مقال: خصال المجاهدين (3) الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام ...
منذ يوم
مقال: خصال المجاهدين (3)
الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
نواصل الحديث عن أهمّ الخصال لكل مجاهد مفضال، لَزِم الجهاد ودربه، أو امرئ أحب هذا السبيل ولامس شِغاف قلبِه، وتجولُ في خَلَجاته عزمة النفير فلا يرى له مستقبلا إلا في ساحات الجهاد، يسّر الله له المسير.
وإلى بستان الخصال وحول أغصانه ندور:
• عدم الاستئذان لترك الجهاد
الخصلة الحادية عشرة: قوله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44]
قال ابن كثير رحمه الله: "أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: {لا يستأذنك} أي: في القعود عن الغزو {الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}؛ لأن أولئك يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا". [التفسير]، وقال القرطبي: "أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيء ابتدروه، فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر" [التفسير].
فالمؤمن حقيقة هو مَن إذا سمع داعيَ الجهاد لبّى مجيبا دون تأخر أو تردد، فلا هو يبحث ويفتش عن أعذار وتبريرات للاستئذان والتملص والقعود، ولا هو يتسمّع لشبه المرجفين والمخذلين حول وجوب الجهاد، ولا هو يستأذن ليعود للوراء مع الغثاء بعد أن كان في صفوف المجاهدين، فليست هذه من صفات المجاهدين ولا خصالهم، فالمجاهد يرى فيه الجهاد عبادة وقربة وفرضا أكيدا لا نقاش فيه، وإنْ كان الله تعالى قد ذمَّ المستأذنين بالقعود ووصفهم بالنفاق! فما حال القاعدين الذين يروّجون للقعود ويرون فيه سلامة لدينهم؟! بل ما حال المحاربين للجهاد الطاعنين بأهله؟! والله المستعان.
• بذل النصح من المعذور
الخصلة الثانية عشرة: وهي لأهل الأعذار، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91]، قال القرطبي: "(إذا نصحوا لله ورسوله) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه" [التفسير]، فهذا الذي عذره الله لمرض أو عرجٍ بيّنٍ أو عمى، شرط الله عليه أن يكون قلبه وحبه لأهل الإيمان وأهل الجهاد وأن يدعو لهم، ويبغض الكفار الذين يحاربونهم ويدعو عليهم، ولا يخذّل أو يُرجف، قال ابن كثير: "فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}" [التفسير].
فإن كان هذا الشخص مبغضا لأهل الحق مروّجا لأقوال الضالين المضلين، غير حريص على قتال أعداء الله، فإنه يشمله الإثم كالقاعدين، وهذا تنبيه لكل مَن هو مِن أهل الأعذار أنْ يساهم في الجهاد ولو بالكلمة أو المناصرة أو الذبّ عن أعراض المجاهدين وتفقد ذويهم، وكذلك فيه دعوى لمن أصيب في الجهاد فعجز عن القتال لإصابته، فإن فرصة جهاده ماضية، وذلك برفعه لهمم المجاهدين ونشر أخبارهم وإغاظته للكفار ونحو ذلك من سبل نصرة المجاهدين التي يقدر عليها، فإن فعل ذلك فإن له مثل أجر المجاهدين، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم)، قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) [البخاري]، وقصص الصحابة في هذا عديدة، فمنهم من خرج مع المجاهدين ليكثّر سوادهم أو يطأ الجنة بعرجته، ومنهم من بكى حين لم يجد سبيلا للجهاد، ولا زلنا نرى ونسمع أمثال هذه القصص بين المجاهدين إلى اليوم، والحمد لله.
• التوبة إلى الله
الخصلة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {التَّائِبُونَ}، وهي بعد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...} فأخبرنا بعدها عن صفات هؤلاء الشهداء الذين اشترى منهم نفوسهم، جاء عند الطبري: "عن الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، الآية، قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ (التائبون العابدون)". وهذه الآية فيها خصال الشهداء، عن ابن عباس قال: "الشهيد من كان فيه التسع خصال {التائبون العابدون} إلى قوله {وبشر المؤمنين}" [السيوطي]وكانت التوبة إلى الله تعالى أول صفة للبائعين نفوسهم، وعن الحسن: أنه قرأ {التائبون العابدون}، قال: "تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق" [تفسير الطبري]، وهذا دأب المجاهد فإنه كثير التوبة؛ لأن الذنوب تخذل في الجهاد سواء كانت معاصيَ قولية أو فعلية أو معاصي قلبية وهي أخطر كالرياء والعُجب والاغترار، ألم تر أن الربيين أول ما دعوا الله سألوه المغفرة؟ فقالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، وهذا من أدبهم فقدّموا اعترافهم بذنوبهم، ولذلك يُستحب تجديد التوبة قبل دخول المعركة حتى لا يزل المجاهد بسبب ذنوبه، فقد سبّبت الذنوب زلة لبعض المسلمين يوم أحد، فقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}، وكيف لا يكون المجاهد من أهل التوبة، وقد سميت أطول سور الجهاد بالتوبة؟، ومن لطف الله بالعبد في الجهاد أن يتوب عليه ويحفظ عليه جهاده عندما يرى الشدة والمشقة فيمنعه عن الزلل والزيغ، قال الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ}، قال ابن جرير: "يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك في دينه ويرتاب، بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه" [التفسير]
• المداومة على العبادة
الخصلة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {الْعَابِدُونَ} أي أهل العبادة والتبتّل لله، قال السيوطي في تفسيره عن الحسن: "عبدوا الله في أحايينهم كلها، أَمَا والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}"، وقال عن قتادة: "قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم". وقال الطبري: "فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته" [التفسير].
والجهاد جمع أبواب الخير والعبادة كلها من قراءة القرآن والصلاة، وفيها خير الشُغُل، قال حبيب بن الشهيد: "قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما" [سير أعلام النبلاء]، أو عبادة الذكر أو الخدمة أو تفقّد حال إخوانه والسعي في حاجتهم أو مجلس ذكر وعلم أو صدقة، أو التخطيط لعمل، وهذه أعمال صالحة تقوي إيمان المجاهد، وإنّ طالب الجنة لا تجده يعدّ نفسه من أهل الدنيا فكل وقته يجتهد في إعمار داره هناك في جنات النعيم.
لأن وقت المجاهد ثمين وهو وإن كان مأجورا في سائر عمله لحبس نفسه في سبيل الله، فإن حظ العبادة له آكد، إما شكرا لله على نعمة الجهاد كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي حتى تتفطر قدماه ليكون عبدا شكورا، وإما طلبا للثبات على هذا الخير، فما يثبّتك أخي المجاهد على ذروة السنام إلا العبادة والتسابق في الخيرات.
فاستغل الوقت الذي تجده خارج القتال استعدادا لحال القتال، ولا تدعنّ لنفسك فراغا، فإن الفراغ بداية خيوط الشيطان عليك فتنبّه.
• شكر الله وحمده
الخصلة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {الْحَامِدُونَ}، قال القرطبي: "أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال" [التفسير]، فهم المعترفون لله بالنعم، والشاكرون في السراء والضراء، فكل فضل يدركهم ينسبونه إلى الله وكل شر يصيبهم يرضون به لأنه قدر الله، ومن أعظم ما يتعلمه المجاهد في سبيل الله أن ينسب كل خير إلى الله تواضعا واعترافا وعبودية لله تعالى وتعلقا به، وإن كان قد اجتهد اجتهادا شديدا فإن الفضل لله أولا وآخرا، وفي قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} تبيان لهذه الحقيقة، فإن قتلت الكافر فذلك بفضل الله، وإن أثخنت في الكفار فالله هو المسدّد، وإن عظُم بلاؤك فهو بقدر من الله، ومن كان كذلك فهو الموحد، جاء في رسالة سعد بن أبي وقاص إلى عمر رضي الله عنهم بعد فتح المدائن: "وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- على ما منحنا الله الظفر على العدو الذي أطاع شيطانه وأرخى في ميدان الغي عنانه، وقد أجرانا الله سبحانه على جميل العادة وأخذنا الملك من يزدجرد بن كسرى في كثرة أطواده واحتزاز رؤوس أجناده" [فتوح الشام]، وغير هذا كثير في رسائلهم رضي الله عنهم التي يرجعون كل فضل فيها إلى الله سبحانه.
اللهم اجعلنا تائبين عابدين حامدين ولك شاكرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ
الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
نواصل الحديث عن أهمّ الخصال لكل مجاهد مفضال، لَزِم الجهاد ودربه، أو امرئ أحب هذا السبيل ولامس شِغاف قلبِه، وتجولُ في خَلَجاته عزمة النفير فلا يرى له مستقبلا إلا في ساحات الجهاد، يسّر الله له المسير.
وإلى بستان الخصال وحول أغصانه ندور:
• عدم الاستئذان لترك الجهاد
الخصلة الحادية عشرة: قوله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44]
قال ابن كثير رحمه الله: "أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: {لا يستأذنك} أي: في القعود عن الغزو {الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}؛ لأن أولئك يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا". [التفسير]، وقال القرطبي: "أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيء ابتدروه، فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر" [التفسير].
فالمؤمن حقيقة هو مَن إذا سمع داعيَ الجهاد لبّى مجيبا دون تأخر أو تردد، فلا هو يبحث ويفتش عن أعذار وتبريرات للاستئذان والتملص والقعود، ولا هو يتسمّع لشبه المرجفين والمخذلين حول وجوب الجهاد، ولا هو يستأذن ليعود للوراء مع الغثاء بعد أن كان في صفوف المجاهدين، فليست هذه من صفات المجاهدين ولا خصالهم، فالمجاهد يرى فيه الجهاد عبادة وقربة وفرضا أكيدا لا نقاش فيه، وإنْ كان الله تعالى قد ذمَّ المستأذنين بالقعود ووصفهم بالنفاق! فما حال القاعدين الذين يروّجون للقعود ويرون فيه سلامة لدينهم؟! بل ما حال المحاربين للجهاد الطاعنين بأهله؟! والله المستعان.
• بذل النصح من المعذور
الخصلة الثانية عشرة: وهي لأهل الأعذار، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91]، قال القرطبي: "(إذا نصحوا لله ورسوله) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه" [التفسير]، فهذا الذي عذره الله لمرض أو عرجٍ بيّنٍ أو عمى، شرط الله عليه أن يكون قلبه وحبه لأهل الإيمان وأهل الجهاد وأن يدعو لهم، ويبغض الكفار الذين يحاربونهم ويدعو عليهم، ولا يخذّل أو يُرجف، قال ابن كثير: "فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}" [التفسير].
فإن كان هذا الشخص مبغضا لأهل الحق مروّجا لأقوال الضالين المضلين، غير حريص على قتال أعداء الله، فإنه يشمله الإثم كالقاعدين، وهذا تنبيه لكل مَن هو مِن أهل الأعذار أنْ يساهم في الجهاد ولو بالكلمة أو المناصرة أو الذبّ عن أعراض المجاهدين وتفقد ذويهم، وكذلك فيه دعوى لمن أصيب في الجهاد فعجز عن القتال لإصابته، فإن فرصة جهاده ماضية، وذلك برفعه لهمم المجاهدين ونشر أخبارهم وإغاظته للكفار ونحو ذلك من سبل نصرة المجاهدين التي يقدر عليها، فإن فعل ذلك فإن له مثل أجر المجاهدين، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم)، قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) [البخاري]، وقصص الصحابة في هذا عديدة، فمنهم من خرج مع المجاهدين ليكثّر سوادهم أو يطأ الجنة بعرجته، ومنهم من بكى حين لم يجد سبيلا للجهاد، ولا زلنا نرى ونسمع أمثال هذه القصص بين المجاهدين إلى اليوم، والحمد لله.
• التوبة إلى الله
الخصلة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {التَّائِبُونَ}، وهي بعد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...} فأخبرنا بعدها عن صفات هؤلاء الشهداء الذين اشترى منهم نفوسهم، جاء عند الطبري: "عن الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، الآية، قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ (التائبون العابدون)". وهذه الآية فيها خصال الشهداء، عن ابن عباس قال: "الشهيد من كان فيه التسع خصال {التائبون العابدون} إلى قوله {وبشر المؤمنين}" [السيوطي]وكانت التوبة إلى الله تعالى أول صفة للبائعين نفوسهم، وعن الحسن: أنه قرأ {التائبون العابدون}، قال: "تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق" [تفسير الطبري]، وهذا دأب المجاهد فإنه كثير التوبة؛ لأن الذنوب تخذل في الجهاد سواء كانت معاصيَ قولية أو فعلية أو معاصي قلبية وهي أخطر كالرياء والعُجب والاغترار، ألم تر أن الربيين أول ما دعوا الله سألوه المغفرة؟ فقالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، وهذا من أدبهم فقدّموا اعترافهم بذنوبهم، ولذلك يُستحب تجديد التوبة قبل دخول المعركة حتى لا يزل المجاهد بسبب ذنوبه، فقد سبّبت الذنوب زلة لبعض المسلمين يوم أحد، فقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}، وكيف لا يكون المجاهد من أهل التوبة، وقد سميت أطول سور الجهاد بالتوبة؟، ومن لطف الله بالعبد في الجهاد أن يتوب عليه ويحفظ عليه جهاده عندما يرى الشدة والمشقة فيمنعه عن الزلل والزيغ، قال الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ}، قال ابن جرير: "يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك في دينه ويرتاب، بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه" [التفسير]
• المداومة على العبادة
الخصلة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {الْعَابِدُونَ} أي أهل العبادة والتبتّل لله، قال السيوطي في تفسيره عن الحسن: "عبدوا الله في أحايينهم كلها، أَمَا والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}"، وقال عن قتادة: "قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم". وقال الطبري: "فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته" [التفسير].
والجهاد جمع أبواب الخير والعبادة كلها من قراءة القرآن والصلاة، وفيها خير الشُغُل، قال حبيب بن الشهيد: "قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما" [سير أعلام النبلاء]، أو عبادة الذكر أو الخدمة أو تفقّد حال إخوانه والسعي في حاجتهم أو مجلس ذكر وعلم أو صدقة، أو التخطيط لعمل، وهذه أعمال صالحة تقوي إيمان المجاهد، وإنّ طالب الجنة لا تجده يعدّ نفسه من أهل الدنيا فكل وقته يجتهد في إعمار داره هناك في جنات النعيم.
لأن وقت المجاهد ثمين وهو وإن كان مأجورا في سائر عمله لحبس نفسه في سبيل الله، فإن حظ العبادة له آكد، إما شكرا لله على نعمة الجهاد كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي حتى تتفطر قدماه ليكون عبدا شكورا، وإما طلبا للثبات على هذا الخير، فما يثبّتك أخي المجاهد على ذروة السنام إلا العبادة والتسابق في الخيرات.
فاستغل الوقت الذي تجده خارج القتال استعدادا لحال القتال، ولا تدعنّ لنفسك فراغا، فإن الفراغ بداية خيوط الشيطان عليك فتنبّه.
• شكر الله وحمده
الخصلة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {الْحَامِدُونَ}، قال القرطبي: "أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال" [التفسير]، فهم المعترفون لله بالنعم، والشاكرون في السراء والضراء، فكل فضل يدركهم ينسبونه إلى الله وكل شر يصيبهم يرضون به لأنه قدر الله، ومن أعظم ما يتعلمه المجاهد في سبيل الله أن ينسب كل خير إلى الله تواضعا واعترافا وعبودية لله تعالى وتعلقا به، وإن كان قد اجتهد اجتهادا شديدا فإن الفضل لله أولا وآخرا، وفي قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} تبيان لهذه الحقيقة، فإن قتلت الكافر فذلك بفضل الله، وإن أثخنت في الكفار فالله هو المسدّد، وإن عظُم بلاؤك فهو بقدر من الله، ومن كان كذلك فهو الموحد، جاء في رسالة سعد بن أبي وقاص إلى عمر رضي الله عنهم بعد فتح المدائن: "وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- على ما منحنا الله الظفر على العدو الذي أطاع شيطانه وأرخى في ميدان الغي عنانه، وقد أجرانا الله سبحانه على جميل العادة وأخذنا الملك من يزدجرد بن كسرى في كثرة أطواده واحتزاز رؤوس أجناده" [فتوح الشام]، وغير هذا كثير في رسائلهم رضي الله عنهم التي يرجعون كل فضل فيها إلى الله سبحانه.
اللهم اجعلنا تائبين عابدين حامدين ولك شاكرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ