بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله ...

منذ 2026-05-13
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يزل عليمًا حكيمًا، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
قال الله تعالى في الآية 131 من سورة طه:
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
في هذه الآية العظيمة أخبر الله أن على العبد ألّا يمد عينيه إلى ما متّع الله به الناس من زهرة الحياة الدنيا، فلا ينشغل قلبه بالنظر إلى أرزاق الخلق وأحوالهم؛ من مال، أو سيارة، أو بيت، أو جمال، أو غير ذلك من متاع الدنيا الزائل.
ويا أخي، إن كثرة النظر إلى ما عند الناس لا تأتي إلا بالهم والحزن والتعب النفسي؛ لأن القلب إذا تعلّق بالدنيا تعب بها. وقد قال ابن القيم الجوزية:
يا رامِيًا بسهامِ اللَّحظِ مُجتهدًا
أنتَ القتيلُ بما ترمي فلا تُصبِ
وباعثَ الطرفِ يرتادُ الشفاءَ لهُ
توقَّهُ إنَّهُ يرتدُّ بالعطبِ
وقال رسول الله ﷺ:
“انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم”.
ومن الأمور التي تعين على معرفة نعمة الله: عيادة المرضى، فإن الإنسان إذا رأى من ابتُلي بمرض شديد، أو من لا يستطيع النوم أو الحركة أو قضاء حاجته، عرف قدر العافية التي هو فيها، فحمد الله عليها. نسأل الله أن يشفي مرضى المسلمين ويعافينا وإياهم.
فلا تنظر إلى صاحب السيارة وأنت تمشي على قدميك؛ فغيرك يتمنى أن يملك قدمين يمشي بهما. وإذا رأيت من هو أفضل منك في الدنيا، فانظر إلى من هو دونك، حتى تعرف نعمة الله عليك ولا تسخط ولا تجزع.
فإن وسّع الله عليك فاحمده، واستعمل نعمه في طاعته، كما قال تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾
وإن ضيّق عليك فاصبر وارضَ، فإن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، ولعل ما عند غيرك يكون فتنة له تبعده عن الصلاة وذكر الله.
وهذا ـ يا إخواني ـ من أعظم الخسران، نسأل الله أن لا يفتننا بالدنيا.
وقد ذكر الله خبر قوم موسى مع قارون، حين تمنّى بعض الناس مثل ما أوتي من المال والزينة، فقالوا:
﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾
لكن أهل العلم والإيمان علموا أن ما عند الله خير وأبقى، ثم جاءت العقوبة العظيمة:
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾
نسأل الله السلامة والعافية.
ثم تأمل آخر الآية الكريمة:
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
فعليك ـ يا أخي ـ بالباقيات الصالحات من ذكر الله، وقراءة القرآن، والصلاة، والطاعات؛ فإنها خير للمؤمن من كنوز الدنيا كلها.
ويُحكى أن رجلًا رأى ما أعطاه الله لنبيه سليمان من الملك العظيم، فقال متعجبًا:
“سبحان الله! لقد أُعطي آل داود ملكًا عظيمًا”.
فقيل له بمعنى الكلام:
“تسبيحة واحدة يقبلها الله خير مما أُعطي آل داود”.
ولا أعلم صحة هذا الأثر، لكن معناه حسن؛ فإن ذكر الله هو الخير الباقي الذي ينفع العبد في دنياه وآخرته.
وهذا، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وإن أحسنت فمن الله وحده، وأسأل الله أن يغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وجميع المسلمين.
كتبه أبو شعبة الأثري
25 ذو القعدة 1447 هـ
#حياه
  • 0
  • 0
  • 6

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً