كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، وقتل معهم ...

منذ 2026-05-08
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم أخبر سبحانه أن جماعة كثيرة من أنبيائه قتلوا، وقتل معهم أتباع لهم كثيرون، فما وهن من بقي منهم، لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا… بل تلقوا الشهادة بالقوة والعزيمة والإقدام... أعزة كراما مقبلين غير مدبرين" [مجموع الفتاوى]، وقال رحمه الله: "لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط بالطاعة، {قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، ثم علموا أن ربهم تبارك وتعالى، إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم، ونصرها على أعدائهم، فسألوه ما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبّت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا، ولم ينتصروا" [مجموع الفتاوى].


- أهون من جدي أسكّ:

أيها المؤمنون المجاهدون.. إنّ هذه الدنيا عند الله حقيرة هينة ومن هوانها أنها أهون من جيفة جدي "أَسَكّ" مقطوع الأذنين كما في حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، داخلا من بعض العالية، والناس كنفته، فمر بجدي أسك ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟)، قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟! فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم) [مسلم]، وهي أقل من جناح بعوضة! كما في حديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء) [رواه الترمذي، وَقالَ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ].

لأجل ذلك لم يجعل الله تعالى الدنيا جزاء لأوليائه المؤمنين به، المصدقين لرسله، المجاهدين في سبيله، بل جعل جزاءهم جنة عرضها السماوات والأرض.

وفي المقابل لم يجعل العذاب فيها هو الخزي الوحيد لأعدائه كما قال الله عن المنافقين: {سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ}، فقد قال غير واحد من العلماء: "المرة الأولى في الدنيا، والثانية في البرزخ؛ {ثُمَّ يُرَدُّونَ إلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} فِي الْآخِرَة". [مجموع الفتاوى]

وقال عن الكفار: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

بل لولا افتتان الناس واغترارهم بالدنيا لجعلها الله بأسرها للكفار كما قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف]، قال القرطبي رحمه الله: "قال العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفرة ودرجها ذهبا وفضة لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "أي: لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال... {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} أي: سلالم ودرجا من فضة... {عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ}، أي: يصعدون" [التفسير].

فنعلم من هذا أن المؤمن وإنْ فاته شيء من متاع الدنيا وزهرتها، فإنه لم يخسر بل الفوز الكبير هو ثباته على دينه وعقيدته وتقديمه الحياة الباقية على الدنيا الفانية، ولكل مؤمن عبرة وعظة في قصة أصحاب الأخدود وكيف سمّى الله ثباتهم على دينهم -مع كونهم لم ينالوا من حظوظ الدنيا شيئا- بالفوز الكبير وفي غيرها أيضا من قصص المؤمنين.

كما أخبر سبحانه في سورة الصف أن الثبات على الإيمان ومراغمة الكفار سبب في الغفران ودخول الجنان وأن هذا هو الفوز العظيم فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، ثم عطف على الفوز العظيم أمرا آخر يحبه الناس فقال: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}.
فإياك أخي المسلم المجاهد أن تكون ممن قال الله فيهم: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا}، بل احرص على أن تكون ممن قال الله فيهم: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا}.

قال ابن القيم رحمه الله: "والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها وانقطاعها، وسرعة فنائها، والترغيب في الآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار" [المدارج].

فاسعوا أيها المؤمنون إلى الجنات والمساكن الطيبات والدرجات العاليات؛ فهي خير مستقرا وأحسن مقيلا، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 361
السنة الرابعة عشرة - الخميس 24 ربيع الأول 1444 هـ

67951ef3d3c53

  • 0
  • 0
  • 3

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً