الميزان يوم القيامة قال أبو الأحوص -رحمه الله-: "تدري من أيّ شيءٍ يُخاف؟ إذا ثقلتْ ميزانُ عبدٍ ...

منذ 21 ساعة
الميزان يوم القيامة


قال أبو الأحوص -رحمه الله-: "تدري من أيّ شيءٍ يُخاف؟ إذا ثقلتْ ميزانُ عبدٍ نودي في مجمع فيه الأولون والآخرون: ألا إنّ فلان ابنَ فلان قد سَعِد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، وإذا خفّتْ ميزانه نودي على رؤوس الخلائق: ألا إنّ فلان ابن فلان قد شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا"، هكذا كان السلف يخافون من موقف الميزان يوم القيامة، حين توزن أعمال الناس، في ميزان الله العدل، الذي لا ينقص مثقال حبّة خردل من الحسنات ولا السيئات، نسأل الله الكريم أن يبدل سيئاتنا حسنات وينجينا يوم الحساب.


• "الميزان" في الكتاب والسنة

دلّت نصوص الكتاب والسنة على وجود ميزان الأعمال يوم القيامة، الذي ستوزن به أعمال الخلائق، صغيرها وكبيرها، قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء]، وهكذا تُنصب الموازين الدقيقة للخلائق، والله تعالى يسمع ويرى، والناس يترقبون وزن أعمالهم، لا تُظلم نفس بوضع عمل طالح لم تعمله في كفة السيئات، ولا يُنقص من أحد عملٌ صالح من كفة الحسنات، بل ميزان دقيق جدا، وكفى بالله العظيم محاسِبا عدلا، وحينئذٍ: تثقل موازين حسنات بعض الخلق وتخف موازين بعضهم الآخر، نسأل الله السلامة والعافية، قال سبحانه: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف]، قال ابن كثير في تفسيره: "{وَالْوَزْنُ} أي: للأعمال يوم القيامة {الْحَقُّ} أي: لا يظلم تعالى أحدا".

فمن وفقه الله وكتبه من المفلحين الناجين سيثقل ميزانُ حسناته بما فيه من الإيمان والصلاة والزكاة والصيام والجهاد والذكر وغيرها من أعمال البر، {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} قال الطبري: "ومن خفت موازين أعماله الصالحة، فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبرسوله، واتباع أمره ونهيه، فأولئك الذين غَبَنوا أنفسهم حظوظَها من جزيل ثواب الله وكرامته، {..بِمَا كَانوُا بِآيَاتِناَ يَظْلِمُونَ} يقول: بما كانوا بحجج الله وأدلته يجحدون، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها" [التفسير].

وقد جاء في السنة ذكر الميزان في أحاديث عدّة، منها ما رواه البخاري ومسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنه ليأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يوم القيامة، لا يزِنُ عند الله جناح بعوضة!، وقال: اقرؤوا {فلا نقيمُ لهم يوم القيامة وزنا})، اللهم سلم سلم، ومنها حديث البطاقة المشهور، الذي رواه الترمذي في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنّ الله سيخلّص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلّا، كلّ سجلٍ مثل مدّ البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلَكَ عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فيقول: احضرْ وزْنَك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقلُ مع اسمِ الله شيء)، والشاهد من الحديث هو وزن الأعمال بالميزان يوم القيامة، الحسنات في كفة والسيئات في كفة أخرى، مع التنبّه إلى أن قائل هذه الكلمة مسلم مصلٍّ من أمة النبي -صلى الله عليه وسلم- غير متلبّس بناقض من نواقض الإسلام، لكنّ له حسنة ثقيلة مقارنة بغيرها، وهي قوله "لا إله إلا الله" في حالِ صدق وإخلاص، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص، وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا إله إلا الله ولم يترجّح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة" [منهاج السنة].• حال الناس بعد وزن الأعمال

أما المسلمون، فمنهم من تكون حسناته أكثر من سيئاته، فهذا من أصحاب الجنة، لأن حسناته أذهبت سيئاته، ومنهم من تكون سيئاته أكثر من حسناته، فهذا يُعذب في النار على قدر سيئاته التي لم تمحها الحسنات ثم يخرج منها إلى الجنة بفضل الله عليه، ومنهم من تتساوى حسناته وسيئاته، وهؤلاء هم أهل الأعراف، قال ابن القيم فيمن خلط سيئات وحسنات: "أقوام خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيّئًا، فعملوا حسنات وكبائر، ولقوا اللَّه مُصرِّين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيّئاتهم، فإذا وُزِنتْ بها رجَحتْ كِفَّةُ الحسنات، فهؤلاء أيضًا ناجون فائزون، قال تعالى: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف]، قال حذيفة وعبد اللَّه بن مسعود وغيرهما من الصحابة: يُحشَر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: فمن رجحت حسناته على سيئاته بواحدة دخل الجنَّة، ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته فهو من أهل الأعراف، وهذه الموازنة تكون بعد القصاص، واستيفاء المظلومين حقوقَهم من حسناته، فإذا بقي له شيء منها وزن هو وسيئاته" [طريق الهجرتين]

وقال -رحمه الله- أيضا عن أهل الأعراف: "قومٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فتقابل أثراهما فتقاوما، فمنعتهم حسناتهم المساوية من دخول النَّار، وسيئاتهم المساوية من دخول الجنَّة، فهؤلاء من أهل الأعراف، لم يفضلْ لأحدهم حسنة يستحقّ بها الرحمة من ربّه، ولم يفضل عليه سيئة يستحقّ بها العذاب، وقد وصف اللَّه سبحانه أهل هذه الطبقة في سورة الأعراف، بعد أن ذكر دخولَ أهل النارِ النارَ، وتلاعنَهم فيها، ومخاطبةَ أتباعهم لرؤسائهم، وردَّهم عليهم، ثمَّ مناداة أهل الجنَّة أهلَ النار فقال تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ * وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأعراف]، فقوله تعالى: {وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ} أي: بين أهل الجنَّة والنار حجاب، قيل: هو السور الذي ضُرِب بينهم، له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قِبَله العذاب، باطنه الذي يلي المؤمنين فيه الرحمة، وظاهره الذي يلي الكفار من جهته العذاب، و"الأعراف" جمع عُرْف، وهو المكان المرتفع... قال حذيفة وعبد اللَّه بن عباس: هم قومٌ استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت بهم سيئاتهم عن الجنة، وتجاوزت بهم حسناتُهم عن النار، فوقفوا هناك حتى يقضي اللَّه فيهم ما يشاء، ثمَّ يدخلهم الجنَّة بفضل رحمته" [طريق الهجرتين]

أما الكفار، فمن العلماء من قال أن أعمالهم توزن ومنهم من قال لا توزن، وفي كل الأحوال أعمالهم لن يقبلها الله تعالى منهم، بل يجعلها هباء منثورا، كما قال سبحانه في سورة الفرقان: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} قال ابن كثير: "وهذا يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من خير وشر، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي، إما الإخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل، فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}" [التفسير].

ومعلومٌ عند أهل السنة والجماعة أن الأعمال لا تُقبل مع الكفر، لقوله تعالى: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة].• أعمال تثقل كفة الحسنات

إنّ أعمال العباد تتفاوت فيما بينها من ناحية وزنها يوم القيامة، فبعض الأعمال أثقل من بعض، وقد بيّن لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعض الأعمال الصالحة التي ينبغي للمسلم أن يحرص عليها؛ لما فيها من وزن ثقيل في كفة حسناته، ومن تلك الأعمال: حُسْن الْخُلُق، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِنْ شيءٍ أَثْقَلُ فِي المِيزانِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق) [الترمذي]، ومنها أيضا: التحميد والتسبيح، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (الطهور شطْرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض..) [مسلم]، وقال عليه الصلاة والسلام: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) [متفق عليه]، ومنها: وقف الأموال والسلاح للجهاد في سبيل الله، فقد روى البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من احتبس فرسا في سبيل الله، إيمانا بالله وتصديقا بوعده، فإن شبعَه وريَّه وروثهَ وبولَه في ميزانِه يوم القيامة)، ومن ذلك أيضا ما رواه مسلم عن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها "أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟) قالت: نعم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لقد قلتُ بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذ اليوم لَوَزَنَتْهُنَّ: سبحان الله وبحمده، عددَ خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته).

وفي المقابل، على المسلم أن يحرص على عدم ارتكاب ما يثقل كفة سيئاته يوم القيامة، وليحسب إنْ همّ بمعصية أنه سيجدها حاضرة أمامه في صحيفة أعماله وكفة سيئاته، وعلى المسلم أيضا ألا يغتر بكثرة حسناته لفعل السيئات، فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات أيضا قد تُذهب الحسنات! فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتدرون ما المفلِسُ؟) قالوا: المفلِسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال: (إنَّ المفلسَ من أمَّتي، يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مالَ هذا، وسفك دمَ هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناتِه وهذا من حسناتِه، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يقضيَ ما عليه، أخذ من خطاياهم فطُرِحت عليه ثمَّ طُرِح في النَّارِ) [رواه مسلم].

نسأل الله الكريم أن يقينا شرورَ أنفسنا، وأن يجنّبنا سيئات أعمالنا، وأن يثقل موازين حسناتنا يوم الحساب.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 368
السنة الرابعة عشرة - الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ

67944dd38c694

  • 1
  • 0
  • 0

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً