبِّل رأسك، فقال: لم أبلغ أنا ذاك" [الآداب لابن مفلح]، وقال عنه يحيى بن معين: "ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة، ما افتخر علينا بشيء ممَّا كان فيه مِن الخير" [سير أعلام النبلاء]، وكُتب العلماء فيها الكثير من هذه الصور والنماذج المشرقة التي تحكي عن واقع عاشه الصحابة والتابعون، من التذلل فيما بينهم وعدم إظهار العزة إلا على الكافرين والمرتدين، فقويت بذلك صفوفهم وانتصروا على عدوهم.


- من صور التذلل للمؤمنين:

وصور هذه الطاعة عديدة ووجوهها أكثر من أن تحصى، منها: الخدمة العامة في الأعمال اليومية بين المجاهدين في مضافاتهم ومعسكراتهم، أو بين عامة المسلمين في حلهم وترحالهم، وبذل النصح لهم وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل منهم، وإحسان الظن بالمسلمين بقول أو عمل قد تشتبه عليك حقيقته، ودفع ما يجانب ذلك من سوء الظن فإن بعض الظن إثم.

ومنها: إطلاق الوجه وبشّه عند ملاقاة المؤمنين وإفشاء السلام، ومنها حسن المعاملة والمعاشرة ولين الخطاب والجانب، وترك ما يخالف ذلك من الغلظة والجفاء والمراء والخصومة والنميمة.

ومنها أيضا: الإيثار على النفس ولو كانت بها خصاصة، وحب الخير للمسلمين كما يحبه المسلم لنفسه، والشفقة عليهم والتألم لمصابهم، والفرح لفرحهم والحرص على ما ينفعهم.

ومنها كذلك: الصبر والحلم عليهم والعفو والصفح والمغفرة عمّن أساء منهم، ومنها: سلامة الصدر تجاههم بحيث لا يبيت المسلم ليلة وفي قلبه شحناء تجاه أخيه المسلم، وغيرها من صور التذلل من المسلم لإخوانه، والتي تنتج في النهاية صفا مسلما متماسكا متآلفا، بعيدا عن أحقاد النفوس وإيغار الصدور وفساد ذات البين، يتعاون فيه المسلمون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتناصحون فيما بينهم ويتواصون بالحق ويتواصون بالصبر.

نسأل الله أن يجعلنا من المتذللين على إخوانهم المسلمين، وأن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً