الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة • أخذ الغنيمة من غير غلول حلال، لكنه ينقص الأجر: قال ...

الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة

• أخذ الغنيمة من غير غلول حلال، لكنه ينقص الأجر:

قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} [الأنفال: 69]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أُحلّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لنبي كان قبلي) [صحيح، رواه أحمد وغيره]، فالغنيمة مال طيب، لكنّ أخذها ينقص أجر المجاهد في سبيل الله، وذلك ثابت بقوله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم) [رواه مسلم]، قال النووي: «وأما معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجّلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة» [شرح صحيح مسلم].

الغلول من أسباب هزيمة المسلمين:

ليس الغلول سببا لهلاك الغال فحسب، وإنما هو سبب من أسباب هزيمة المسلمين أمام عدوهم أيضا! فعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- أنه قال: «ما ظهر الغلول في قوم قط، إلا ألقي في قلوبهم الرعب» [موطأ مالك]، قال الزرقاني في شرحه للموطأ: «وذلك معاملة لهم بالنقيض، لأنهم لما أخذوا المال بغير حق خافوا، فلما خافوا دخل الرعب في قلوبهم من عدوهم، فجبنوا عن لقائهم، فظهر العدو عليهم، وذلك عامّ في من غل، ومن لم يغل ولم ينكر على الغال مع القدرة على الإنكار» اهـ.

لذا كان خليفة المسلمين أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- يحذر جنوده وأمراءه من معصية الغلول خشية الهزيمة، كما فعل مع يزيد بن أبي سفيان -رضي الله عنه- الذي أمّره على جيش عظيم وأرسله لفتح الشام وشيّعه بنفسه ماشيا، وأوصاه من بين ما أوصاه قائلا: «واجتنب الغلول فإنه يقرب الفقر ويدفع النصر» [الكامل في التاريخ لابن الأثير].

اللهم طهر صفوف المجاهدين من الغلول، وأخرج حب الدنيا وزخرفها من قلوبهم، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

■ المصدر: صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

مقال:
الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة
...المزيد

الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة • حكم الغلول: الغلول حرام، وخيانة، وموجب من موجبات دخول ...

الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة

• حكم الغلول:

الغلول حرام، وخيانة، وموجب من موجبات دخول النار، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ونقل الإمام النووي إجماع الفقهاء على أن الغلول كبيرة من الكبائر [عمدة القاري شرح صحيح البخاري].

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]، وهذه الآية نزلت في قطيفة (نوع من الثياب) فُقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال المنافقون: لعل رسول الله أخذها! فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}، مخبرا أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يُتّهم بالغلول، لأن الغلول من أعظم الذنوب وأشرّ العيوب، وقد صان الله سبحانه أنبياءه -صلوات الله وسلامه عليهم- عن كل ما يدنسهم. ثم ذكر -سبحانه- الوعيد على من غلّ، فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يأتي به حامله على ظهره، فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد، قبل أن يحاسبه على خيانته، وفي ذلك تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه [تفسيرا: الطبري والشوكاني].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قام فينا النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة، على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا) [متفق عليه].

وعنه -رضي الله عنه- أنه قال: افتتحنا خيبر وغنمنا، ثم انصرفنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه عبد له يقال له: مِدْعَم؛ فبينما هو يحط رحل رسول الله إذ جاءه سهم عائر -لا يُدرَى من رماه- حتى أصابه، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بلى والذي نفسي بيده إن الشملة (وهي نوع من الثياب) التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا)، فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين (الشراك: سير النعل الذي يكون على ظهر القدم) فقال: يا رسول الله، هذا شيء كنت أصبته، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (شراك أو شراكان من نار) [متفق عليه].

وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم ثم تناول من البعير قَرَدَةً -قطعة من وبر البعير مما يُنْسَل منه- فجعل بين إصبعيه ثم قال: (يا أيها الناس، إن هذا من غنائمكم، أدوا الخيط والمخيط فما فوق ذلك فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنار ونار) [صحيح، رواه ابن ماجة وغيره].

ما يترتب على الغال في الدنيا:

تبين آنفا أن جزاء الغال في الآخرة هو النار إذا لم يتب ويتحلل مما اقترفه، أما في الدنيا فلا يخلو الغال من إحدى حالتين:

الأولى: أن يتوب من ذنبه قبل اكتشاف غلوله وقبل رفع أمره إلى السلطان، ويشترط لقبول توبته عندئذ أن يعيد ما غله لبيت مال المسلمين، ولا يحق للغال أن يتصدق بما غله، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) [رواه مسلم]، علاوة على ذلك فإن عائدية هذا المال لبيت مال المسلمين.

الحالة الثانية: إن لم يتب الغال من ذنبه، ولم يرجع ما غله لبيت مال المسلمين ووصل أمره للأمير، فللأمير تعزيره بأشد العقوبات، بعد إلزامه برد ما غله أو رد قيمته [المبسوط للسرخسي]، كما أن للإمام تحريق متاع الغال زيادة في النكاية به وردعا لغيره، والتحريق يكون للمتاع لا لما غله من الغنائم [المغني لابن قدامة].

ومن العقوبات التي تلحق الغال غير التائب ترك الصلاة عليه من قبل إمام المسلمين، فعن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- أن رجلا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- توفي بخيبر، وأنه ذُكِر لرسول الله ليصلي عليه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (صلوا على صاحبكم)، فتغيرت وجوه القوم لذلك! فلما رأى الذي بهم قال: (إن صاحبكم غل في سبيل الله)، ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود، ما يساوي درهمين [صحيح، رواه أحمد وغيره].

ومن العقوبات أيضا عدم إلحاق اسم الشهيد بمن قُتل وثبت عليه غلول، فعن عمر -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها) [رواه مسلم]، قال النووي: وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (كلا)، زجر ورد لقولهم في هذا الرجل إنه شهيد، ومن فوائد الحديث أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غل إذا قتل [شرح صحيح مسلم].

■ المصدر: صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

مقال:
الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة
...المزيد

الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة • الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ...

الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة

• الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فإن الأموال السلطانية -التي يتولى السلطان جمعها وتقسيمها- ثلاثة أصناف: الغنيمة والصدقة والفيء، فأما الصدقات فمعروفة، وأما الفيء فهو ما أُخذ من الكفار بغير قتال، وأما الغنيمة فهي المال المأخوذ من الكفار بعد قتالهم، فإذا كان الإمام -أو من يخوّله الإمام- هو الذي يتولى جمع الغنائم والأفياء وتقسيمها، لم يجز لأحد أن يأخذ منها شيئا دون إذن الإمام، وإلا كان ما أخذه غلولا [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، لشيخ الإسلام ابن تيمية].

تعريف الغُلول:

الغُلول لغة: الخيانة، يقال: غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً فهو غَالٌّ، وكل من خان في شيء خفية فقد غل [النهاية في غريب الحديث]، وسميت غلولا لأن الأيدي فيها مغلولة: أي مجعول فيها غُل، والغُل: هو طوق من حديد يُجعل في العنق وتجمع معه اليدان [مختار الصحاح]، «وأصل الغلول الخيانة مطلقا، ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة» [شرح صحيح مسلم للنووي].

أما شرعا: فالغلول هو أخذ شيء من الغنيمة أو الفيء -قل أو كثر- خفية قبل القسمة وبدون إذن الأمير المخول بالغنائم.



حكم الغلول:

الغلول حرام، وخيانة، وموجب من موجبات دخول النار، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ونقل الإمام النووي إجماع الفقهاء على أن الغلول كبيرة من الكبائر [عمدة القاري شرح صحيح البخاري].

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]، وهذه الآية نزلت في قطيفة (نوع من الثياب) فُقدت من مغانم القوم يوم بدر، فقال المنافقون: لعل رسول الله أخذها! فأنزل الله عز وجل: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}، مخبرا أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يُتّهم بالغلول، لأن الغلول من أعظم الذنوب وأشرّ العيوب، وقد صان الله سبحانه أنبياءه -صلوات الله وسلامه عليهم- عن كل ما يدنسهم. ثم ذكر -سبحانه- الوعيد على من غلّ، فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يأتي به حامله على ظهره، فيفضحه الله على رؤوس الأشهاد، قبل أن يحاسبه على خيانته، وفي ذلك تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه [تفسيرا: الطبري والشوكاني].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قام فينا النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر الغلول، فعظّمه وعظّم أمره، ثم قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة، على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا) [متفق عليه].

وعنه -رضي الله عنه- أنه قال: افتتحنا خيبر وغنمنا، ثم انصرفنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه عبد له يقال له: مِدْعَم؛ فبينما هو يحط رحل رسول الله إذ جاءه سهم عائر -لا يُدرَى من رماه- حتى أصابه، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بلى والذي نفسي بيده إن الشملة (وهي نوع من الثياب) التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا)، فلما سمع الناس بذلك جاء رجل بشراك أو بشراكين (الشراك: سير النعل الذي يكون على ظهر القدم) فقال: يا رسول الله، هذا شيء كنت أصبته، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (شراك أو شراكان من نار) [متفق عليه].

وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم ثم تناول من البعير قَرَدَةً -قطعة من وبر البعير مما يُنْسَل منه- فجعل بين إصبعيه ثم قال: (يا أيها الناس، إن هذا من غنائمكم، أدوا الخيط والمخيط فما فوق ذلك فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنار ونار) [صحيح، رواه ابن ماجة وغيره].

ما يترتب على الغال في الدنيا:

تبين آنفا أن جزاء الغال في الآخرة هو النار إذا لم يتب ويتحلل مما اقترفه، أما في الدنيا فلا يخلو الغال من إحدى حالتين:

الأولى: أن يتوب من ذنبه قبل اكتشاف غلوله وقبل رفع أمره إلى السلطان، ويشترط لقبول توبته عندئذ أن يعيد ما غله لبيت مال المسلمين، ولا يحق للغال أن يتصدق بما غله، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) [رواه مسلم]، علاوة على ذلك فإن عائدية هذا المال لبيت مال المسلمين.

الحالة الثانية: إن لم يتب الغال من ذنبه، ولم يرجع ما غله لبيت مال المسلمين ووصل أمره للأمير، فللأمير تعزيره بأشد العقوبات، بعد إلزامه برد ما غله أو رد قيمته [المبسوط للسرخسي]، كما أن للإمام تحريق متاع الغال زيادة في النكاية به وردعا لغيره، والتحريق يكون للمتاع لا لما غله من الغنائم [المغني لابن قدامة].

■ المصدر: صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

مقال:
الغلول من الغنيمة من أسباب الهزيمة
...المزيد

بعد القضاء على ملوك الطوائف المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس • وفي الرابع عشر من شوال لعام ...

بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس

• وفي الرابع عشر من شوال لعام 501 هـ بدأ المرابطون حصارهم لمدينة أقليش ذات الحصون العالية المنيعة، فدب الرعب في قلوب الصليبيين، ففتح المرابطون مدينة أقليش بالتكبير بعد يوم واحد من حصارها في الخامس عشر من شوال، تحصنت فلول الصليبيين الهاربة من أسياف المرابطين في قلعة أقليش وبعثوا رسالة استنجاد مستعجلة إلى حامل الصليب ألفونسو السادس، الذي كان قد بلغ الثمانين من عمره، ولم يعد قادرا على قيادة الحملات الصليبية بنفسه كما كان في شبابه، فأرسل عشرات الآلاف من نخبة جيشه يقودهم قائده العسكري العام إلبار هانس وولي عهده سانشو بن ألفونسو ذو الأحد عشر عاما.

بلغ القائد تميم بن يوسف نبأ خروج جيوش الصليبيين لنجدة أقليش، ففكر في العودة خوفا على أرواح المسلمين الذين معه، فقد كان عدد جنوده قليلا مقارنة بجيوش الصليبيين (مسلم واحد يقابله 15 صليبي)، إلا أن من حسنات أمراء المرابطين أن كل حاشيتهم وبطانتهم من العلماء والصالحين، رهبان الليل فرسان النهار، فقام بعضهم وشجعوا تميماً على القتال وذكّروه بعظم معصية التولي يوم الزحف والانسحاب من وجه الصليبيين، وأخبروه أن النصر من الله إن هو صدق، فثبّت الله -عز وجل- القائد تميمًا بن يوسف، وقد كان لكلام صالحي العلماء غاية الأثر في تثبيته وإقناعه بلقاء الصليبيين في أقليش.

وفي السادس عشر من شوال لعام 501 هـ التقى الصفان، وكان عدد الصليبيين يفوق الثلاثين ألفا، بينما عدد المسلمين لا يتعدى الـ 2300 رجل، لم يخرجهم من ديارهم إلا نية صادقة في إعلاء كلمة لا إله إلا الله.

بدأت المعركة بهجوم خاطف قام به المسلمون، ساعات قليلة كانت كفيلة بحسم المعركة لصالح الإسلام وأهله بتأييد الله ونصره، أما نتائج المعركة، «فقد ذكر مؤرخو المغرب الإسلامي أن عدد قتلى الصليبيين في المعركة تجاوز ثلاثة وعشرين ألفا، بينهم ولي العهد المدلل سانشو ابن الملك ألفونسو السادس، وعشرات من القساوسة والأساقفة والنبلاء»، كما أن الكونتات (علية القوم في المجتمع الأوروبي الإقطاعي) السبعة الذين صاحبوا ولي العهد في الحملة فروا هاربين إلى حصن بلنشون القريب من أرض المعركة، فتبعتهم سرية من فرسان المسلمين، وقتلتهم كلهم.

وكما في معركة الزلّاقة، حيث كان للعلماء والشيوخ حضور بارز في القتال حين التحام الصفوف واصطكاك السيوف، كان لهم دور أيضا في معركة أقليش تحريضا وقتالا، فقد حضر المعركة كثير من علماء المغرب والأندلس، وقد رزق الله بعضهم الشهادة، كما نحسب.

غالبا ما تذكر معركة أقليش في التاريخ باسم «الزلّاقة الثانية»، أما ولي العهد سانشو بن ألفونسو فله قصة عجيبة، فأمه -واسمها زائدة- كانت جارية في قصور بني العباد، أُعجب بها المأمون بن المعتمد بن عباد، وعندما قضى المرابطون على ملوك الطوائف وهاجموا بني العباد في إشبيلية، هربت ومعها ولداها -حفيدا المعتمد- إلى الصليبيين، فأقامت بين أظهر المشركين، ثم تنصرت وارتدت عن الإسلام ودخلت دين الصليب، فتزوجها ألفونسو، وأنجبت منه سانشو هذا، الذي بقر المرابطون بسمهرياتهم بطنه في معركة أقليش.

مات حامل الصليب ألفونسو كمدا على قتل المرابطين ابنه الوحيد سانشو

حزن ألفونسو حزنا شديدا لمقتل ابنه الوحيد سانشو على يد أعدائه التاريخيين (المرابطين)، ومات بعد 20 يوما من موقعة أقليش كمدا وحزنا، فمن نجا من سيوف المرابطين ورماحهم، مات قهرا وغما من أخبارهم وفعالهم.

توالت انتصارات المرابطين في الأندلس، المرابطين الذين صدقوا الله، فصدقهم الله، المرابطين الذين نصروا الله ودينه وشريعته، فنصرهم الله ومكّن لهم في الأرض، ففي عام 509 هـ فتح الله عز وجل لقوات المرابطين البحرية جزر البليار فطهروها من دنس الصليب وعُبّاده، بعد أن ضيعها ملوك الطوائف وسلموها للصليبيين، وتخاذلوا عن الدفاع عنها، وما بذلوا جهدا لاسترجاعها.

ما انتصر المسلمون في الأندلس إلا بعد تحكيم شرع الله وتوحيد الصف والالتفاف حول راية الخلافة القرشية، وقد أذلهم الله وسلط عليهم شرار خلقه يوم عاشوا حياة الفسق والمجون، وداهنوا الصليبيين ووالوهم، فهذا التاريخ، وذي دروسه، فهل من معتبر؟!

هذا وصلى الله وسلم على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

من التاريخ:
بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس
...المزيد

بعد القضاء على ملوك الطوائف المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس • وصلنا في العدد السابق إلى ...

بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس

• وصلنا في العدد السابق إلى قضاء يوسف بن تاشفين -رحمه الله تعالى- على ملوك الطوائف في الأندلس، بعد أن تيقن من رِدّة فريق منهم وبغي فريق آخر، ورأينا كيف أنه بعد أن ضم الأندلس، سارع متواضعا مطيعا أمر الله ورسوله، إلى بيعة الخليفة القرشي العباسي في بغداد، وذكرنا أن المعتمد بن عباد الذي قال كلمته الشهيرة «لأن أكون راعي إبل في صحراء المغرب عند ابن تاشفين، خير من أن أكون راعي خنازير عند ألفونسو» لم يعمل بحكمته، وارتمى في حضن الصليبيين يبتغي عندهم العزة، فأذله الله، واستعان بهم لقتال المسلمين بعد أن كان له باع في قتالهم بالأمس القريب، وكان يصول بفرسه في جموعهم يطاعنهم يوم الزلّاقة، فمن دروس التاريخ أن العبرة بمن صدق، لا بمن سبق.

بعد أن استتبت الأوضاع السياسية والعسكرية في الأندلس لدولة المرابطين، كان أول ما أمر به ابن تاشفين -رحمه الله تعالى- تنظيم الجيش ورسم الخطط الحربية وإنفاذ السرايا والبعوث، فتقدمت جيوش المرابطين -التي تتشكل أساسا من متطوعين- على كل الجبهات، حتى وصلوا حدود مدن فرنسا الصليبية، وحاولوا مرارا فتح مدينة طليطلة إلا أن قدر الله عز وجل كان أن تبقى المدينة بيد الصليبيين، مع أنهم حرروا -بفضل الله- أغلب ريف المدينة.

في سنة 498 هـ، هاجم الصليبيون يقودهم حامل صليبهم ألفونسو السادس أرياف إشبيلية بجيش قوامه 3500 فارس صليبي، فعاثوا في بلاد المسلمين فسادا وسبوا النساء والذراري، فتصدى لهم أمير المرابطين على إشبيلية حينئذ، ودحرهم المرابطون بفضل الله تعالى، وقتلوا منهم ما يزيد على الـ 2000 من جنود الصليب، وأثناء انشغال المرابطين برد عادية الصليبيين، مرض القائد يوسف بن تاشفين مرض موته، حتى قبض البارئ روحه في الأول من شهر محرم عام 500 هـ، بعد أن عاش عمره كله في الجهاد وخدمة الإسلام والمسلمين

أيقن المرابطون أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم فكانت معركة أقليش

خلف الأمير يوسف من بعده في الحكم ولده علي بن يوسف، الذي ما إن أكمل ترتيب شؤون دولته الداخلية حتى أعطى أوامره لأخيه تميم بن يوسف بأن يستأنف الجهاد ضد الصليبيين في الأندلس، إعزازا للتوحيد، ونكاية في الكفر والتنديد، وما هو إلا عام واحد على موت ابن تاشفين، حتى أكمل ولداه علي وتميم السير على دربه وخطاه، فخرج تميم بن يوسف من مدينة غرناطة في العشر الأواخر من شهر رمضان لعام 501 هـ، قاصدا ملاقاة الصليبيين وحربهم، وقد علم المرابطون أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، فلم يكتفوا بالدفاع عن مدن وأحواز الأندلس، بل طرقوا أبواب الدول الصليبية يطلبون نزال جيوشها، وقد انضم لجيش المرابطين الآلاف من المجاهدين المتطوعين من أهالي الأندلس، الذين لمسوا العز تحت حكم المرابطين جنود الخلافة القرشية، وقد عاشوا -في زمن غير بعيد- الذل والهوان أيام حكم الطوائف، التي والى أغلب ملوكها الصليبيين، واصطفوا في صفهم ضد بني جلدتهم

واصل جيش المرابطين زحفه إلى أن وصل إلى بلدة أقليش الحصينة، حيث ظن الصليبيون أن حصون البلدة مانعتهم من أمر الله عز وجل، ونسوا أنهم سينازلون قوما لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها بحول الله وقوته

وفي الرابع عشر من شوال لعام 501 هـ بدأ المرابطون حصارهم لمدينة أقليش ذات الحصون العالية المنيعة، فدب الرعب في قلوب الصليبيين، ففتح المرابطون مدينة أقليش بالتكبير بعد يوم واحد من حصارها في الخامس عشر من شوال، تحصنت فلول الصليبيين الهاربة من أسياف المرابطين في قلعة أقليش وبعثوا رسالة استنجاد مستعجلة إلى حامل الصليب ألفونسو السادس، الذي كان قد بلغ الثمانين من عمره، ولم يعد قادرا على قيادة الحملات الصليبية بنفسه كما كان في شبابه، فأرسل عشرات الآلاف من نخبة جيشه يقودهم قائده العسكري العام إلبار هانس وولي عهده سانشو بن ألفونسو ذو الأحد عشر عاما.

بلغ القائد تميم بن يوسف نبأ خروج جيوش الصليبيين لنجدة أقليش، ففكر في العودة خوفا على أرواح المسلمين الذين معه، فقد كان عدد جنوده قليلا مقارنة بجيوش الصليبيين (مسلم واحد يقابله 15 صليبي)، إلا أن من حسنات أمراء المرابطين أن كل حاشيتهم وبطانتهم من العلماء والصالحين، رهبان الليل فرسان النهار، فقام بعضهم وشجعوا تميماً على القتال وذكّروه بعظم معصية التولي يوم الزحف والانسحاب من وجه الصليبيين، وأخبروه أن النصر من الله إن هو صدق، فثبّت الله -عز وجل- القائد تميمًا بن يوسف، وقد كان لكلام صالحي العلماء غاية الأثر في تثبيته وإقناعه بلقاء الصليبيين في أقليش.

وفي السادس عشر من شوال لعام 501 هـ التقى الصفان، وكان عدد الصليبيين يفوق الثلاثين ألفا، بينما عدد المسلمين لا يتعدى الـ 2300 رجل، لم يخرجهم من ديارهم إلا نية صادقة في إعلاء كلمة لا إله إلا الله.

■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

من التاريخ:
بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس
...المزيد

إنْ قُلتُم: نَحنُ نَحتَفِلُ مَحَبَّةً بِهِ - ﷺ -، • قُلنَا: لكنَّ المَحَبَّةَ هِيَ الاتِّباع ...

إنْ قُلتُم: نَحنُ نَحتَفِلُ مَحَبَّةً بِهِ - ﷺ -،

• قُلنَا: لكنَّ المَحَبَّةَ هِيَ الاتِّباع وليس الابتداع، قَالَ اللهُ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى- { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [آل عمران: ٣١].

تَأمَّل قَولَهُ -تَعَالَى: { فَاتَّبِعُونِي } إذن المَحَبَّةُ هي الاتِّبَاع، ثُمَّ هَل أَنتُم أَكثرُ حُبَّا للنّبي ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ؟ وَمَعَ حُبِّهِم لَهُ - ﷺ - لَمْ يَحتفلوا بمولِده
...المزيد

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها • فضائل الحسبة: لمّا كانت مكانة الحسبة في الشّريعة عظيمةً ...

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• فضائل الحسبة:

لمّا كانت مكانة الحسبة في الشّريعة عظيمةً كان فضلها عظيماً، وكان القائمون عليها بصدقٍ وحقٍ هم أهل الفضائل الذين صدَّقوا القول بالعمل، ودعوا النّاس لدين الله وأخذوا على يد الظّالم والمسيء، وقد تكلّم الله سبحانه وتعالى في كتابه عن صالحي أهل الكتاب من الأمم قبلنا فقال: { لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) } [آل عمران]، فجعل أول علامة للصّالحين بعد الإيمان بالله واليوم الآخر هي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

• فوائد الحسبة الدينيّة والدنيويّة:

اشتملت هذه الشّعيرة المباركة على فوائد دينيّةٍ ودنيويّةٍ جمَّةٍ، منها - على سبيل المثال لا الحصر -:

- النّجاة من عذاب الله تعالى كما قال سبحانه: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [الأعراف: ١٦٥].

- إدراك رحمة الله لمن قام بشعيرة الحسبة، قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } [التوبة].

- شيوع الأمن الحقيقيّ والأمن النّفسيّ بين رعية الدّولة الإسلاميّة، فحين يقوم كلّ فردٍ بدوره الشّرعيّ المأمور به من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ينتفي الظّلم وتشيع الفضيلة، قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } [الأنعام: ٨٢].

- تنبيه الغافلين عن أوامر الله، الغارقين في معاصي الله، وتحقيق مفهوم الرّحمة المتمثّلة ببعثة النّبي صلّى الله عليه وسلّم { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: ١٠٧]، فالرّحمة تقتضي الحرص على النّاس ومنعهم من ولوج محارم الله الموصلة إلى سخطه وعذابه في الدّنيا والآخرة.

- التّقليل ما أمكن من مظاهر الانحراف الأخلاقيّ والسّلوكيّ بين الرعيّة، فما دام دعاة الطّاعة قائمين على رؤوس النّاس فلن يجد - بإذن الله - دعاة جهنّم مكاناً لهم ليفتنوا عباد الله عن صراطه المستقيم.

• الآثار المترتبة على ترك الحسبة:

كما أنّ للحسبة فوائدَ وفضائلَ ظاهرةً فإن لتركها وإهمالها آثارًا خطيرةً على الجماعة المسلمة، منها:

- حلول الغضب الإلهيّ بسبب شيوع المنكرات وهجران الطّاعات، وفشوّ الفساد بين الرعيّة دون نكير أو تحذير.

- تمكّن الباطل وأهله في المجتمع، وذلك يؤدي إلى أن تتحوّل الأرض إلى بؤرةٍ من الشّرّ والفساد قال الله تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ } [البقرة: ٢٥١]، { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [الحج: ٤٠].


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها
...المزيد

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها • مشروعيّة الحسبة وحكمها: قال القاضي عياض: "الأمر ...

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• مشروعيّة الحسبة وحكمها:

قال القاضي عياض: "الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسّنة وإجماع الأمّة" إكمال المعلم بفوائد مسلم. والأدلّة من القرآن الكريم والسّنة المطهّرة على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أكثر من أن تحصى في هذه الأسطر؛ فمنها: قول الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } [هود: ١١٦].

وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيرّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». صحيح مسلم.

فجعل تغيير المنكر من صفات المؤمن الرّاسخة مصداقاً لقوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [التوبة: ٧١]. وليست مقتصرةً على مؤسّسةٍ معيّنةٍ أو طائفةٍ أو فرقةٍ من المسلمين، بل هي واجبةٌ على كلّ مسلمٍ لعموم الأدلّة الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، و علّق الإمام ابن كثيرٍ على قوله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } فقال: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقةٌ من الأمّة متصدّية لهذا الشّأن، وإن كان ذلك واجباً على كلّ فردٍ من الأمّة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من رأى منكم منكراً فليغيرّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل".


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها
...المزيد

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها • الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد ...

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله الطّيبين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فقد بعث الله نبيّه محمّداً صلى الله عليه وسلّم بخير دين وخير كتاب، وجعل أمّته خير أمّة بين الأمم، وخصّص هذه الخيريّة بمزيّةٍ عظيمةٍ فقال: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [آل عمران: ١١٠]، وقد عرفت هذه الشّعيرة العظيمة في التّاريخ الإسلاميّ باسم الحِسبة.

فما هي الحِسبة؟ وما هي مكانتها في الشّرعية الإسلاميّة؟
وما فضيلتها وفوائدها؟ وما الآثار المترتّبة على تركها؟

• تعريف الحِسبة:

الحِسبة لغةً: بالكسر هو الأجر؛ تقول: فعلته حِسبةً؛ والاحتساب: طلب الأجر، وفي الحديث: (من مات له ولد فاحتسبه)، أي احتسَبَ الأجر بصبره على مصيبته به، وفي الحديث: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا)، أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه. انظر لسان العرب لابن منظور.

الحسبة اصطلاحاً: قال صاحب الأحكام السّلطانيّة: "هي أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن المنكر إذا أظهر فعله."، وقال صاحب الإحياء: "الحسبة عبارةٌ عن المنع عن منكرٍ لحَقِّ الله صيانةً للممنوع عن مقارفة المنكر".

فالحسبة إذاً ولاية دينيّة تتولى مهمّة الأمر بالمعروف إذا أظهر النّاس تركه، والنّهي عن المنكر إذا أظهر النّاس فعله، حماية لجناب الشّريعة من الضّياع، وصيانة للجماعة المسلمة من الانحراف، وتحقيقاً لمصالح النّاس الدينيّة والدنيويّة وفقاً لشرع الله تعالى.

• منزلة الحسبة في الإسلام:

قال ابن تيميّة رحمه الله: "جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدّين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - إنّما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرّسل، وعليه جاهد الرّسول والمؤمنون، قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات: ٥٦)، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (الأنبياء: ٢٥)، وقال سبحانه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (النحل: 36)".

وقال القرطبيّ عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: "هو فائدة الرّسالة وخلافة النّبوة" تفسير القرطبيّ. فالحسبة هي سفينة النّجاة التي تحمل الأمة وتنجو بها من التّيه في غياهب المعاصي والشّهوات، والضّلالات والشّبهات.

وقد ضرب لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثلاً واضحاً فقال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا" رواه البخاريّ.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها
...المزيد

معركة الجماعة والفصائل (6) تجارب أهل الجماعة مع الفصائل - لا جماعات مع الجماعة في العراق: ...

معركة الجماعة والفصائل
(6) تجارب أهل الجماعة مع الفصائل

- لا جماعات مع الجماعة في العراق:

مع فتح الموصل وتساقط أجزاءٍ واسعةٍ من العراق بيد المجاهدين، وزوال قبضة الرّافضة عنها، لم تجد الدّولة الإسلاميّة صعوبةً في توحيد صفّ المسلمين هناك خاصّةً بعد إعلان الخلافة الإسلاميّة، والسّبب - بعد فضل الله - يعود إلى خلوّ السّاحة من الفصائل، فالفصائل التي كانت لها القوّة والشّوكة في بدايات الاحتلال الصّليبيّ الأمريكيّ للعراق أتلفت نفسها في قتال الدّولة الإسلاميّة، فتفكّكت وزالت ولم يبق منها إلا بيانات تُنشر على مواقع التّواصل من حسابات يديرها قادتها القابعون في رعاية الطّواغيت في "دول الجوار"، ولم يكن زوالها ناتجاً فقط عن خسائرها في قتال الدّولة الإسلاميّة، بل بانفضاض المقاتلين عنها، حيث تركها الكثيرون ممّن انخدعوا بها سنيناً عندما وجدوا أنفسهم في صفّ الصّليبيّين ضدّ من كانوا يعدّونهم إخوة الجهاد في الأمس، وكذلك انفضّ عنها الذين وجدوا في الانضمام إلى الصّحوات وإلى صفّ الرّوافض والصّليبيّين فرصةً أفضل لتحقيق المنافع من بقائهم في صفّ هذه الفصائل، خاصّةً في ظلّ حشد الفتاوى والتّصريحات من علماء السّوء الذين جعلوا من قتال دولة العراق الإسلاميّة واجب العصر، فزالت الفصائل في العراق، ورحل المحتلّ الصّليبيّ منه، وبقيت الدّولة الإسلاميّة تصاول الرّوافض سنين حتّى فتح الله عزّ وجلّ عليها الأرض.

إنّ تجربة الدّولة الإسلاميّة وخاصّةً بعد إعادة الخلافة الإسلاميّة قدّمت نموذجاً حيّاً عن الفرق بين حال المسلمين في ظلّ الجماعة عن حالهم في ظلّ الفصائل، وإن مقارنةً بسيطةً بين المناطق الخاضعة لحكم الدّولة الإسلامية في الشّام والأخرى التي تسيطر عليها الفصائل كفيلةٌ بتوضيح هذا الفارق.

إذ لم يكن ممكناً على سبيل المثال تطبيق شريعة الله بوجود الفصائل، لأنّ أيّ قضيّة يكون أحد أطرافها تابعاً لفصيل ما، لا يمكن حلّها إلا بمعركةٍ مع هذا الفصيل، في الوقت الذي يخضع كلّ النّاس في دولة الخلافة لسلطة الشّرع، ويحقّ للقضاة فيها استدعاء أيّ مدّعىً عليه مهما بلغت سلطته وليحاكم وفقاً لشريعة الله. ولا تزال الفصائل في المناطق التي تسيطر عليها من الشّام ترفض تطبيق شرع الله بدعوى عدم تمكّنها من الأرض، فأنشأ كلّ فصيلٍ منها محكمةً خاصّة به، فضاعت حقوق العباد بين محاكم الأوغاد. ومن النّاحية العسكريّة، فإنّ ثبات الدّولة الإسلاميّة بفضل الله وهي تخوض حرباً عالميّةً بمفردها لم يكن ليتحقّق في ظلّ وجود الفصائل التي كرّرت تجربة الصّحوات بطريقة أو بأخرى.

الجماعة والفصائل ... لن يتكرّر الخطأ

وبناءً على هذه التّجربة الطّويلة المريرة في التّعامل مع الصّحوات، أدرك قادة الدّولة الإسلاميّة، أن لا حلّ ممكنٌ مع الفصائل إلا بتفكيكها وإزالتها، حيث لا يمكن بأيّ حالٍ أن تنضمّ هذه الفصائل جميعها إلى مشروعٍ جامعٍ للأمّة، لأنّ كلّاً منها يريد أن يكون قائداً للأمّة، إنْ لم يكن يرى في فصيله أنّه هو الأمّة، وكذلك بسبب استقواء أكثر الفصائل بالطّواغيت لتوفير الدّعم اللّازم لاستمرارها وبالتّالي خضوعها لشروط هؤلاء الطّواغيت التي لا يمكن أن تكون في مصلحة المسلمين.

فكان الخطاب الأخير للشّيخ العدنانيّ تقبله الله (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) يحمل في طيّاته النّتيجة النّهائيّة لمصير الفصائل بعد قرنٍ من الزّمن راجت وكثرت فيه الفصائل في ظلّ غياب جماعة المسلمين، ولكنّ تجربة الفصائل وتعدّدها كانت كارثةً من حيث النّاتج العامّ، إذ ضاعت ثمرة الكثير من التّجارب الجهاديّة بسبب هذه الفصائل وتنازعها، وارتباط كثير منها بالطّواغيت، ودخول كثيرٍ منها في مشاريع تحالفاتٍ وائتلافاتٍ مع الطّواغيت لتحقيق مصالح هذه الفصائل، ولإضعاف خصومها، وما تجارب الشّام الأولى (ضدّ الطاّغوت حافظ الأسد) وأفغانستان الأولى (ضدّ الشّيوعيّين) والجزائر (ضدّ أبناء فرنسا) والعراق الأولى (ضدّ الصّليبيّين الأمريكيّين)، والشّام الحاليّة، إلا أمثلةٌ واقعيةٌ عن الكوارث التي أحلّتها الفصائل بالجهاد. وبذلك تنطلق الأمّة المسلمة نحو مرحلةٍ جديدةٍ عنوانها (جماعة المسلمين) التي تقودها الخلافة الإسلاميّة نسأل الله لها النّصر والتّمكين.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
معركة الجماعة والفصائل (6)
تجارب أهل الجماعة مع الفصائل
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
8 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً