(خالصة يوم القيامة) الحمد لله الذي جعل نعيم الدنيا الزائل للناس أجمعين المسلمين منهم ...
منذ 2026-05-08
(خالصة يوم القيامة)
الحمد لله الذي جعل نعيم الدنيا الزائل للناس أجمعين المسلمين منهم والكافرين، وخص نعيم الآخرة الدائم لعباده المؤمنين السائرين على نهج النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين وصحابته المجاهدين ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
نطوف اليوم في رحاب آيات من الذكر الحكيم، نذكّر بها أنفسنا والقارئين بحقيقة الدنيا وهوانها على الله تعالى، ونتدبر معاني هذه الآيات وننهل من تفاسير علماء السنة في بيان اشتراك الناس في نعيم الدنيا، واختصاص المؤمنين بنعيم الآخرة كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين" [التفسير].
وفي ذلك قال القرطبي رحمه الله: "(خالصة يوم القيامة): أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها" [التفسير].
فإن الكفار مع ما هم فيه من النعم في هذه الحياة الدنيا ليس لهم حظ في الآخرة إلا النار كما قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار".
- كثيرها قليل زائل:
ولذلك فلا تغتر بما هم فيه من المتاع القليل وإن حسبته كثيرا فهو زائل وفان، وكل ما كان كذلك فهو قليل وإن ظهر أنه كثير، قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}[آل عمران] قال ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)".
أما الموحدون الصابرون الثابتون الذين لم يتركوا جهادهم ونصرتهم ولم يخضعوا لعدوهم ولم يرتدوا عن دينهم برغم كل ما أصابهم؛ فلهم ثواب الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله (ثوابَ الدنيا) يعني: جزاء في الدنيا، وذلك النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد، (وحسن ثواب الآخرة) يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها".
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم، لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا… بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام... أعزة كراما مقبلين غير مدبرين" [مجموع الفتاوى]، وقال رحمه الله: "لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط بالطاعة، {قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم، ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبّت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا، ولم ينتصروا" [مجموع الفتاوى].
- أهون من جدي أسكّ:
أيها المؤمنون المجاهدون.. إنّ هذه الدنيا عند الله حقيرة هينة ومن هوانها أنها أهون من جيفة جدي "أَسَكّ" مقطوع الأذنين كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟)، قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [مسلم]، وهي أقل من جناح بعوضة! كما في حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) [رواه الترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ].
لأجل ذلك لم يجعل الله تعالى الدنيا جزاء لأوليائه المؤمنين به، المصدقين لرسله، المجاهدين في سبيله، بل جعل جزاءهم جنة عرضها السماوات والأرض.
وفي المقابل لم يجعل العذاب فيها هو الخزي الوحيد لأعدائه كما قال الله عن المنافقين: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، فقد قال غير واحد من العلماء: "المرة الأولى في الدنيا، والثانية في البرزخ؛ {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فِي الْآخِرَة". [مجموع الفتاوى]
وقال عن الكفار: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
بل لولا افتتان الناس واغترارهم بالدنيا لجعلها الله بأسرها للكفار كما قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف]، قال القرطبي رحمه الله: "قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال... {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: سلالم ودرجا من فضة... {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}، أي: يصعدون" [التفسير].
فنعلم من هذا أن المؤمن وإنْ فاته شيء من متاع الدنيا وزهرتها، فإنه لم يخسر بل الفوز الكبير هو ثباته على دينه وعقيدته وتقديمه الحياة الباقية على الدنيا الفانية، ولكل مؤمن عبرة وعظة في قصة أصحاب الأخدود وكيف سمّى الله ثباتهم على دينهم -مع كونهم لم ينالوا من حظوظ الدنيا شيئا- بالفوز الكبير وفي غيرها أيضا من قصص المؤمنين.
كما أخبر سبحانه في سورة الصف أن الثبات على الإيمان ومراغمة الكفار سبب في الغفران ودخول الجنان وأن هذا هو الفوز العظيم فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ثم عطف على الفوز العظيم أمرا آخر يحبه الناس فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.
الحمد لله الذي جعل نعيم الدنيا الزائل للناس أجمعين المسلمين منهم والكافرين، وخص نعيم الآخرة الدائم لعباده المؤمنين السائرين على نهج النبي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله الطيبين وصحابته المجاهدين ومن سار على هديهم إلى يوم الدين، أما بعد.
نطوف اليوم في رحاب آيات من الذكر الحكيم، نذكّر بها أنفسنا والقارئين بحقيقة الدنيا وهوانها على الله تعالى، ونتدبر معاني هذه الآيات وننهل من تفاسير علماء السنة في بيان اشتراك الناس في نعيم الدنيا، واختصاص المؤمنين بنعيم الآخرة كما في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى ردا على من حرم شيئا من المآكل أو المشارب، والملابس، من تلقاء نفسه، من غير شرع من الله: (قُلْ) يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم: (مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله وعبده في الحياة الدنيا، وإن شركهم فيها الكفار حبًا في الدنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين" [التفسير].
وفي ذلك قال القرطبي رحمه الله: "(خالصة يوم القيامة): أي يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا، وليس للمشركين فيها شيء كما كان لهم في الدنيا من الاشتراك فيها" [التفسير].
فإن الكفار مع ما هم فيه من النعم في هذه الحياة الدنيا ليس لهم حظ في الآخرة إلا النار كما قال تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: يريد الله أن لا يجعل لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر، نصيبًا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم فسارعوا فيه. ثم أخبر أنهم مع حرمانهم ما حرموا من ثواب الآخرة، لهم عذاب عظيم في الآخرة، وذلك عذابُ النار".
- كثيرها قليل زائل:
ولذلك فلا تغتر بما هم فيه من المتاع القليل وإن حسبته كثيرا فهو زائل وفان، وكل ما كان كذلك فهو قليل وإن ظهر أنه كثير، قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}[آل عمران] قال ابن كثير في تفسيره: "يقول تعالى: لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه، من النعمة والغبطة والسرور، فعمّا قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا، وجميع ما هم فيه (مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)".
أما الموحدون الصابرون الثابتون الذين لم يتركوا جهادهم ونصرتهم ولم يخضعوا لعدوهم ولم يرتدوا عن دينهم برغم كل ما أصابهم؛ فلهم ثواب الدنيا والآخرة كما قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله (ثوابَ الدنيا) يعني: جزاء في الدنيا، وذلك النصرُ على عدوهم وعدو الله، والظفرُ والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد، (وحسن ثواب الآخرة) يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها".
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم، لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا… بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام... أعزة كراما مقبلين غير مدبرين" [مجموع الفتاوى]، وقال رحمه الله: "لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط بالطاعة، {قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم، ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبّت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا، ولم ينتصروا" [مجموع الفتاوى].
- أهون من جدي أسكّ:
أيها المؤمنون المجاهدون.. إنّ هذه الدنيا عند الله حقيرة هينة ومن هوانها أنها أهون من جيفة جدي "أَسَكّ" مقطوع الأذنين كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟)، قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [مسلم]، وهي أقل من جناح بعوضة! كما في حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) [رواه الترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ].
لأجل ذلك لم يجعل الله تعالى الدنيا جزاء لأوليائه المؤمنين به، المصدقين لرسله، المجاهدين في سبيله، بل جعل جزاءهم جنة عرضها السماوات والأرض.
وفي المقابل لم يجعل العذاب فيها هو الخزي الوحيد لأعدائه كما قال الله عن المنافقين: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، فقد قال غير واحد من العلماء: "المرة الأولى في الدنيا، والثانية في البرزخ؛ {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فِي الْآخِرَة". [مجموع الفتاوى]
وقال عن الكفار: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
بل لولا افتتان الناس واغترارهم بالدنيا لجعلها الله بأسرها للكفار كما قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف]، قال القرطبي رحمه الله: "قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال... {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: سلالم ودرجا من فضة... {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}، أي: يصعدون" [التفسير].
فنعلم من هذا أن المؤمن وإنْ فاته شيء من متاع الدنيا وزهرتها، فإنه لم يخسر بل الفوز الكبير هو ثباته على دينه وعقيدته وتقديمه الحياة الباقية على الدنيا الفانية، ولكل مؤمن عبرة وعظة في قصة أصحاب الأخدود وكيف سمّى الله ثباتهم على دينهم -مع كونهم لم ينالوا من حظوظ الدنيا شيئا- بالفوز الكبير وفي غيرها أيضا من قصص المؤمنين.
كما أخبر سبحانه في سورة الصف أن الثبات على الإيمان ومراغمة الكفار سبب في الغفران ودخول الجنان وأن هذا هو الفوز العظيم فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ثم عطف على الفوز العظيم أمرا آخر يحبه الناس فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.