"وليرني امرؤ أميره" قص لقد طُبعت الصورة الذهنية للخليفة في عقول الناس على هيئة الملِك المبجّل ...

منذ يوم
"وليرني امرؤ أميره"


قص
لقد طُبعت الصورة الذهنية للخليفة في عقول الناس على هيئة الملِك المبجّل الذي لا يُفارق عرشه، وحوله الخدم والحشم يغدون ويروحون بكل أنواع الملذات.. هذا ما تعمّدت وسائل الإعلام الجاهليّ غرسه في أفهام الناس على مدار عقود التيه الطويلة، وحجبت عنهم الصورة الحقيقية لخلفاء المسلمين، الذين يجاهدون ويخوضون المعارك، فيقتلون ويُقتلون، وبدمائهم يُخضبون.. هذا ما لا يمكنك أن تراه أو تسمعه على منصات الإعلام الجاهليّ التي ما زال الناس عليها يعكفون.

ولذا، ما إنْ ينتشر خبر مقتل أحد خلفاء أو قادة المسلمين اليوم؛ حتى يبدأ الناس بإخراج مفرزات هذه التربية الجاهلية العقيمة التي تلقوها من المصادر والمنابر الجاهلية التي لا يعتليها أو يتصدّرها إلا المنافقون والضالون على اختلاف مدارسهم الجاهلية.

ولقد أورد ابن حزم -رحمه الله- في رسائله أحوال مَن مات مِن خلفاء المسلمين مقتولا، وذكر فيها أنّ "عمر قُتل بخنجر، وعثمان قُطِّع بالسيوف، وعلي ضُرب بالسيف ضربة كانت منها منيّته.."، ولم يزل خلفاء وقادة الدولة الإسلامية اليوم يُقتلون على هذه القتلة، وتتناثر أشلاؤهم دفاعًا عن المِلّة، فما حيلتنا مع من جهلوا تاريخ أمتهم، وليتهم جهلوا وحسب، بل خذلوا، وليتهم إذْ خذلوا سكتوا! بل زادوا طعنا وإرجافا وقعودا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فنقول وبالله التوفيق: ألا يُقتل الخلفاء ويموتون؟! هل جاء في شروط الأهلية لتولي الخلافة السلامة من الموت أو القتل؟! هل كان هذا شرطا أغفله فقهاء الإسلام السابقون؟! أو جهل به فقهاء دولة الإسلام المعاصرون؟! وهل سلم من الموت أحد منذ آدم -عليه السلام-؟! هل يؤمن الناس -حقا- بأنَّ الموت مكتوب على كل عبد؟! وأنَّ كل نفس ذائقة الموت؟! أمشكلة الناس اليوم في توحيد الألوهية فقط؟! أم في الربوبية أم الأسماء والصفات، أم في كل ذلك يتيهون ويترددون؟!

يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، إنّ الدولة الإسلامية لا تملك أعمار قادتها! ولا تملك لهم نفعا ولا ضرا، فهذه أفعال الخالق سبحانه لا المخلوق، وخوض الناس في أعمار القادة ومقتلهم يدلُّك بوضوح على مدى الجاهلية المركّبة التي أطبقت على حياة الناس في تصوراتهم ومعتقداتهم والتي بها يحيون خلافًا لما به ينطقون.

وهل قصر مدة الخلافة منقصة في الخليفة أو الخلافة، فأول خليفة للمسلمين بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الصدّيق -رضي الله عنه- دامت خلافته عامين، وخامس الخلفاء الراشدين الحسن بن علي -رضي الله عنهما- لم تدم خلافته سوى ستّة أشهر وأيّام، وعنه قال الإمام ابن حجر: "هو آخر الخلفاء الراشدين بنصِّ جدِّه -صلى الله عليه وسلم-، ولي الخلافة بعد قتل أبيه بمبايعة أهل الكوفة، فأقام بها ستة أشهر وأياما، خليفة حق وإمام عدل وصدق" [الصواعق المحرقة].

وإلى المخذولين المفتونين القاعدين المتعلقين بسردية الجهالة إلى اليوم نقول: "لقد اجتمع أهلُ الحل والعقد في الدولة الإسلامية، وتشاوروا وتوافقوا وبايعوا الشيخ الهمام والفارس المقدام أبا الحُسين الحُسينيّ القرشي -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين" فانتهى الأمر وتم، وإنّا لا نعرف أهلَ حلّ وعقدٍ غيرهم، وفيهم: "العدالة الجامعة لشروطها، والعلم الذي يتوصل به إلى معرفة مَن يستحق الإمامة، والرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح"، وإنْ كان لديكم أهل حل وعقد توفرت فيهم الشروط، فدلونا أين نجدهم؟ أفي جمهور المعطّلين للجهاد؟ أم جمهور المعطّلين للشريعة؟ أم في جمهور المقاتلين تحت الرايات العمية والجاهلية؟! أم لعلنا نجدهم في جمهور الطوافين على السفارات، المتوسلين المنطرحين على عتبات الطواغيت بدءًا من الدوحة وليس انتهاء بالإمارات؟!

وإنا نقول في الخليفة أبي الحُسين الحُسيني (حفظه الله) ما قاله الشيخُ المتحدّث أبو عمر المهاجر (حفظه الله) عن الخليفة السابق أبي إبراهيم (تقبله الله): "إنّا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله"، ونقول ونعيد ما أعاده بنحوه في الخطاب الأخير: "ووالله لا أعلمُ إماما غيره يدعو إلى دين الله على بصيرة، وإلى تحكيم شرع الله، واتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". وكفى بهذه منقبة لو أدرك الناس قدرها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

ومرة أخرى تثبت الدولة الإسلامية صدقها مع جنودها وأنصارها ورعاياها وسائر المسلمين؛ بإعلانها مقتل قادتها ابتداء دون أن يعلم بذلك أحد مِن أعدائها، فلمْ يَنْبِس بِبِنْتِ شَفَة أيٌّ من أجهزة المخابرات العالمية، ولا كبرى وكالات الإعلام الدولية -وما فيهم كبير-، فكلهم ومعهم أمريكا الصليبية لم يسمعوا الخبر إلا عبر مؤسسة الفرقان للإعلام، لكن العجيب أنّ هؤلاء الذين تلقفوا الخبر حصرا من مؤسسة الفرقان؛ لم يتمالكوا أنفسهم وسارعوا إلى نشر فرضياتهم السخيفة المبتذلة، وكأنهم لم تكفهم تسع أشهر من التحليلات والأوهام، التي اتضح في النهاية لكل متابع أنها لم تكن سوى محض تخرّصات وأكاذيب.

وكان بإمكان الدولة الإسلامية التكتّم على الأمر لو أرادت، وفي ذلك إشارة مهمة إلى من يزعم أنّ الدولة الإسلامية تنصِّب أسماء وهمية، ولو كانت كذلك لاستمرت على اسم الخليفة أبي الحسن (تقبله الله)، أو استمرت مثلا على اسم المتحدّث السابق (تقبله الله) والذي لم يعلم بمقتله أحدٌ قبل أن تنفرد بذلك الفرقان، ولكنّه الصدق، فليُربع على أنفسهم الشانئون.

ومن الفرضيات التي يهرع إليها الخصوم عقب مقتل قائد للمجاهدين؛ الحديث عن أنّ ذلك ناجم عن خلافات داخلية على السلطة والنفوذ، ولأنّ المجتمعات الجاهلية تعيش هذا الصراع المحموم على السلطة طيلة حياتها؛ تظن أن مجتمعات المجاهدين مثلهم! فانظروا مصير قادة الدولة الإسلامية -تقبلهم الله- هل يموتون إلا قتلا بالأحزمة أو الطائرات، فهل لديكم تنافس أيها الجاهليون على مثل ذلك؟! هيهات.

وما زال قادة الدولة الإسلامية يسطّرون أروع ملاحم العبودية لله تعالى وبذل النفوس والمهج له سبحانه، في كل بقعة من أرض الخلافة التي سنعود إليها وإن رغمت أنوف، والتي ما زال جنود الخلافة يصولون ويجولون فيها لم يعطّلوا جهادا ولم يبدّلوا شريعة ولم يحرّفوا توحيدا، بل هم ماضون على منهاج النبوة لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، ولئن كان للدول جنودٌ يحمونها ويفدون قادتها، فإننا في دولة يتقدم فيها الصفوف قادتُها، يقاتلون فيقتلون ويُقتلون بين جنودهم وعلى رأس مهامهم، غير آبهين بالحتوف، بيقينِ مَن آمن أنّ الإقدام لا يُقدّم أجلا والإحجام لا يؤخّره، وبعقيدة مَن آمن بلسانه وقلبه أنّ ما أصابَه لم يكن ليخطئَه وما أخطأه لم يكُ ليصيبَه، فهم انتصروا في معركة اليقين وثبتوا على مسيرة الإيمان والجهاد حتى قضوا نحبهم، نحسبهم والله حسيبهم، فهؤلاء أمراؤنا وقادتنا.. وليرني امرؤ أميره.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 368
السنة الرابعة عشرة - الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ

683b4f9a9ea34

  • 1
  • 0
  • 5

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً